ليست المشكلة في النفط، بل في فلوريدا نيكولاس مادورو

قوات عسكرية أميركية شنت، يوم السبت، ضربة مفاجئة في فنزويلا أسفرت عن أسر الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس وإجبارهما على المغادرة قسرياً. نُقِلَ الاثنان جواً إلى نيويورك ويقيمان الآن تحت الحراسة الفيدرالية. مثُل مادورو أمام محكمة فدرالية بتهم تتعلق بالمخدرات والأسلحة ونفى التهم. وصفت حكومات متعددة وخبراء قانونيون دوليون ومسؤولون في الأمم المتحدة العملية العسكرية بأنها “اختطاف” غير قانوني وانتهاك للقانون الدولي، وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة من أنها تفتح سابقة خطيرة تقوّض أعراف السيادة المنصوص عليها في ميثاق المنظمة.

بينما تحاول واشنطن تبرير العملية بخطاب يركّز على النفط والمخدرات، يكشف فحص أعمق عن بعد أيديولوجي واضح: كانت المواجهة، في الجوهر، معركة أيديولوجية دفعتها حوافز سياسية داخلية في الولايات المتحدة، وعلى نحو خاص تأثير الناخبين والنخبة السياسية في ولاية فلوريدا.

النفط ليس الدافع الأساسي

السرد السائد يقدّم احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا — التي تُعدّ رسمياً من بين الأكبر في العالم بحوالي 298 إلى 303 مليار برميل — كمكسب استراتيجي محوري. غير أن تحليلاً قائماً على الأدلة يبيّن ضعف المبرر الاقتصادي الفوري.

صادرات الخام الأميركية من فنزويلا، التي كانت في السابق مهمة، تراجعت لتصل إلى نحو 220 ألف برميل يومياً بحلول 2024، وهو ما يمثل أقل من 4% من واردات الولايات المتحدة من الخام. بالمقابل، تستحوذ كندا على النصيب الأكبر من واردات الخام الأميركية، بنحو 60–63%، وقد سجلت الولايات المتحدة ارتفاعاً حادّاً في إنتاج الخام الخفيف ما قلّص الاعتماد على المصادر الأجنبية. هذا التحوّل يضعف الحجة القائلة إن نفط فنزويلا وحده يشكّل ضرورة استراتيجية ملحّة.

أما سبب أهمية الخام الفنزويلي، فيكمن في طبيعته: نفط ثقيل وحامضي، وهو النوع الذي صُممت مصافي ساحل الخليج الأميركي لمعالجته. لكن هذا يعود في جوهره إلى تكوين المصافي أكثر منه إلى مبرر استراتيجي فوري. علاوة على ذلك، تدهورت بنية صناعة النفط الفنزويلية على مدار سنوات من قلة الاستثمار، فتراجع الإنتاج من نحو 3.5 مليون برميل يومياً إلى نحو مليون برميل يومياً بحلول 2025، وتعافٍ ملموس سيستغرق سنوات من الاستثمار المستمر. ردود فعل الأسواق على أسر مادورو كانت محدودة نسبياً وبقيت أسعار النفط العالمية مستقرة إلى حد كبير، مما يشير إلى أن النفط لم يكن الدافع الرئيسي للعملية.

يقرأ  لوحة فريدا كاهلو قد تكسر الأرقام القياسية في المزادات

ليست المخدرات أيضاً: بين الذريعة والواقع

تحدثت السلطات الأميركية عن تهريب المخدرات و“الإرهاب المخدّر” كجزء من مبررات التدخل. وقد وُجّهت إلى مادورو ومسؤولين فنزويليين كبار تهم متصلة بتهريب الكوكايين، وأُعيدت هذه الاتهامات في أروقة المحاكم. غير أن بحوث وكالات دولية ومحلّلين مستقلين تشير إلى أن الأراضي الفنزويلية تُستخدم كطريق عبور، لكنها ليست المصدر الرئيسي للمخدرات المتدفقة إلى الولايات المتحدة، التي تُنتَج وتُهرّب في الغالب عبر المكسيك ووسط أميركا ومنطقة الكاريبي. هذا التباين بين حجم تجارة المخدرات والحجة المثارة دفع العديد من المحلّلين إلى اعتباره ذريعة أكثر منه دافعاً حقيقياً للعملية.

فلوريدا، الأيديولوجيا والحوافز السياسية الداخلية

تتجلى حجة أكثر إقناعاً عند استقصاء الحوافز السياسية الداخلية التي تشكّل السياسة الخارجية الأميركية، لا سيما دور ناخبي فلوريدا وشبكات النخبة فيها. تمتلك فلوريدا 31 صوتاً في المجمع الانتخابي، وما تزال ولاية مفصلية في الانتخابات الرئاسية، حيث يمكن لهوامش ضئيلة بين المجموعات الحاسمة أن تقلب النتائج القومية.

تعزّز هذه الحقيقة السياسية وضع الجاليات اللاتينية الكبيرة والمنظمة سياسياً في الولاية. لطالما ركز الناخبون الكوبيون الأميركيون على مواقف خارجية مناهضة للشيوعية، بينما عبرت جاليات فنزويليي المهجر، التي استقرت أجزاء كبيرة منها في الولاية خلال العقد الماضي، عن معارضة قوية للحكم اليساري الاستبدادي في كاراكاس. يلاحظ علماء السياسة أن هذه الفئات تشكل كتلة صوتية ذات تأثير في الانتخابات الضيقة، ما يمنح النخب حوافز قوية لتبنّي مواقف صارمة تجاه الأنظمة اليسارية ترضي تلك القواعد الانتخابية.

في مركز هذا السياق يقف ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي وأحد أبناء فلوريدا، الذي تنحو سيرته السياسية نحو المعارضة الحازمة للحكومات اليسارية في أميركا اللاتينية. هربت عائلة روبيو من كوبا الشيوعية، وقد تبنّى سياسات تصادمية باستمرار تجاه الأنظمة الاشتراكية والسلطوية في المنطقة. تفيد تقارير أن مادورو قد عرض تنازلات على قضايا نفطية واقتصادية كان من الممكن أن تكون ذات فائدة تجارية، لكن مستشارين مرتبطين بمصالح فلوريدا دفعوا، بحسب التقارير، إلى تشدّد أكبر، مقدمين المواجهة الأيديولوجية على البراغماتية الاقتصادية.

يقرأ  نشرة صباحية— ٥ اعتقالات جديدة في متحف اللوفر —

يشمل النظام السياسي في فلوريدا أيضاً شبكات مانحين نافذة دعمت تاريخياً مواقف خارجية متشددة، بما في ذلك تيارات داعمة لإسرائيل ذات تنظيم وقدرة تأثير على المستويين الولائي والوطني. خلال الأشهر الأخيرة، عززت زيارات القادة الإسرائيليين لفلوريدا والتواصل المستمر مع شخصيات أميركية هذه التلاقيات الأيديولوجية التي تصف الأنظمة التي تُعتبر معادية لإسرائيل أو متحالفة مع خصومها على أنها تحديات تتطلّب ردود فعل حاسمة. إن التقاء الحوافز الانتخابية والالتزامات الأيديولوجية وشبكات النخب يساعد في تفسير سبب تشكّل السياسة الأميركية تجاه فنزويلا بفعل محركات داخلية كما تشكّلت بفعل مصالح استراتيجية خارجية.

دروس للشرق الأوسط

والنتائج بالنسبة لصانعي السياسات في الشرق الأوسط عميقة الأثر.

أولاً، يبدو أن القانون الدولي تراجع جزءاً من قوته الردعية. عملية الولايات المتحدة التي أدت إلى أسر رأس دولة متسلطة وهو على رأس منصبه من دون تفويض متعدد الأطراف توضح استعداداً لتجاوز الأعراف القانونية الدولية متى ما طغت الحوافز السياسية الداخلية. لقد بدا أن حظر استخدام القوة في غياب موافقة مجلس الأمن أو مبرر واضح للدفاع عن النفس وفق قانو ميثاق الأمم المتحدة قد تم تجاهله، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً.

ثانياً، تظل أهمية الشرق الأوسط الاستراتيجية قائمة وإن كانت في سياق متغيّر. رغم أن أسواق الطاقة العالمية باتت أقل اعتماداً على نفط الشرق الأوسط مقارنة بعقود مضت، إلا أن عوامل أخرى — مثل تدفقات رؤوس المال، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والشراكات الأمنية المستمرة — تحافظ على مكانة المنطقة. من المرجّح أن يستمر تنافس أميركا والصين وتصاعد روابط الصين مع دول الشرق الأوسط في إبقاء واشنطن منخرطة في المنطقة. ومن المتوقع أن تواصل إسرائيل جهود اللوبي المكثفة في واشنطن والعواصم الأوروبية للحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية.

يقرأ  تقرير: ١٢٠ مدافعًا عن الأرض والبيئة قُتلوا أو اختفوا في أمريكا اللاتينية خلال العام الماضي

حالة فنزويلا تبيّن أن التحالفات المبنية في المقام الأول على الأمن الطاقي يمكن أن تكون هشة، وأن العوامل الأيديولوجية والحسابات السياسية الداخلية قادرة على إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية فجأة. لذا على الدول الشرق أوسطية أن تتبنّى استراتيجية دبلوماسية متوازنة: التعاون مع الولايات المتحدة حيث تتقاطع المصالح، وفي الوقت نفسه الاحتياط من تقلبات مفاجئة ناتجة عن حسابات سياسية داخلية أميركية.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق