من غزة إلى الدفاع خمس خلاصات أساسية من زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي لإسرائيل

ملخّص زيارة ناريندرا مودي إلى اسرائيل

أختتم رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي زيارة امتدت يومين إلى اسرائيل، حضي خلالها باستقبال حار من نظيره بنيامين نتنياهو، بينما تميّزت الزيارة بصمت لافت حيال الحرب التي تشنها اسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة وما يوصف بـ«الإبادة» في غزة.

خلال الزيارة التي بدأت يوم الأربعاء أشاد الزعيمان بعمق علاقاتهما الثنائية ووقّعا عدداً من الاتفاقات في مجالات الابتكار والزراعة والتكنولوجيا. كما قدّم نتنياهو أمام البرلمان الإسرائيلي تحية حميمية لمودي قائلاً: «أنت أكثر من صديق، أنت أخ»، قبل أن يصطحبه إلى موقع ياد فاشيم التذكاري ويستضيفه على عشاء رسمي، فيما منح البرلمان الهندي مودي أعلى وسام شرفي لديه.

هذه الزيارة الثانية لرئيس وزراء هندي الى اسرائيل بعد زيارة مودي الأولى عام 2017، والتي بدورها لم تشمل زيارة للأراضي الفلسطينية رغم تاريخ نيودلهي الطويل في دعم القضية الفلسطينية. العلاقات الرسمية بين البلدين تأسست عام 1992 بعد موقف هندي معارض لتأسيس اسرائيل عام 1948، لكنها تطورت بشكل ملحوظ على مدى العقدين الأخيرين ولا سيما منذ مجيء مودي إلى السلطة عام 2014، حيث رسخت شراكات دفاعية وتجارية مستندة جزئياً إلى تقارب أيديولوجي بين قيادتي البلدين.

خلاصة من خمس ملاحظات رئيسية من زيارة مودي

1) دعْم كامل لإسرائيل وصمت بشأن مجازر غزة
– كانت المرة الأولى التي يخاطب فيها زعيم هندي الكنست، وتلقّى مودي تصفيقاً حاراً بعد إعلان «وقوف الهند مع اسرائيل بثبات وبقناعة كاملة في هذه اللحظة وما بعدها». قدّم مودي تعازي نيودلهي لضحايا هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وأكد موقف الهند المبدئي المناهض للإرهاب، مشدداً على سياسة «صفر تسامح» مع العمليات الإرهابية.
– في الوقت نفسه دعّم مودي خطة سلام أمريكية وصرّح بدعم «كل الجهود التي تسهم في سلام دائم واستقرار إقليمي»، لكنه امتنع عن أي إدانة صريحة للهجوم العسكري الإسرائيلي في غزة أو الإشارة إلى أعداد الضحايا التي تتجاوز 72,000 فلسطيني منذ أكتوبر 2023، ما أثار انتقادات داخلية وخارجية واعتُبِر توقيت الزيارة غير موفّقاً على حد تعبير متخصصين الذين رأوا أن الموقف الهندي تقوّض موقفها التاريخي المؤيّد للفلسطينيين.

يقرأ  اسكتلندا تهزم الدنمارك ٤-٢ — تتأهل إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ ١٩٩٨

2) تشديد على «روابط حضارية»
– استند مودي في خطابه إلى خطاب حضاري مؤطَّر في سجلات تاريخية، مُعلناً أنه «مَن حضارة قديمة يتحدّث إلى حضارة أخرى»، ومقترحاً أوجه تشابه فلسفية بين التقاليد الحضارية لكلا البلدين، بل واستدعى مفاهيم مثل مبدأ تِكّون أولام الإسرائيلي عن إصلاح العالم.
– هذا الخطاب يعكس أيضاً تقديراً داخلياً لدى اليمين الهندوسي، الذي ترى قيادته في نموذج الصهيونية تشابهاً مع مشروع هندوتفا الذي يسعى لتحويل الهند إلى وطن قومي هندوسي.

3) تطوّر الروابط الدفاعية والأمنية
– باتت الهند من أكبر مشتري السلاح الإسرائيلي، وتدفق مليارات الدولارات على الصناعات الدفاعية الإسرائيلية. وثائق وتحقيقات سابقة أظهرت صادرات متواصلة من ذخائر وصواريخ في أعوام الحرب على غزة، وهو ما يضع العلاقات العسكرية تحت مجهر نقد محلي ودولي.
– خلال الزيارة تمّ التركيز على تعميق التعاون في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا، والاتفاق على شراكات في تقنيات حيوية وناشئة.

4) التوتّر بين المصالح التاريخية والقيم التقليدية لنيودلهي
– انتقادات لاذعة طالت توقيت وسلوك الحكومة الهندية؛ حيث رأى محللون أن الهند، بوصفها تقود تقليد عدم الانحياز التاريخي ومناصرة حركات التحرر الوطني، لا ينبغي أن تبدو غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين أو تقف إلى جانب القوة المحتلة دون تحفظ.
– في المقابل تقول نيودلهي إنها تستطيع الحفاظ على توازن بين علاقات عملية متنامية مع تل أبيب ومواقف تاريخية داعمة للقضية الفلسطينية، لكن الزيارة أوضحت صعوبة إدارج الحساسيات الأخلاقية والسياسية في إطار المصالح الاستراتيجية.

5) سجل التمثيل والرمزية
– زيارة مودي ولقاؤه مع رموز يهودية وتفقده لمواقع الذاكرة مثل ياد فاشيم حملت دلالات رمزية قوية، سواء لجهة الاحترام المتبادل أو لجهة توطيد روابط بين النخب السياسية والثقافية في البلدين.
– في المقابل، غياب أي تواصل رمزي مماثل مع الفلسطينيين خلال الزيارة أسهم في تغذية الانتقادات حول أحادية الانحياز لدى نيودلهي في هذه المرحلة.

خاتمة
زيارات من هذا النوع تعكس تحولاً عملياً في أولويات السياسة الخارجية الهندية، حيث تزداد الأهمية العملية للعلاقات مع اسرائيل على مستوى الأمن والتكنولوجيا، فيما تتعقّد مسؤولية الهند التاريخية تجاه القضية الفلسطينية. يبقى السؤال ما إذا كان بمقدور نيودلهي الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية والتزاماتها الأخلاقية والتاريخية تجاه المنطقة. قال مودي إن ذلك سيمنح زخماً جديداً للتعاون في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والمعادن الحيوية. وأضاف أن البلدين يفاوضان حالياً على اتفاقية تجاريه حرة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما.

يقرأ  «معلمة تحوّل مقطورة على عجلات إلى مختبر متنقل للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات»

تعزيز الروابط الاستراتيجية
تقترب الهند وإسرائيل بحسب تقارير من نسج روابط تحالفية أوسع مع قوى عالمية أخرى لتعميق التعاون الأمني. قبل زيارة مودي، طرح نتنياهو فكرة «سداسية تحالفات» قال إنها قد تضم الهند واليونان وقبرص ودولاً عربية وإفريقية وآسيوية أخرى لمواجهة ما وصفها بمحاور «راديكالية» شيعية وسنية في المنطقة. مودي لم يؤكد تبنيه لهذا المخطط صراحةً، لكنه دعا إلى تعاون في مشاريع متعددة الأطراف مثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي (IMEC) ومجموعة I2U2 التي تضم الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة.

يهدف مخطط IMEC إلى ربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا عبر ممر متكامل من السكك الحديدية والملاحة، يمر عبر الهند والإمارات والأردن والسعودية وإسرائيل وصولاً إلى أوروبا، وقد أُعلن عنه لأول مرة في قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023. ويصف بعض المحللين مشروع I2U2 بأنه «المربع الغربي الآسيوي» استناداً إلى تشبيه بقمة الرباعية الأمنية (الـ Quad) بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند.

قال هرش بانت، نائب رئيس مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي، إن IMEC طموح للغاية في جمع هذه الدول بطرق بدت في وقت ما مستحيلة، لكن ذلك أصبح ممكناً الآن لارتساع حضور الهند في الشرق الأوسط وأوروبا. كما أشار مودي في كلمته إلى اتفاقات إبراهيم التي توسطت فيها الولايات المتحدة منذ 2020 لتطبيع علاقات دول خليجية وشمال أفريقية مع إسرائيل، مثنياً على «الشجاعة والرؤية» وراءها، ومؤكداً أنه رغم اشتداد التحديات فلابد من الحفاظ على هذا الأمل.

فصل الهند عن الثنائية الإسرائيلية-الفلسطينية
يقول بانت وغيره من المحللين إن الهند، مثل بعض الدول العربية، تسعى إلى «فصل» علاقاتها الإقليمية عن التحالفات المتعارضة لتخدم مصالحها الاستراتيجية الخاصة؛ أي إقامة علاقات مستقلة مع أطراف قد تكون في حالة خصام فيما بينها. في ضوء تحولات مصالحها، لم تعد نيودلهي تربط علاقاتها في المنطقة بربط صارم مع طرف على حساب آخر.

يقرأ  ماذا يعني ذلك للدول الإحدى عشرة المطلة على نهر النيل — ولماذا يثير جدلاً واسعاً؟

جاءت تصريحات مودي في الكنيست لتؤكد أن موجات الهجرة الهندية إلى إسرائيل أسهمت في بناء المجتمع الإسرائيلي الحديث، بما في ذلك عبر مشاركات على جبهات القتال، وسط تقارير عن آلاف الأجانب خدموا في الجيش الإسرائيلي ومن بينهم نحو 200 جندي يحملون جنسية مزدوجة هندية وإسرائيلية. ومع ذلك، لم يشر مودي في كلمته إلى مقتل العقيد وائباف كالے، الضابط الهندي السابق الذي قضى في مايو 2024 عندما استهدف الجيش الإسرائيلي مركبة تابعة للأمم المتحدة في غزة، وكان أول موظف أممي دولي يُقتل خلال الحرب.

أعلن مودي أن موقف الهند واضح: الإنسانية لا ينبغي أن تكون ضحية للنزاع، وأن هناك مساراً نحو السلام عبر خطة سلام غزة التي حازت دعم نيودلهي الكامل. لكن محللين أكدوا أن تحوّل الهند عن مواقف سابقة مؤيدة لفلسطين أصبح ملموساً، وأن نيودلهي لن توجه اتهامات علنية لنتنياهو بشأن جرائم الحرب في الأراضي الفلسطينية. برأييهم، ما كان يتم عبر اتفاقات سرية وخلف الأبواب مغلقة صار الآن علنياً بفضل دور مودي في إخراج العلاقة إلى العلن.

كتب عزاد عيسى في كتابه الصادر عام 2023 أن الهند كانت سابقاً تصطف مع فلسطين لأن ذلك خدم مصالحها الوطنية، لكن القوى السياسية الشعبية في نيودلهي غيّرت هذا المسار. وبالنظر إلى الترابط العميق في مجالات الدفاع والأمن بين إسرائيل والهند، يصبح من الصعب على أحزاب المعارضة أن تعد بعكس هذا التحول؛ فقد باتت المؤازرة لإسرائيل جزءاً من تصور المصالح الوطنية، وفي المقابل تُعتبر المساندة العلنية لفلسطين لدى بعض الأوساط بمثابة معارضة للمصلحة الوطنية. وقد رافق ذلك اعتقالات وملاحقات بحق من عبّروا عن دعمهم لفلسطين. ويخلص عيسى إلى أن الهند تحتاج إلى مزيد من الحداثة الديمقراطية والانفكاك عن منطق الأغلبية إذا أرادت تغيير أكثر من مجرد نبرة خطابها بشأن القضية الفلسطينية.

أضف تعليق