ضريح ياسوكوني في طوكيو، الذي يخلّد ذكرى نحو مليونين ونصف مليون قتيل، معظمهم جنود ومدنيون يابانيون سقطوا في الحرب العالمية الثانية، يُعد من أكثر الأماكن تقديساً في اليابان ويزوره الملايين سنوياً. لكنه يكرّم أيضاً 14 من مجرمي الحرب المدانين، ولذلك يُنظر إليه كرمز للفظائع التي ارتكبتها اليابان في آسيا خلال حقبة الاستعمار.
زيارة مسؤولين يابانيين، بينهم وزير الدفاع شينجيرو كويزومي، للضريح أثارت انتقادات من الصين وكوريا الجنوبية، اللتين تعتبرانه رمزاً لفشل طوكيو في التكفير عن الفظائع التي ارتكبتها قواتها.
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي، التي كانت تزور الضريح بانتظام قبل أن تتولى المنصب في أكتوبر/تشرين الأول، لم تنضم إلى المسؤولين الآخرين. وذكرت وسائل إعلام محلية أنها أدت التحية من مسافة قريبة وأرسلت قرباناً إلى الضريح، كما فعل رؤساء وزراء سابقون.
فما تاريخ هذا الضريح؟ ولماذا يثير الجدل؟ إليكم ما نعرفه:
ما هو ضريح ياسوكوني؟
أُسس ضريح ياسوكوني، أو ياسوكوني جينجا، عام 1869 في عهد الإمبراطور ميجي ليكون مكاناً لتكريم أرواح المقاتلين الذين سقطوا في حروب اليابان. وفقاً للموقع الإلكتروني للضريح، فإن كلمة "ياسوكوني" تعني الحفاظ على السلام باللغة اليابانية. وعندما زار الإمبراطور ميجي الضريح للمرة الأولى في يناير/كانون الثاني 1874، نظم قصيدة قال فيها: "أؤكد لكم أيها الذين قاتلتم ومتم من أجل بلدكم أن أسماءكم ستبقى خالدة إلى الأبد في هذا الضريح في موساشينو".
يُحيي الضريح ذكرى نحو مليونين ونصف مليون شخص، بينهم مجرمو حرب يابانيون قاتلوا في حروب ضد أسرة تشينغ الصينية ودول آسيوية أخرى والاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية.
من يزور الضريح؟
خلال المناسبات السنوية للحرب في اليابان، ينضم السياسيون إلى المواطنين في زيارة الضريح لتكريم قتلى الحرب. يزوره الملايين كل عام. كما يزور مبعوث من العائلة الإمبراطورية الضريح خلال مهرجانَي الربيع والخريف.
في الماضي، زار الضريح أيضاً كثير من رؤساء وزراء اليابان. كان ياسوهيرو ناكاسونه أولهم، إذ أدى واجب الاحترام عام 1985. أما جونيشيرو كويزومي، رئيس الوزراء من 2001 إلى 2006، فزاره مراراً. لكن شينزو آبي كان آخر رئيس وزراء في منصبه يزور الضريح في ديسمبر/كانون الأول 2013، ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما إلى الإعراب عن خيبة أملها.
لماذا يثير الضريح الجدل؟
وفقاً لصحيفة جابان تايمز، لم تزر رئيسة الوزراء تاكايشي الضريح يوم السبت لكنها لم تكن بعيدة عنه. لقد نزلت من سيارتها في موقف سيارات يبعد نحو 200 متر عن الضريح، وانحنت مرتين، وصفقت مرتين، ثم انحنت مرة أخرى في اتجاه الضريح.
ويقول منتقدون إن موقفها يأتي وسط انتقادات من كوريا الجنوبية والصين لزيارة السياسيين اليابانيين للضريح. وقالت تاكايشي في فبراير/شباط عندما سألها صحفيون عن زيارة رؤساء الوزراء اليابانيين للضريح، وفقاً لجابان تايمز: "هدفي هو خلق بيئة تتيح لنا كسب تفهم حلفائنا والدول المجاورة". غير أنها لم تذكر فظائع الحرب اليابانية ولم تعرب عن ندم تجاهها، وفقاً لوكالة أسوشيتد برس.
بدأ الجدل حول الضريح عام 1978، عندما أُدرج فيه 14 من القادة اليابانيين المدنيين والعسكريين الذين أدانتهم محكمة دولية بعد الحرب، وعُرفوا بلقب "مجرمي الحرب من الفئة أ". وقد أُدين هؤلاء، إلى جانب ما لا يقل عن 1000 آخرين، من قبل محاكم الحلفاء بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية عام 1945.
ارتكبت القوات اليابانية فظائع، شملت عمليات قتل جماعي واستعباد النساء جنسياً، بعد أن غزت واحتلت أجزاء كبيرة من آسيا قبل الحرب وأثناءها. ومات الملايين خلال حقبة النزعة العسكرية اليابانية.
تبنت اليابان نهج السلمية منذ استسلامها، لكن ذكريات فظائعها الاستعمارية ما تزال عميقة، خاصة في جيرانها الصين وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية وتايوان. ويرى هؤلاء في زيارات المسؤولين اليابانيين افتقاراً إلى الندم على الأفعال التي ارتُكبت في زمن الحرب.
يوم السبت، قالت وزارة الخارجية في بكين إن الصين "تدين بشدة" قربان تاكايشي وزيارة الوزير للضريح. وأضافت: "لقد قدمنا احتجاجات شديدة إلى الجانب الياباني".
من جهتها، أعربت وزارة خارجية كوريا الجنوبية عن "أسف عميق" لما وصفته بأفعال "غير منسجمة مع العصر" من جانب قادة يابانيين أرسلوا قرابين أو زاروا ضريح ياسوكوني. وحضّت سيول القادة اليابانيين على مواجهة التاريخ وإظهار "مراجعة متواضعة للنفس وندم صادق" تجاه الماضي من خلال أفعالهم.
لكن بعض المسؤولين اليابانيين دافعوا عن زياراتهم للضريح قائلين إنها تتم بصفة شخصية لتكريم قتلى الحرب. وفي الذكرى الـ81 لاستسلام اليابان يوم السبت، زار وزير الدفاع الياباني كويزومي الضريح وقال للصحفيين: "إلى جانب تعهدنا بنبذ الحرب، أكدت مجدداً عزمنا على مواصلة الوفاء بمسؤوليتنا في الحفاظ على مسار اليابان بعد الحرب كدولة مسالمة".
ما تاريخ فظائع اليابان في الصين وكوريا؟
في عام 1931، اجتاحت القوات اليابانية منطقة منشوريا في شمال شرق آسيا، والتي شملت أجزاءً من الصين والاتحاد السوفيتي. وفي الحرب المعروفة باسم حرب الصين واليابان الثانية (1937-1945)، تختلف التقديرات، لكن المؤرخين يعتقدون أن ما بين 15 و20 مليون صيني قُتلوا. وقالت السلطات اليابانية إن نحو 48 ألف جندي من جنودها قُتلوا.
أعرب قادة يابانيون عن الندم وأصدروا بيانات بشأن الأفعال في زمن الحرب، لكن العلاقات الصينية اليابانية ما تزال متوترة. وينطبق الأمر نفسه على العلاقات مع كوريا الشمالية والجنوبية؛ فاليابان لديها علاقة معقدة مع البلدين.
في عام 1910، استعمرت اليابان الإمبراطورية شبه الجزيرة الكورية بأكملها، واستخدمت كثيراً من الكوريين في العمل القسري، كما أرسلت العديد من النساء الكوريات المعروفات بـ"نساء المتعة" إلى بيوت دعارة عسكرية في أنحاء آسيا وفي اليابان أيضاً. ورغم أن استعمارها لشبه الجزيرة انتهى عام 1945، تظل علاقات طوكيو مع كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية متوترة بسبب المظالم التاريخية.