مادورو يمثل أمام محكمة نيويورك توقعات السيناريوهات والتداعيات

من المقرر أن يمثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أمام محكمة في نيويورك يوم الاثنين، بعد يومين من اختطافه على يد قوات خاصة تابعة للولاات المتحدة في عملية عسكرية جرت في كاراكاس. أُلقي القبض على مادورو وزوجته سيليا فلوريس يوم السبت ونقلا إلى نيويورك حيث يواجهان عدة تُهم فيدرالية تتعلّق بالمخدّرات والأسلحة.

متى وأين؟
من المتوقع أن يمثل مادورو أمام قاضٍ فيدرالي عند ظهر يوم الاثنين (الساعة 17:00 بتوقيت غرينتش)، في مبنى محكمة الولايات المتحدة دانيل باتريك موينيهان في المقاطعة الجنوبية لنيويورك، أمام القاضي الفيدرالي ألفين هيلرستاين. وقال متحدّث باسم المحكمة لشبكة NBC إن فلوريس، المدرجة أيضاً كمدعى عليها في لائحة اتهام كُشِف عنها يوم السبت، ستظهر في الجلسة نفسها.

ما هي التهم؟
تتهم اللائحة الاتهامية مادورو بقيادة شبكة فاسدة استغلت السلطة بطرق غير شرعية لنقل آلاف الأطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة بالاشتراك مع متآمرين آخرين. كما تقول اللائحة إن مادورو “شوّه” كل منصب عام شغله، وأنه سمح بازدهار الفساد المموّل بالمخدرات لمصلحته الشخصية ومصلحة أفراد نظامه وعائلته. التهم الأساسية أربعة:
1. التآمر للإرهاب المرتبط بالمخدرات (ناركو-تيرورزم): تُشير اللائحة إلى أن مادورو ومتآمريه قدّموا قيمةً ماليةً لمنظمات مُصنّفة من قبل الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية أجنبية وأفرادها، ومنها قوات القوات المسلحة الثورية لكولومبيا (فارك) والجماعات المنشقّة عنها مثل سيغوندا ماركويتاليا، وجيش التحرير الوطني، وكتال السلالات المكسيكية مثل سينالوا ولوس زيتاس/كارتل ديل نوريهستي، إضافة إلى عصابة ترين دي أراجوا الفنزويلية.
2. التآمر لاستيراد الكوكايين: التهمة بارتكاب مؤامرة لتصنيع وتوزيع واستيراد الكوكايين إلى الأراضي الأمريكية.
3. حيازة رشاشات وأجهزة مدمرة: تتّهم اللائحة المتّهمين بحيازة وحمل واستخدام رشاشات في سياق جرائم الاتجار بالمخدرات.
4. التآمر لحيازة رشاشات وأجهزة مدمرة: اتهام إضافي بالمؤامرة لاستخدام وحمل وامتلاك تلك الأسلحة لتسهيل الاتجار بالمخدرات.
وتطلب اللائحة أيضاً مصادرة العائدات والأصول التي يزعم أنها اكتُسبت من خلال الجرائم المشار إليها.

هل ثمّة دلائل؟
لا توجد أدلة كثيرة على أن فنزويلا هي مصدر رئيسي لتهريب المخدرات على نطاق واسع. وأفاد تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2023 أن إنتاج الكوكايين العالمي سجّل رقماً قياسياً تقارب 3,708 أطنان، مع معظم زراعات الكوكا في كولومبيا ثم بيرو وبوليفيا. في 2023-2024 مرّت طرق التهريب إلى الولايات المتحدة أساساً عبر كولومبيا وبيرو والإكوادور، لا عبر فنزويلا، التي تَستخدم أحياناً كممر ثانوي للكوكايين الكولومبي المتجه إلى شرق البحر الكاريبي.

يقرأ  مادورو مستعد للحوار وجهًا لوجه مع تصاعد ضغوط الولايات المتحدة

من ذُكروا في اللائحة الاتهامية؟
مادورو
مادورو (63 عاماً) الذي تولّى رئاسة فنزويلا في 2013، أُعلِن فائزا في انتخابات 2024 التي رفضتها الولايات المتحدة ومراقبون مستقلون بوصفها مزوّرة، وخلصت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة إلى أن الاقتراع لم يلبِ المعايير الدولية. ودعت تسع دول لاتينية إلى مراجعة النتائج تحت إشراف مستقل. دافع مادورو عن الشرعية الانتخابية واتهم معارضيه بمحاولة تقويض سيادة البلاد.

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل نحو عام، ضاعفت الإدارة الأمريكية العقوبات والإجراءات القسرية ضد مادورو وكبار مسؤولي حكومته، وبدأت تصعيداً عسكرياً في أغسطس بتوزيع قطع بحرية وآلاف الجنود في البحر الكاريبي قرب فنزويلا، ونفذت ضربات جوية ضد زوارق يُزعم أنها تابعة لتجار مخدرات فنزويليين، ما أسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص. ورد مادورو بتعبئة قواته المسلحة. ونقلت غلوبوڤيجن عنه قوله: «من الشمال جنّ الجنرال إمبراطورية، وجددت تهديداتها للسلام والاستقرار في فنزويلا.» ومع ذلك، وقبل الهجوم الأمريكي بيوم، عرض مادورو إجراء محادثات لمكافحة تهريب المخدرات.

فلوريس
سيليا فلوريس (69 عاماً)، زوجة مادورو منذ 2013، تُعرَف بلقب «المقاتلة الأولى» وليس السيدة الأولى؛ وهي محامية وسياسية مخضرمة اشتهرت بدفاعها عن هوغو تشافيز بعد محاولته الانقلابية الفاشلة عام 1992، وأسهمت في نيله للإفراج ثم صارت شخصية محورية في حركة تشافيز وأوّل امرأة تترأس الجمعية الوطنية الفنزويلية. تتهمها اللائحة بالاشتراك في مؤامرة استيراد الكوكايين مع مادورو.

متّهمون آخرون
تُسمي اللائحة أربعة أشخاص آخرين كمتآمرين مع مادورو: ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية الفنزويلي؛ رامون رودريغيز تشاسين، وزير داخلية سابق؛ نيكولاس مادورو غيرّا، نجل الرئيس وسياسي؛ وهيكتور راستنفورد غيريرو فلوريس، زعيم ترين دي أراجوا، التي صنّفتها الولايات المتحدة في فبراير منظمة «إرهابية أجنبية». مع ذلك، لا يتفق معظم الخبراء على توصيف ترين دي أراجوا كمنظمة إرهابية. لم يتضح بعد من سيمثل مادورو وفلوريس وباقي المتّهمين قانونياً.

يقرأ  «لا طعام بعد الآن»خفض التمويل الأمريكي يضرب منظمات الإغاثة في شمال نيجيريا

من هو القاضي؟
ألفين هيلرستاين من مواليد 1933 في نيويورك، عُيّن في المقعد الفيدرالي عام 1998 بمرسوم الرئيس السابق بيل كلينتون. من المتوقع أن يطلع مادورو وفلوريس على حقوقهما ويسألهما ما إذا كانا يرغبان في الإدلاء بمرافعة أولية أو تقديم طلب بالتخلي عن التهمة.

ما هو على المحك؟
حرية مادورو هي الخطر الأساسي؛ فالإدانات قد ترجح عقوبات تمتد من ثلاثين سنة إلى السجن المؤبد. كما يرى بعض المحلّلين أن الخلاف يتجاوز الشخص ليشمل النفاذ إلى احتياطيات النفط الفنزويلية. يقول إلياس بانتيكاس، أستاذ القانون العابر للحدود في جامعة حمد بن خليفة بقطر، إن الهدف الأهم هو حقل النفط: «ترامب لا يكتفي بمنح امتيازات لشركات نفطية أمريكية بل يطمح لأن تدير البلاد، بما يعني السيطرة المطلقة والدائمة على موارد فنزويلا.» تتركز احتياطيات فنزويلا في حزام أورينوكو الشرقي، وتمتد على نحو 55 ألف كيلومتر مربع. وعلى الرغم من أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطات نفطية مثبتة في العالم — حوالى 303 مليار برميل في 2023 — فإنها تجني جزءاً ضئيلاً فقط من العائدات التي كانت تحققها سابقاً بسبب سوء الإدارة والعقوبات الأمريكية.

في الشهر الماضي، اتهم ترامب عبر منصة تروث سوشيال فنزويلا بسرقة نفط وأراض وأصول أمريكية واستخدام العائدات في تمويل الجريمة والإرهاب والاتجار بالبشر. وكرّر ادعئاته بعد توقيف مادورو، وقال في مؤتمر صحفي يوم السبت إن الولايات المتحدة «ستدير» فنزويلا حتى يتم تنفيذ «انتقال آمن وعادل وحكيم». ويقول بانتيكاس إن تنفيذ خطة تتضمن هيمنة أمريكية تتطلب انتشاراً عسكرياً واسعاً، ويعتمد نجاحها على ردود فعل دول مثل البرازيل وكولومبيا وموقف دول البريكس.

ردود دولية ومسار القانون الدولي
في بيان مشترك صدر الأحد، قالت حكومات إسبانيا والبرازيل وتشيلي وكولومبيا والمكسيك والأوروغواي إن الإجراءات الأمريكية في فنزويلا «تشكل سابقة خطيرة للغاية للسلام والأمن الإقليمي وتهدّد المدنيين». أثارت طريقة القبض على مادورو تساؤلات قانونية جوهرية؛ حيث اتهمت روسيا والصين وحلفاء فنزويلا الولايات المتحدة بانتهاك القانون الدولي. ويقول بانتيكاس إن حالات الاستهداف العسكري رؤيتها تختلف: «لو كان ثمة صراع مسلح بين فنزويلا والولايات المتحدة وكان مادورو قائداً للقوات المسلحة في بلده لكان هدفاً مشروعاً، أما في ظل غياب صراع مسلح أو هجوم فنزويلي على الولايات المتحدة فالغزو والاختطاف يخرقان البند 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة ويعدّان عملاً عدوانياً صارخاً.» ينص ذلك البند على حظر تهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.

يقرأ  ذوو الرهائن يحتجون أمام مقر إقامة نتنياهو

سيعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اجتماعاً يوم الاثنين للنظر في قانونية اختطاف مادورو. ويشير بانتيكاس إلى أن وجود مادورو حالياً تحت الحجز الأمريكي وما إذا كان في الولايات المتحدة يجعل من مصلح الأطراف أن يمثل أمام محكمة، حيث يمكنه الطعن في قانونية اعتقاله وسلطة المحكمة. ويقع على عاتق المحكمة أن تقرّر أولاً ما إذا كانت تتمتع بالاختصاص، وما إذا كان مادورو يتمتع بالحصانة من الملاحقة الجنائية، وفي حال رفض هذه المطالب الأولية يجب على الادعاء أن يثبت قضيته.

ما الذي سيحصل لاحقاً؟
لم توضح إدارة ترامب خطة واضحة لحكم فنزويلا اليومي، فيما يصف محلّلون رسائلها بأنها مبهمة متناقضة. وفي مقابلة مع قنوات NBC قال وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد إن واشنطن لا تنوي إدارة فنزويلا يومياً بخلاف فرض «حجر صحي نفطي» قائم. وأضاف لبرنامج ABC أن الولايات المتحدة تملك أوراق ضغط وستعمل على «تهيئة الشروط» ليُصبح البلد غير جنة لتهريب المخدرات. من جهته هدد ترامب يوم الأحد بإجراء ضربة عسكرية ثانية إذا رفضت الحكومة الفنزويلية التعاون مع خطته «لحلّ» الوضع هناك، وقال إن زعيمة السلطة الجديدة دلسي رودريغيز قد «تدفع ثمناً باهظاً» إذا لم تفعل ما يتوقعه، وأضاف أنها «لا تملك خياراً حقاً». وفي أول مؤتمر صحفي بعد ما وصفه معارضون بأنه اختطاف غير قانوني، استبعد ترامب التعاون مع زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي حُرمت من الترشح في انتخابات 2024 وتُعتبر الخصم الأبرز للمنظومة اليسارية لمادورو.

من جانبها عرضت رودريغيز، القائدة المؤقتة، التعاون مع ترامب ودعت إلى «علاقات محترمة» ودعَت إلى التعاون عبر منشور على وسائل التواصل، قائلة: «الرئيس دونالد ترامب، شعوبنا ومنطقتنا تستحق السلام والحوار لا الحرب.» جاء هذا التصريح بعد يومٍ من ظهورها على التلفزيون الرسمي مؤكدة أن مادورو لا يزال الرئيس الشرعي الوحيد لفنزويلا.