كما كان متوقعًا، تحوّلت ليلة الحفل الثامن والتسعين لجوائز الأكاديمية إلى ليلة فيلم «معركة تلو الأخرى»، الذي حصد ستة أوسكر من أصل 13 ترشيحًا، متصدرًا قائمة الفائزين.
رغم هيمنة ملحمة بول توماس أندرسون على موسم الجوائز، بدت هناك لحظات مفاجئة وتقلبات حقيقية طوال حفل الأحد.
قصص موصى بها
بعض هذه اللحظات ارتبطت بالمناخ السياسي الراهن في الولايات المتحدة. تجنّب المضيف كونان أوبراين ومقدمو الحفل ذكر الرئيس دونالد ترامب بالاسم، لكن نكاتهم وكمساتهم النقدية كانت تصب مباشرة في سياساته منذ عودته إلى البيت الأبيض.
وجاءت مفاجآت أخرى من داخل المجتمع السينمائي نفسه: للمرة السابعة فقط في تاريخ الأوسكار، تم الإعلان عن تعادل — حيث حصلا فيلما قصيرًا على عدد متساوٍ من الأصوات لجائزة أفضل فيلم قصير روائي. ونتيجة لذلك تقاسما جائزة الأكاديمية كل من فيلم الإثارة السريالي «شخصان يتبادلان اللعاب» ودراما حانة الكآبة «المغنون».
فيما يلي ست خلاصات رئيسية من الليلة.
سباق ثنائي بين «الخاطئون» و«معركة تلو الأخرى»
دخل فيلم مصاصي الدماء «الخاطئون» حفل الأحد حاملاً رقمًا قياسيًا بـ16 ترشيحًا، لكن السؤال الكبير كان: كم ترشيحًا سيحوّل إلى جوائز فعلية؟ منافسه الأكبر كان، بطبيعة الحال، فيلم أندرسون «معركة تلو الأخرى»، صاحب ثاني أعلى عدد ترشيحات. تبارى ريان كوجلر وأندرسون في عدة فئات كبرى، منها أفضل فيلم وأفضل مخرج، وفي الحالتين خرج أندرسون متقدمًا، مع إقرار منه بتقلب هذه الجوائز وطبيعتها المزاجية.
«أريد فقط أن أقول إنه في عام 1975 كانت ترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم هي: Dog Day Afternoon وOne Flew Over the Cuckoo’s Nest وJaws وNashville وBarry Lyndon»، قال المرشح لأفضل مخرج أربع مرات، مستعيدًا أمثلة أصبحت اليوم كلاسيكيات هوليوودية. «ليس هناك أفضل بينها بالضرورة. هناك فقط ما يعبر عنه المزاج في ذلك اليوم.»
فاز «معركة تلو الأخرى» أيضًا في فئتي أفضل ممثل مساعد وأفضل مونتاج، إضافة إلى جائزة أولى لشهادة أفضل اختيار فريق التمثيل. ومع ذلك، وبدليل تقارب عملَيْهما، خرج كل من كوجلر وأندرسون من الليلة بجوائز كتابة: أندرسون نال جائزة أفضل سيناريو مقتبس عن رواية توماس بينشون “فينلاند”، بينما حصل كوجلر على جائزة أفضل سيناريو أصلي عن «الخاطئون»، الذي استُلهم من عشق عمّه للبلوز.
جوردان يتفوق على شالاميه في سباق أفضل ممثل
قدّم «الخاطئون» أربعة انتصارات في المجمل، بينها بعض اللحظات العاطفية والمتوترة على نحو كبير. في فئة أفضل تصوير سينمائي، أصبحت أوتمن دورالد أركاباو أول امرأة تتصدر هذه الفئة، وهي أول ترشيح لها وأول فوز، متفوقة على مصوّرين مخضرمين مثل داريوس خوندجي ودان لاوستسن.
ونال فريق «الخاطئون» فوزًا كبيرًا آخر بتتويج مايكل ب. جوردان، الممثل الذي اختاره كوجلر منذ انفلاقه الإخراجي في 2013، والذي تفوّق في سباق أفضل ممثل على الشاب تيموثي شالاميه، نجم دراما تنس الطاولة في الخمسينات «مارتي سوبرِيم». حملة شالاميه الانتخابية العدوانية قد تكون أضرت بفرصه؛ إذ تكررت خلال الليل سهام وانتقادات لتصريحاته الأخيرة التي تقلّل من قيمة الأوبرا والباليه. قال شالاميه في مقابلة الشهر الماضي إن «لا أحد يهتم بعد الآن» بتلك الفنون.
«يمكننا تغيير المجتمع عبر الفن، عبر الإبداع، عبر المسرح والباليه وأيضًا السنيما»، قال المخرج ألكسندر سينغ بوضوح أثناء تقبّله لجائزة أفضل فيلم قصير روائي. أما أوبراين فعالج رد الفعل بسخرية عن الإجراءات الأمنية المشددة في الحفل: «قيل لي إن هناك مخاوف من هجمات من كلٍ من مجتمعات الأوبرا والباليه»، ثم التفت إلى شالاميه مازحًا: «هم غاضبون لأنك لم تذكر الجاز.»
سلسلة من الإقصاءات
مع هيمنة «الخاطئون» و«معركة تلو الأخرى»، خرجت أفلام حازت استحسانًا نقديًا كبيرًا خالية الوفاض تقريبًا. كما كان متوقعًا، حصل فيلم غييرمو ديل تورو «فرانكشتاين» على ثلاثة جوائز تقنية بينها أفضل تصميم إنتاج، أفضل أزياء، وأفضل تصفيف شعر وماكياج.
أما ضربة نتفليكس الضخمة «KPop Demon Hunters» فقد آلت أيضًا إلى حصد فئتيها المتوقعتين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية أصلية. وفي المقابل، فشلت بعض الترشيحات الرائدة السابقة مثل «هامنِت» في تحقيق وقع كبير، فحصل الفيلم الذي ترشّح لثمانية جوائز على جائزة واحدة فقط: جائزة أفضل ممثلة للممثلة الإيرلندية جيسي باكلي. أما «مارتي سوبرِيم» والفيلم البرازيلي «العميل السري» فكان أداؤهما أقل حظًا أثناء الحفل. رغم ترشحه لتسع جوائز واعتباره مرشحًا شبه مؤكد لجائزة أفضل ممثل، لم يحقق مارتي سوبريم أي انتصار.
فيلم «العميل السري»، الذي سيطر على جوائز أفضل ممثل وأفضل مخرج في مهرجان كان 2025، لم يحصد شيئًا في مراسم الأوسكار هذا العام. ونفس المصير طال الدراما الغريبة حول الاختطاف «بوجونيا» للمخرج المحبوب يورغوس لانثيموس.
المغنية الكورية‑الأمريكية إِجاي تستلم جائزة أفضل أغنية أصلية عن فيلم «صائدو شياطين الكيبوب» [أنجيلا فايس/أ.ف.ب]
مخاوف من الذكاء الاصطناعي
ابتعد الحفل أحيانًا عن سياق المنافسة بين الأفلام ليلتقط قضايا أوسع تواجه صناعة السينما والبلاد ككل، من بينها التنامي التدريجي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الإبداعي.
في الأسابيع التي سبقت الدورة 98 من الأوسكار، انتشر مقطع مُولَّد بالذكاء الاصطناعي يظهر أيقونات هوليوودية مثل براد بيت وتوم كروز في شجار على سطح مبنى، شجار بدا كما لو أنه مقتبس من فيلم جيمس بوند. ولقد جرى إنتاج المقطع عبر برنامج طورته الشركة الصينية بايتدانس، وسارع قادة هوليوود إلى إدانته واعتباره تهديدًا لمعيشتهم، بالإضافة إلى انتهاك محتمل لحقوق الطبع والنشر.
ترددت تلك المخاوف على خشبة الأوسكار، حيث تطرّق أوبراين وآخرون إلى الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي. وقال الممثل ويل أرنت بحزم عند تقديم جوائز الرسوم المتحركه: «الليلة نحتفي بالبشر، لا بالذكاء الاصطناعي؛ فالرسوم المتحركة أكثر من مجرد أمر نصي». فيما مزح أوبراين قائلاً إنه بحلول العام المقبل قد يحل مكانه «وايمو ببدلة سهرة».
ترامب مُنتقد لتجاوزاته تجاه حرية التعبير
ظل شبح الرئيس دونالد ترامب يلوح فوق الحفل، إذ اتُهم بشن هجمات عسكرية قاتلة في فنزويلا وإيران، وبقيادة حملات قمع عنيفة بشأن الهجرة داخل الولايات المتحدة. لم يُذكر اسم ترامب مباشرة في الحفل، لكن إشارته كانت حاضرة طوال الأمسية.
أعطى أوبراين نبرة سخرية منذ بدايته في مونولوج الافتتاح، وقال ما معناه: «عندما استضفت العام الماضي كانت لوس أنجلوس تحترق… لكن هذا العام، كل شيء يسير على ما يرام»، عبارة حملت مرارة واضحة. وكان جيمي كيميل أكثر صراحة، علماً أن برنامجه أُعلق لفترة بعد انتقاد ترامب له، وأن رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية — المعين من قبل ترامب — هدد لاحقًا بترخيص البث للقناة التي يظهر عليها كيميل.
مازح كيميل قائلاً: «هناك دول قادتها لا يؤيدون حرية التعبير. لست مخولاً بذكرها كلها. لنكتفِ بكوريا الشمالية وCBS»، في إشارة ساخرة إلى قناة ألغت بدورها برنامجاً كوميدياً متأخرًا.
تطرقت عدة شخصيات سينمائية خلال الحفل إلى الجدل المحيط بترامب. فقد ألمح الفائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي، ديفيد بورنشتاين، إلى موازاة بين فيلمه الذي يستكشف الاستبداد في روسيا وما يحدث في الولايات المتحدة. قال عن فيلمه «سيد لا أحد ضد بوتين»: إنه يتناول كيف تفقد وطنك، مشيرًا إلى أن فقدان الحرية يحدث تدريجيًا عبر أمور يومية من التواطؤ: عندما نلتزم الصمت، عندما ترتكب حكومات قتلًا في شوارع مدننا الكبرى، وعندما تسيطر الأوليغارشيات على وسائل الإعلام.
الخطب السياسية تتجنّب ذكر حرب إيران
تجري مراسم الأوسكار قبل نحو سبعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في الولايات المتحدة، التي قد تفقد فيها الجمهوريون أغلبية المجلسين. ومع أن بعض السينمائيين ألمحوا إلى مواقف مناهضة لترامب، فإن قلة منهم دانت سياساته صراحة.
الفائز النرويجي جوآكيم تريير، عن فئة أفضل فيلم أجنبي، عبّر عن نقده مقتبسًا من جيمس بالدوين حول واجب حماية الأطفال: «دعونا لا نصوت لسياسيين لا يأخذون هذا الأمر بجدية». ولم يشر أي فنان بشكل مباشر إلى الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، رغم أن آثارها ظهرت في غياب بعض المشاركين.
المخرج جعفر بناهي، الذي كانت أفلامه مرشحة لجلستيْن، أعلن عزمه العودة إلى إيران بعد انتهاء موسم الجوائز. أما السياسية الإيرانية سارة شاهوردي — موضوع ترشيح في فئة الفيلم الوثائقي القصير — فقد مُنعت من الحضور بسبب قرار ترامب بحظر تأشيرات قادم من 39 دولة. وكذلك أفاد الممثل الفلسطيني معتز ملحس، نجم المرشح «صوت هند رجب»، أنه لم يستطع الحضور بسبب حظر السفر.
كانت أسلم الإشارات إلى النزاعات العالمية مقتضبة ومباشرة: قال النجم الإسباني خافيير باردم عند تقديمه جائزة ست كلمات فقط: «لا للحرب، وحرروا فلسطين!». وناشد المخرج الروسي بافل تالانكين الجمهور قائلاً: «باسم مستقبلنا، وباسم أطفالنا جميعًا، أوقفوا كل هذه الحروب الآن».
لكن في العموم حافظ الفائزون والمقدّمون على تصريحات غامضة، مفضلين التأكيد على الوحدة العالمية بدل النقد السياسي الصريح. قال أوبراين في مستهل الحفل: «إذا كنت جادًا للحظة، فالجميع حول العالم يدرك أن هذه أوقات فوضوية ومخيفة». وأضاف أن في مثل هذه اللحظات تكتسب الأوسكار صدى خاصًا، مشيرًا إلى تمثيل 31 دولة عبر ست قارات هذا المساء، وأن كل فيلم نحتفل به هو ثمرة جهود آلاف الأشخاص الناطقين بلغات متعددة.
جادل البعض بأن السينما تتجاوز الحدود؛ فالموهبة على المسرح ليست أمريكية وحدها، بل نتاج عمل مشترك يعكس تنوعًا عالميًا.