ما الإجراءات الجديدة التي تعتمدها إيطاليا لمواجهة الاحتجاجات العنيفة؟

وافقت حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني اليمينية على مجموعة واسعة من الإجراءات الأمنية، من بينها إرسال 500 عسكري إلى مدينة ميلانو، العاصمة المالية، في محاولة لكبح الاحتجاجات التي يقودها الشباب وتحولت إلى أعمال فوضى خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وكتبت ميلوني على مواقع التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء، وهي تعلن المرسوم: «لا شيء ثوري في التخريب والسرقة. التخريب والسرقة ليسا احتجاجا، بل جريمة». اندلعت الاضطرابات يوم السبت في ميلانو أثناء تجمع سلمي احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الظروف المدرسية، على غرار تحركات مماثلة في إسبانيا وفرنسا المجاورتين. وقامت مجموعات معظمها من الشباب بنهب المتاجر وتحطيم النوافذ والاشتباك مع الشرطة مرة أخرى يوم الأحد، كما وردت تقارير عن أعمال شغب في بولونيا وتورينو.

ما هي الإجراءات التي أُعلنت؟

أعلنت وزارة الدفاع أن مجلس الوزراء وافق على إرسال 500 عسكري إلى ميلانو حتى نهاية العام للحفاظ على الأمن في المواقع الحيوية، وتكثيف المراقبة في المواقع الحساسة وتعزيز الرقابة في المنطقة. وليس واضحا ما الذي سيتمكن الجيش من فعله، لأن مجلس الوزراء لم يمنح الجنود صلاحيات شرطية إضافية بعد اعتراض الرئيس سيرجيو ماتاريلا. ففي إيطاليا، يتولى الجيش الدفاع الوطني، بينما تقوم الشرطة بالتحقيقات وتنفيذ الاعتقالات.

وضمن الإجراءات القانونية الجديدة التي بدأ العمل بها فورا، استحدثت الحكومة جريمة «المشاركة العنيفة في المظاهرات العامة»، وتستهدف من يتجمعون في مجموعات يزيد عدد أفرادها على خمسة ويستخدمون أدوات يحتمل أن تكون ضارة، مثل الحجارة والعصي والألعاب النارية. ويعاقب على هذه الجريمة بالسجن حتى خمس سنوات وبغرامة تصل إلى 20 ألف يورو، أي نحو 22,440 دولارا.

ويستشهد نص المرسوم بعبارة «من يكسر يدفع» كأساس لتحميل آباء القُصّر المسؤولية المالية عن الأضرار التي يسببها أطفالهم. ويمكن للدولة أن تطالب بتعويضات عن أي خسارة ناتجة من خلال ممتلكات الآباء أو بخصم الإعانات العامة التي تتلقاها الأسرة. كما سيخضع الأطفال والشباب بين 14 و18 عاما للاحتجاز الإداري، حتى لو لم يرتكبوا جريمة، إذا توفرت أدلة على أنهم يشكلون خطرا، وذلك بتمديد صلاحيات كانت تنطبق سابقا على البالغين فقط. وتشمل الإجراءات الإضافية عقوبات سجن أطول تصل إلى 12 عاما لمن يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي أو الأدوات الإلكترونية لتنظيم مجموعات لمظاهرات عامة عنيفة.

يقرأ  الرسوم التوضيحية الساحرة ليانغ جيا لونخيال علمي ورعب ما بعد نهاية العالم من عالمٍ آخر— تصميم تثق به · تصميم يومي منذ ٢٠٠٧

وقال غريغوريو سورغونا، وهو مؤرخ في جامعة باليرمو، إن هذه الإجراءات لا تأخذ في الحسبان تزايد السخط بين الشباب، الناتج عن «تناقض جوهري»: «فمن ناحية، هناك استعراض للثروة والغنى كنموذج للنجاح؛ ومن ناحية أخرى، أزمة عميقة تتسم بضيق اقتصادي شديد». وأضاف لـ«الجزيرة» إن «عدم تمكن الشباب الذين يعيشون في الفقر من الوصول إلى رموز الثروة تلك قد يثير سلوكا عنيفا وأعمال نهب. وقبل معالجة الآثار، ينبغي العمل على الأسباب، بدءا من التفاوت الاجتماعي المتزايد».

ما الذي حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع؟

خرج مئات الآلاف من الأوروبيين إلى الشوارع في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال يوم السبت في مظاهرات غير منسقة إلى حد كبير احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة في بلدانهم. وفي ميلانو، اشتبك مثيرو الشغب مع الشرطة ونهبوا المتاجر وأحرقوا ممتلكات في وسط المدينة، مما أفرغ ساحة ديل دومو وممرا فاخرا كان يمتلئ عادة بالمتبضعين. وبدأت مسيرة ضد الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل سلمي، لكن محتجين ملثمين ألقوا الحجارة وبلاط الأرصفة وأشياء أخرى على شرطة مكافحة الشغب وأشعلوا النار في حواجز صنعت من طاولات الحانات. واستخدمت الشرطة مدافع المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود. وأصيب اثنان على الأقل من أفراد الشرطة، واحتُجز نحو 50 متظاهرا، كثير منهم قُصّر، بحسب وكالة الأنباء الإيطالية «لا بريس». وفي بولونيا، أبلغت الشرطة أيضا عن إلقاء حجارة واشتباكات مع ضباط إلى جانب تجمعات سلمية. وفي تورينو، استخدم محتجون ملثمون حاويات القمامة وأثاثا خارجيا لإقامة حواجز، وألقوا مفرقعات وعصي وحجارة على الشرطة.

ما ردود الفعل على الإجراءات الجديدة؟

يقول المحتجون إن الإجراءات لا تعالج السبب الجذري للعنف، أي ارتفاع الأسعار الذي يدفع الأسر إلى الفقر. وقد أدى نقص الإسكان الميسور وارتفاع تكاليف الأسر وتعطل الخدمات العامة إلى قول كثير من الشباب إنهم لم يعودوا يتوقعون أن يكونوا أفضل حالا من آبائهم. وارتفعت الأسعار بنحو 2 في المئة سنويا في المتوسط، لكنها قفزت في 2022 عندما بلغ التضخم السنوي 8.7 في المئة في إيطاليا. وكان الدافع الرئيسي إلى ذلك تكاليف الطاقة التي ارتفعت بشدة بعد غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير 2022. وبين عامي 2000 و2025، ارتفعت تكلفة الضروريات اليومية مثل الغذاء والطاقة والنقل وفواتير المنازل بنسبة 68 في المئة في إيطاليا، بينما انخفض متوسط الأجر بدوام كامل بنحو 5 في المئة.

يقرأ  تقارير: روسيا تدفن مصنع مسيّراتها تحت الأرض

وقالت سيلفيا ساليس، عمدة جنوة: «يجب الاستماع إلى الشباب، لكننا رأينا في ميلانو وتورينو عنفا هدفه الوحيد التدمير». وأضافت، بحسب صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية، أن «الرد يجب أن يكون الإدماج». وحذرت منظمات غير حكومية، من بينها جمعية أنتيغوني التي تعزز حقوق الإنسان داخل نظام السجون، من أن اعتقال الشباب بأعداد كبيرة لن يؤدي إلا إلى زيادة المشكلات القائمة. وقالت إن أحكاما أطول وأكثر سجنا ستزيد الاكتظاظ. وبحسب بيانات حكومية، ارتفع عدد نزلاء السجون في إيطاليا بالفعل بأكثر من 17 في المئة خلال أربع سنوات. وقالت المنظمة في منشور على أحد مواقع التواصل الاجتماعي إن نحو طفل من كل سبعة أطفال، أي 13.8 في المئة، يعيش في فقر، لكن الحكومة لم تضع أي سياسات لمعالجة ذلك.

وقال سورغونا إن هذه الإجراءات الأخيرة من غير المرجح أن تمنع مزيدا من الاحتجاجات والعنف، كما فشلت في جنوة عام 2001 أمام متظاهرين مناهضين للعولمة خلال قمة مجموعة الثماني، حين سار 300 ألف متظاهر وردت الشرطة بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. وأضاف: «الردع ليس بالضرورة أداة صالحة لمنع تطرف الصراع، خصوصا في مجتمع يجتاحه الفقر والفصل الاجتماعي». وتابع أن «المرسوم يخاطر بتصعيد الاحتجاجات ويؤدي إلى اعتقال آلاف المشتبه بهم على أساس أسباب قانونية غير محددة بوضوح».

أضف تعليق