مراوغات ترامب لماذا تظل الضربة الأميركية لإيران تهديدًا حقيقيًا

تهديدات متأرجحة: هل تراجع ترامب أم أنه يخادع؟

بعد أيام من التلويح بالضربة لأجل دعم المحتجين في طهران، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الأربعاء وكأنّه يقلّص من حدة خطابه. قال إن عمليات القتل في إيران توقفت، وأضاف أن طهران أبلغت إدارته أن المحتجزين لن يُعدموا. مع ذلك لم ينفِ ترامب احتمال توجيه ضربة لإيران، وإن كانت تصريحاته قد نقضت مبرّر مثل هجوم من هذا النوع بشكل فعلي.

سجلّ ترامب يشي بأن احتمال ضربة أميركية لإيران خلال الأيام المقبلة لا يزال واقعيًا، خاصة مع قرب إكماله عامه الأوّل في هذا الولاية الثانية.

فصول سابقة تُظهِر النمط

فنزويلا: اختطاف وهدنة مؤقتة
منذ أغسطس، نشر البيت الأبيض أكبر قوة عسكرية له في البحر الكاريبي منذ عقود. قصفت القوات الأميركية أكثر من ثلاثين قاربًا قالت إنها تنقل مخدرات إلى الولايات المتحدة — بحسب الادعاء ودون تقديم أدلة علنية — ما أسفر، وفق ما نقل عنه التقرير، عن مئات القتلى. اتُّهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بقيادة شبكات تهريب واسعة النطاق، وفي ذروة التوتر أشار ترامب إلى احتمال توجيه ضربات برية إلى فنزويلا.

لكن في أواخر نوفمبر كشف ترامب أنه تكلّم هاتفياً مع مادورو، الأمر الذي أكّده الأخير بوصفه المكالمة «ودّية». وبعد عمليات استهدفت ما وصفه البيت الأبيض بمنشآت لرسو قوارب مخدرات، عرض مادورو في مطلع يناير انفتاحًا للمفاوضات حول الاتجار بالمخدرات وحتى تسهيلات نفطية للولايات المتحدة. وبعد ساعات من هذا التقارب الظاهر، أعلن أن قوات أميركية اقتحمت العاصمة واعتقلت مادورو وزوجته بتهم تتعلق بالمخدرات ونقلتهما إلى الولايات المتحدة.

إيران: قصف مفاجئ رغم حديث عن دبلوماسية
لم تكن فنزويلا المرة الأولى التي يشنّ فيها ترامب هجوماً دراماتيكيًا في وقت بدا أن الدبلوماسية سائدة. في يونيو، وفي خضم مفاوضات مكثفة بين واشنطن وطهران على خلفية اتهامات أميركية بسعي إيراني لتخصيب اليورانيوم، قال ترامب مرارًا إن الوقت ينفد، لكنه عاد للتفاوض. في 13 يونيو كتب على منصته أنه ملتزم بحل دبلوماسي لمشكلة البرنامج النووي وأنّ إدارته كلّها مُكلّفة بالتفاوض. لكن بعد ساعات قليلة شنّ الحليف الإسرائيلي ضربة على إيران، ويرجّح خبراء أنها ما كانت لتتم دون موافقة أميركية. ثم في 22 يونيو شنت طائرات قاذفة أميركية ضربات على منشآت نووية إيرانية، بينها منشأة فردو المدفونة داخل جبل قرب قُم، مستخدمة قنابل خارقة للتحصينات وبقوة نارية من الطراز الأشدّ إمكانًا في ترسانة الأسلحة التقليدية لدى الولاات المتحدة.

يقرأ  الولايات المتحدة تنفّذ الضربة العاشرة القاتلة ضد قوارب بينما تتسارع حملة القصفأخبار دونالد ترامب

الهجوم أدهش كثيرين لأنّه بدا محاطًا بمسرحيّة دبلوماسية مُتقنة.

حسابات التظاهرات في إيران: ماذا يخطط ترامب؟
تجذب إيران الآن الأنظار مجدّدًا بعد موجة احتجاجات استمرت أسبوعين قبل أن تهدأ مؤقتًا. ومع ازدياد العنف الأسبوع الماضي، حفّز ترامب الإيرانيين على الاستمرار في التظاهر، قائلاً في منشور على منصته في 13 يناير: «يا أبناء إيران، استمروا في الاحتجاج — استولوا على مؤسساتكم!!!… المساعدة في الطريق». لكن خلال لقاء مع صحافيين في واشنطن قال إنه أُبلغ أن القتل قد توقف وأن عمليات الإعدام المزمعة لن تُجرى.

ونفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع قناة فوكس أن تكون طهران تعتزم تنفيذ إعدامات ضد المتظاهرين: «الشنق خارج المسألة»، قال.

من هم الآخرون في مرمى التهديد؟
لم تقتصر عدائيّة ترامب على خصوم قدامى مثل إيران وفنزويلا؛ فقد امتدت أيضاً إلى حلفاء تقليديين مثل كندا وحتى غرينلاند. أبرز مثال هوسه بغرينلاند — إقليم دانماركي — والذي تحول من شعار انتخابي إلى عنصر في استراتيجيته لنصف الكرة الغربي. في الخامس من يناير نشر وزارة الخارجية صورة بالأبيض والأسود لترامب وقالت: «هذا نصف كرتنا، والرئيس ترامب لن يسمح بأن تُهدد أمننا». لم يستبعد الرئيس استعمال القوة العسكرية، وتحدّث مسؤولون عن اهتمام أميركي بموقع غرينلاند الاستراتيجي وموارده المعدنية. دانماركياً رفضت أي بيع قاطعًا، وأكدت قيادات غرينلاند أن الأرض ليست معروضة للبيع.

تحليلات: تهديدات كرنفالية أم سلوك محسوب؟
يرى بعض الخبراء أن ترامب يستخدم التهديد كسلاح ضغط تكتيكي: إبقاء الخصوم في حالة ارتياب يرفع من فرص تحصيل تنازلات. وقال جيريمي شابيرو، مدير البحوث في المجلس الأوروبي لشؤون العلاقات الخارجية، في ورقة نشرت العام الماضي إن ترامب كثيرًا ما يلوّح بتهديدات كبيرة لكنه يفضّل العمليات المحدودة ومنخفضة المخاطر، وأن الخطابات المسرحية تخدم الإشارة السياسية أكثر من كونها مؤشّراً لعمل عسكري فعلي. يقول شابيرو إن هذه التهديدات تُستخدم كـ«مسرح سياسي» يهدف إلى مخاطبة القاعدة الداخلية ودورة الإعلام بقدر ما تخاطب الخصوم الخارجيين.

يقرأ  باتريك ماهومس يتعرّض لإصابة في الركبة خلال مباراة كانساس سيتي شيفس ضد لوس أنجلوس تشارجرزأخبار كرة القدم الأمريكية

هل الاستراتيجية مبنية على «مفاجأة محسوبة»؟
يرى بعض المحلّلين فائدة تكتيكية في أسلوب ترامب، إذ يخلق شكًا واستجابة نفسية لدى الخصوم، بينما يشكك آخرون في عشوائية السلوك. قال قنديل عباس، مختص شؤون الشرق الأوسط بجامعة قومـه عظـم في إسلام آباد، إن تكرار التهديدات ضد دول متعددة يظهر نمطًا متقلبًا. وأضاف أن ملاحظات الحلفاء الإقليميين قد تكون دفعت ترامب لإظهار تراجع ظاهري لأنه «ليس ذكياً مهاجمة إيران»، لكنّه رأى أنّه «بمساندة إسرائيل قد يجد وسيلة لضرب إيران».

الخلاصة: على الرغم من تراجعٍ لفظيّ مؤقت، يبقى خطر استخدام القوة حاضراً. تلوح السياسات بصور متباينة بين لغةٍ تصعيدية وأفعالٍ عملية محكومة بتكتيكات المخاطرة المحدودة، ما يجعل قراءة نوايا واشنطن مهمةً لكنها صعبة في آن واحد.

أضف تعليق