مناورات بريكس العسكرية لماذا تهمّ؟ ولماذا انسحبت الهند؟ — تقرير توضيحي

نيودلهي — بدأت مناورات بحرية مشتركة بمشاركة عدة دول من تكتل بريكس، من بينها الصين وروسيا وإيران، قبالة سواحل جنوب أفريقيا، ووصف المنظمون هذه التحركات بأنها رد ضروري على تزايد التوترات البحرية عالمياً.

المناورات الأسبوعية المسماة «إرادة من أجل السلام 2026» انطلقت يوم السبت من سيمونز تاون، عند التقاء المحيط الهندي بالمحيط الأطلسي، وتُقودها الصين. وذكرت وزارة الدفاع الصينية أنها تتضمن تمرينات إنقاذ، عمليات ضرب بحرية وتبادل تقني بين القوات المشاركة.

من الذي يشارك؟
الصين وإيران أرسلتا مدمّرات، وروسيا والإمارات شاركتا بكورفيتات، بينما نشرت جنوب أفريقيا فرقاطة متوسطة الحجم. كما شاركت دول مراقبة في مراسم الافتتاح جنوب كيب تاون، منها البرازيل ومصر وإندونيسيا وإثيوبيا، حسب مسؤولين صينيين.

قائد القوة المشتركة الجنوب أفريقي، القبطان نندواخولو توماس ثامها، قال إن المناورات أكثر من مجرد تدريب عسكري؛ إنها بيان نية ورغبة جماعية في العمل سوياً. ووصفت جنوب أفريقيا العملية بأنها إطار «بريكس بلس» يهدف إلى ضمان سلامة الملاحة والنشاطات الاقتصادية البحرية، مع توسعة يسمح للتكتل بالتواصل مع دول إضافية خارج أعضائه الأساسيين.

لماذا تهم هذه المناورات؟
أكد القادة أن الهدف حماية طرق التجارة البحرية وتعزيز الإجراءات التشغيلية المشتركة وتعميق التعاون لصالح مبادرات أمنية بحرية سلمية. تأتي هذه التدريبات في ظل توترات جيوسياسية متصاعدة؛ فقد سبقتها بثلاثة أيام مصادرة الولايات المتحده لناقلة نفط روسية مرتبطة بفنزويلا في شمال الأطلسي بتهمة خرق عقوبات غربية، وما تلاها من تقارير عن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من كاراكاس، حسب وسائل إعلام غربية.

كما رافق دورة الأحداث تصعيدٌ في خطاب البيت الأبيض تجاه عدد من دول التكتل؛ إذ اتهم الرئيس دونالد ترامب بعض أعضاء بريكس باتباع سياسات «مناهضة لأمريكا»، وفرض رسوماً عقابية على دول مثل الهند واتهمها بتمويل الحرب الروسية على أوكرانيا عبر شراء النفط الروسي. وبعد عودته إلى السلطة في يناير 2025 هدّد بفرض 10% رسوم إضافية على أعضاء التكتل، محذراً من عدم السماح لأي طرف بلعب أدوار مناوئة لمصالح الولايات المتحده.

يقرأ  سفن حربية إيطالية وإسبانية تحمي قافلة متجهة إلى غزة عقب هجمات بطائرات مسيّرة — أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

كيف ترى قيادة بريكس وترامب التكتل؟
قادة بريكس ردوا بلغة حادة في بيان مشترك الشهر الماضي، مستنكرين تصاعد التدابير الأحادية سواء كانت تعريفة أم غير تعريفة، ودانوا الضربات العسكرية على إيران دون تسمية الولايات المتحده صراحة. من جهته، يرى ترامب التكتل تهديداً اقتصادياً ويعتبر بعض مبادراته تحدياً لمكانة واشنطن.

من غاب عن المشاركة ولماذا؟
من بين الأعضاء المؤسسين، لم تشارك الهند والبرازيل في المناورات. البرازيل حضرت كمراقب فقط، بينما امتنع نيودلهي عن الحضور. يُرجع محللون انسحاب الهند إلى سعيها لموازنة علاقاتها مع واشنطن، خصوصاً بعد تدهور الثقة بين البلدين منذ عودة إدارة ترامب. شراء الهند للنفط الروسي كان من أبرز نقاط الخلاف وقد هددت بتأثير على صفقة تجارية بين البلدين.

يرى هارش بانت، باحث جيوسياسي، أن بريكس في جوهره ليس تحالفاً عسكرياً بقدر ما هو شراكة حكومية دولية تركز على التعاون الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الغرب. لكنه أضاف أن المناورات العسكرية المشتركة تسمح للصين وروسيا وإيران، وإلى حد ما جنوب أفريقيا، بأن توضح موقعها الاستراتيجي مقارنة بالولايات المتحده في هذه اللحظة. أما الهند فترغب في عدم توصيف نفسها كطرف في «ألعاب الحرب» هذه، ولا ترغب في أن يتغير الطابع المؤسسي للتكتل تدريجياً.

خلاصة
تُظهر تدريبات «إرادة من أجل السلام 2026» تصاعداً في التعاون البحري بين دول معينة داخل وخارج بريكس، وتعبيراً عملياً عن إرادة تأمين الممرّات البحرية وحماية المصالح الاقتصادية، بينما تكشف أيضاً عن انقسامات استراتيجية داخل التكتل نفسه وحول دوره المستقبلي على الساحة الدولية. موازنة العلاقات مع الولايات المتحده تظل عاملاً فاصلاً في قرارات بعض الأعضاء، لا سيما الهند، بشأن المشاركة في مثل هذه التمارين المهمه. من منظور محلّلين أمثال بانْت، لا تبدو هذه المبادرة شيئًا يمكن للهند أن تقوده بفاعلية — لا من زاوية المصلحة العملية ولا من زاوية المعايير والأُطر الأخلاقية والسياسية. وأضاف أن التباينات الأساسية بين دول BRICS Plus — مثل الإمارات وإيران أو مصر وإيران — تُضعف من احتمال تحوّل التكتّل إلى تحالف عسكري قوي ومنسق.

يقرأ  انفجار عرضي بمركز شرطة في كشمير الخاضعة لإدارة الهند يودي بحياة تسعة أشخاص — مسؤولون

وصلت سفينة روسية إلى القاعدة البحرية في سيمونز تاون قبل انطلاق التدريبات البحرية التابعة لاتهـمات BRICS Plus.

متى استضافت جنوب أفريقيا آخر تدريبات مشتركة؟
أجرَت جنوب أفريقيا تدريبات موسى (Exercise Mosi) مرتين بمشاركة روسيا والصين. الجولة الأولى من تدريبات Mosi، التي تعني «الدخان» بلغة السسوتو، جرت في نوفمبر 2019. النسخة الثانية، Mosi II، أُقيمت في فبراير 2023 تزامنًا مع الذكرى الأولى لغزو روسيا لأوكرانيا. آنذاك تعرّضت جنوب افريقيا لانتقادات غربية لاستضافتها هذه المناورات.

كان من المقرّر عقد نسخة ثالثة في أواخر 2025، لكنها تزامنت مع قمة مجموعة العشرين التي استضافتها جنوب أفريقيا في نوفمبر، ولم ترسل الوليات المتحدة أي مندوبين. النسخة الجارية الآن، المعاد تسميتها «إرادة من أجل السلام 2026»، تُعدّ النسخة الثالثة من هذه التدريبات.

ما الذي على المحك بالنسبة لجنوب أفريقيا؟
من المتوقع أن تزيد هذه المناورات في المياه الجنوبَأفريقية من حدة التوترات مع واشنطن. منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض تدهورت العلاقات بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة على عدة أصعدة، وفرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية بنسبة 30% على سلع جنوب أفريقيا.

جزء من التوتر يعود أيضًا إلى قرار حكومة جنوب أفريقيا رفع قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل، أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة، أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، متهمةً الحكومة الإسرائيلية بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة. وفي حكم تمهيدي اعتبرت المحكمة أن من الممكن مبدئيًا أن تكون الأفعال الإسرائيلية قد ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية.

عندما زار الرئيس سيريل رامافوزا البيت الأبيض في مايو في محاولة لتحسين العلاقات، ادّعى ترامب زورًا أن مزارعين بيضًا في جنوب أفريقيا يواجهون عمليات قتل منهجية؛ ونفى رامافوزا هذه الادعاءات. ولا تؤيّد أي من الأحزاب السياسية الجنوبَأفريقية رواية وجود «إبادة بيضاء» كما تروّج لها إدارة ترامب.

يقرأ  لاجئو الروهينغا«أجبرتنا الهند على الصعود إلى القارب كأسرى»

استضافة مناورات عسكرية في ظل هذا الاضطراب الجيوسياسي العالمي تنطوي على مخاطر خاصة، خصوصًا وأن واشنطن تعتبر بعض المشاركين تهديدًا عسكريًا. كما تواجه حكومة رامافوزا انتقادات من أحد شركائها الكبار في الائتلاف، حزب التحالف الديمقراطي (DA). قال المتحدث باسم الحزب، كريس هاتينغ، إن التكتّل لا يضطلع بدور دفاعي موحّد ولا توجد خطط عسكرية مشتركة تبرر مثل هذه التدريبات، وأضاف أن BRICS قد حوّل جنوب أفريقيا إلى «بيادق في ألعاب القوى التي تشنّها دول منبوذة على المسرح الدولي».

أضف تعليق