مخططات إسرائيل تُعمّق الضمّ الفعلي للضفة الغربية المحتلة

بينما يظل العالم مأسوراً بآثار الدمار في غزة وتتصاعد التوترات الإقليمية، نفّذت الحكومة الإسرائيلية بصمت ما يصفه فلسطينيون بـ«انقلاب قانوني» في الضفة الغربيه، ما أثار إدانة واسعة بينهم.

في ساعة متأخرة من مساء الأحد، صدّقت لجنة الأمن الإسرائيلية سلسلة قرارات دَفَعَ بها وزير المالية بيزِيلِيل سموترتش ووزير الدفاع إسرائيل كاتس. تهدف الإجراءات الجديدة إلى توسيع نفوذ إسرائيل في الضفة المحتلة، وتسهيل مصادرة أراضٍ فلسطينية بطرق تعتبرها جهات دولية وغير فلسطينية غير قانونية.

«نؤصل الاستيطان كجزء لا يتجزأ من سياسة الحكومة الإسرائيلية»، قال كاتس صراحة.

يرى خبراء أن هذه القرارات ستغيّر جذرياً الواقع المدني والقانوني في الأرض المحتلة، عبر رفع ما وصفه الوزراء الإسرائيليون بـ«العوائق القانونية» التي حالت لعقود دون توسع المستوطنات غير القانونية.

ووصفت الرئاسة الفلسطينية القرار بأنه «خطير» ومحاولة إسرائيلية مفتوحة لتقنين توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي. ودعت رئاسة محمود عباس الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى التدخّل فوراً.

في اليوم التالي، دانت ثماني دول ذات أغلبية مسلمة إسرائيل متهمةً إياها بمحاولة فرض «سيادة إسرائيلية غير مشروعة» على الضفة المحتلة.

يحذر مسؤولون فلسطينيون ومختصون في الشأن القانوني من أنّ الحزمة التشريعية تعني عملياً إنهاء اتفاقيات أوسلو لعام 1993، ونزع الأوصاف المدنية المتبقية عن السلطة الفلسطينية، وتشريع الضم الفعلي للضفة الغربية.

حرب العقارات

في صلب هذه القرارات هجوم استراتيجي على قوانين ملكية الأرض التي سادت منذ احتلال إسرائيل لغزة والضفة والقدس الشرقية عام 1967 ومن ثم ضمها فعلياً. صادقت الحكومة على إلغاء قانون أردني كان يمنع تاريخياً بيع أراضٍ في الضفة الغربية لغير العرب، وفي الوقت نفسه قررت رفع السرية عن سجلات الطابو التي كانت سارية منذ العهد العثماني.

يقول أمير داوود، مدير التوثيق في لجنة مقاومة الجدار والاستيطان، إن الهدف من هذه الخطوة خلق «سوق مفتوحة» للمستوطنين. بكشف هوية المالِكين الفلسطينيين في السجلات، يمكن للشركات العقارية والمستوطنين استهداف أشخاص بعينهم بالضغط أو الابتزاز أو نصب الفخّ لإجبارهم على بيع أراضيهم.

يقرأ  الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: الولايات المتحدة تعتبر نفوذها أهمّ من القانون الدولي، كما صرّح لهيئة الإذاعة البريطانية

«هذه الحكومة تجعل توسع المستوطنات محور سياستها»، قال داوود للجزيرة العربية. «بفتح تسريب الأراضي الفلسطينية للمستوطنين، يضيفون طبقة جديدة من نظام الفصل العنصري».

ورحّب مجلس ييشا، الذي يضم تجمعات المستوطنين غير القانونية، بالقرار واصفاً إياه بأنه «الأهم منذ 58 سنة»، ومؤكداً أن الحكومة تُصرح عملياً بأن «أرض إسرائيل تخص الشعب اليهودي».

اختراق مناطق أ و ب

من أشد التحولات في التوجيهات الجديدة تفويض القوات الإسرائيلية بتنفيذ عمليات إنفاذ وعمليات هدم في مناطق «أ» و«ب» التي نصّت اتفاقات أوسلو على أن تكون تحت السيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية.

تُشكّل منطقة «ج» التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة نحو 60% من مساحة الضفة. يعيش فيها أكثر من 700 ألف مستوطن إسرائيلي غير قانوني موزعين على أكثر من 250 مستوطنة، بالإضافة إلى القدس الشرقية المحتلة.

لتجاوز الالتزامات الدولية، طرحت إسرائيل آلية قانونية جديدة بعنوان «حماية الآثار والبيئة».

«إسرائيل أزالت الفروقات بين مناطق أ وب وج»، أوضح داوود، مؤكداً أن هذه السياسة جرى تمهيدها مالياً قبل ثلاث سنوات عندما خصصت الحكومة 120 مليون شيقل («39 مليون دولار») لـ«حماية مواقع التراث اليهودي» في الضفة.

التمييز البلدي

تؤسّس القرارات أيضاً نظام «فصل بلدي» في مدن فلسطينية رئيسية عبر إخراجها من سلطة السلطة الفلسطينية.

– الخليل: سُحبت صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية الفلسطينية ونقلت إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. سيُنشأ «كيان بلدي منفصل» للمستوطنين اليهود في قلب المدينة لإدارة شؤونهم بصورة مستقلة، متجاوزاً الآليات الفلسطينية تماماً.
– قبر راحيل (بيت لحم): أُخرج الموقع من نطاق بلدية بيت لحم ووُضع تحت ادارة إسرائيلية مباشرة للخدمات والصيانة.

حذر خبير الشأن الإسرائيلي عادل شديد من أن هذه التعديلات الإدارية تحمل تداعيات دينية وسياسية عميقة.

يقرأ  خبراء بغزة يباشرون تحديد هويات 90 جثة فلسطينية أعادتها إسرائيل

«لم يعد المسجد الإبراهيمي يُعامل كموقع إسلامي تديره الأوقاف الفلسطينية»، قال شديد للجزيرة العربية. «نُقلت إدارته إلى المجلس الديني اليهودي في كريات أربع. لقد جُعلت هويته يهودية بالقانون، لا بالقوة فحسب».

في 2010 كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت المسجد الإبراهيمي موقعاً لـ«التراث اليهودي».

التوقيت والمقاصد الانتخابية

توقيت «الترتيبات القانونية» لم يكن عشوائياً. بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، دفع سموترتش وكاتس لاعتماد هذه القرارات فوراً قبيل زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المرتقبة إلى الولايات المتحدة.

يعتقد محلّلون أن حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية تتسابق لإرساء «حقائق أرضية» لا رجعة فيها قبل انتخابات أكتوبر للكنيست، ومع مخاوف من أن إدارة الرئيس الأمريكي قد تُعيد النظر في موقفها من سياسة الضم.

يصف جيمس موران، مستشار أوروبي سابق، النوايا بأنها واضحة: «نُسب إلى سموترتش قوله: ‹سنواصل قتل فكرة الدولة الفلسطينية›»، قال موران من بروكسل للجزيرة العربية. «القرار يبيّن أن لا نية لحل عادل».

كرر نتنياهو أنه ضد إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، وعمل على تقويض اتفاقات أوسلو التي نصت على حل الدولتين. اعترفت دول غربية عدة العام الماضي بالدولة الفلسطينية، لكن ذلك لم يمنع توسع المستوطنات غير القانونية على الأراضي الفلسطينية — العقبة الأكبر أمام قيام دولة فلسطينية.

اقترح موران أن الإدانات الدولية لم تعد كافية: «آن الأوان لفرض عقوبات»، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في تعليق الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل، لا سيما أن ثلث تجارة إسرائيل مع الكتلة الأوروبية.

تفجر العنف

على الأرض فسّرت الحركة الاستيطانية قرارات الحكومة على أنها «إشارة خضراء» لغياب المحاسبة.

أفاد مراسل الجزيرة في الخليل، منتصر نصر، بارتفاع فوري في موجة العنف بعد الإعلان. «ما يحصل على الأرض هو الترجمة الحقيقية لهذه القرارات»، قال.

يقرأ  بين خيار الحرب أو الاتفاق... نتنياهو يحسم قراره والجيش الإسرائيلي يستعد لاقتحام مدينة غزة

في غضون ساعات من التصديق: اقتحم مستوطنون مسجد الرشايدة شرق بيت لحم ونهبوا محتوياته وتسببوا بأضرار بالغة؛ تعرّض رجل فلسطيني مُسن ومعاق (80 عاماً) في بني نعيم شرق الخليل لضرب مبرح من قبل مستوطنين؛ أُبلغ فلسطينيون في بيرين بإخطارات هدم، ونُفّذت عمليات هدم في تجمعات بدوية بوادي الأردن الشمالي.

حذّرت الدبلوماسية والمتخصصة في حل النزاعات، دلال عريقات، من أن الوضع لم يعد مجرد مناورة سياسية.

«نشهد ضمّاً مؤسسياً وقانونياً للضفة الغربية»، قالت عريقات للجزيرة العربية.

«تفرض إسرائيل واقعاً يقوم على فكرة ›إسرائيل الكبرى‹ والفصل العنصري. إذا لم تتحرك المجتمع الدولي من الشعارات إلى إجراءات، فالوضع على الأرض سينفجر».

أضف تعليق