من غزة إلى لوس أنجلوس — آمال تتصاعد مع وصول «صوت هند رجب» إلى الأوسكار — سينما

صوت هند رجب: نداء للعمل

يُعد فيلم «صوت هند رجب» دعوة صريحة للتحرك، بحسب صانعيه ومؤيديه الذين تحدثوا إلى الجزيرة، وتتزايد التوقعات قبيل حفل جوائز الأوسكار المقرر يوم الأحد. الفيلم المرشح لفئة أفضل فيلم دولي يعيد خلق المشهد المؤلم الذي أدت فيه قوات إسرائيل إلى مقتل الطفلة ذات الخامسة من العمر.

في مساء 24 يناير 2024، نحو الساعة السابعة والنصف، فارقت هند الحياة متأثرة بجراحها وهي محاصرة داخل سيارة ومحاطة بجثث أقاربها، بعد أن أُجبرت عائلتها على التهجير قسراً قبل ساعات من ذلك من مدينة غزة. كانت العائلة تحاول الامتثال لأوامر الإخلاء، لكن خلال طريقها أطلقت قوات الجيش الإسرائيلي أكثر من ثلاثمئة رصاصة صوب سيارة كيا السوداء التي كان يقودها عم هند.

تحولت هند إلى رمز عالمي لمعاناة الأطفال الفلسطينيين، الذين ارتفع عدد الذين قضوا منهم إلى أكثر من عشرين ألفاً في سياق الحرب التي تصفها منظمات حقوقية بأنها إبادة جماعية.

«الأوسكار منصة لا تُضاهى لانتشار فيلم»، قالت أوديسا راي، إحدى منتِجات الفيلم، في اتصال هاتفي من لوس أنجلوس. «هدفنا أن يُشاهَد الفيلم بأوسع نطاق ممكن… والأوسكار يوسّع من تأثيره عالمياً.» الفلسطينيون أيضاً يعلقون آمالاً كبيرة على العمل؛ ففي غزة قال المخرج محمد الصواف للجزيرة إن وصول صوت هند إلى هذه المنابر وقدرته على اختراق نوع من اللامبالاة السائدة يعد بحد ذاته قيمة بالغة.

وأضاف الصواف إن تقديم قصة إنسان من غزة كحياة ذات تفاصيل ومعانٍ، بدلاً من عرضه كرقم على شاشات الأخبار أو كدليل ضمن إطار الحرب، خطوة مهمة في إعادة إنسانية الضحايا.

رسالة مدمرة تتسع مداه

يستخدم الفيلم صوت هند الحقيقي المسجل خلال مكالمات طوارئ مع الهلال الأحمر في اللحظات التي سبقت استشهادها. جوليت ستيفنسون، الممثلة البريطانية وإحدى أبرز الأصوات المدافعة عن فلسطين في المملكة المتحدة، عبرت عن أملها الشديد بأن يفوز الفيلم بجائزته في الأوسكار «لكي تصل رسالته المدمرة أبعد وتؤثر في صناع القرار القادرين على وضع حد لهذه المجازر».

يقرأ  نهاية التلفزيون التقليدي: هل نعيشها الآن؟أخبار

الفيلم الروائي الوثائقي الذي تبلغ مدته 89 دقيقة يروي قصة هند من منظور عناصر الهلال الأحمر الفلسطيني الذين حاولوا إنقاذها لكن قوات الجيش منعتهم من الوصول إليها. أخرجته كوثر بن هنية التونسية، واستعانت بطاقم تمثيلي فلسطيني، وقد حظي بإعجاب النقاد وفاز بعدة جوائز، كما تلقى تحية وقوف استمرت 23 دقيقة عند عرضه في مهرجان البندقية.

على صعيد التشريع، قدّم أعضاء بمجلس النواب الأمريكي مشروع «قانون العدالة لهند رجب» الذي يستهدف المحاسبة، ووصفته راي بأنه خطوة نحو تحقيق بعض العدالة في قصة هند.

تفصلنا الأمّ وسفـــــام حمادة، أم هند، عن طفلها بعدما غادرت على الأقدام في ذلك اليوم المشؤوم؛ وهي لا تطيق مشاهدة الفيلم لأن سماع صوت هند ما يزال أمراً يفوق احتمالها، لكنها رافقت صانعي الفيلم إلى مدن عدة لتروي أثر الحرب على الأطفال بطريقة لا تُصدَّق.

قالت فاطمة حسن الريماحي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة للفيلم، إن الأوسكار «يجب أن يفعل أكثر من الاعتراف بالتميز السينمائي — عليه أن يعترف بأن قصة طفل ومعاناة شعب كامل لا يمكن طمسها أو تجاهلها». الجوهر هنا أن الاعتراف السينمائي يحتاج مرافقة التزام من المجتمع الدولي لحماية الحقيقة وتضخيمها أمام وحشية ما نراه كل يوم.

في البداية أنكرت إسرائيل وجود قواتها في المكان الذي قُتِلت فيه هند، لكن بعد تحقيقات صحفية، بما في ذلك تحقيقات الجزيرة، اعترفت القوات بأنها شنت غارات على «أهداف إرهابية» في ذلك اليوم. وفي يناير قالت سلطات إسرائيلية لهيئة بي بي سي إنها تراجع الملف.

«الأمل أن يكون هذا التقدير أكثر من تصفيق»، قالت الريماحي، «وأن يساعد في تحويل الوعي إلى محاسبة، وأن يضمن ألا تُنكر أو تُنسى إنسانية من يعانون في غزة.»

يقرأ  اعتقال مشتبه بهم من حركة حماس في ألمانيا بتهمة التخطيط لهجوم مزعوم

«لا تتركيني وحدي»: كلمات هند الأخيرة

قبل أن تُزهَق روحها، شهدت هند بعض أسوأ فظائع الحرب. وفي لحظاتها الأخيرة ناشدت والدتها هاتفياً: «لا تتركني وحدي يا ماما. أنا تعبانة. عطشانة. وجرحي مؤلم.»

«قصة هند رجب تمثل رمزاً لآلاف القصص الأخرى»، قال الصواف. «هناك آلاف النساء والرجال الذين كانت لهم حياة كاملة، وتفاصيل، وأحلام لا تقل إنسانية عنها.» وهو يرى أن الناس في غزة لا يتوقعون من الأوسكار إيقاف الحرب أو إنهاء الظلم أو تغيير الواقع بصورة ثورية، لكن الأثر الحقيقي يكمن في تغيير كيفية رؤية العالم لما يحدث في فلسطين — تغيير قد لا يبدل الواقع جذرياً لكنه يغير منظور الجمهور تجاه ما يجري هنا.

بعد عامين على اندلاع الحرب التي سمّاها البعض إبادة، تم التوصل إلى «هدنة» في أكتوبر 2025، إلا أن مئات القتلى سقطوا في هجمات إسرائيلية منذ ذلك الحين. ستيفنسون حذّرت من أن العالم، رغم جبال المواد المصورة والأفلام الوثائقية التي توثق الكارثة، يختار إلى حد كبير أن يدير ظهره لتدمير الوطن الفلسطيني وهدم بنيته التحتية ومقتل أبناءه وانتهاك حقوقهم وحرياتهم؛ مستقبل الأجيال القادمة سيصطدم بالذعر والصدمة.

ومع ذلك استطاع فيلم «صوت هند رجب» أن يخترق المنتديات الثقافية السائدة ويصل إلى مساحات أوسع من الاهتمام والتأثر، مذكِّراً أن لكل رقم على الشاشة إنساناً له اسم وقصة ومقام. ترشيح الفيلم لجائزة الأوسكار يسلّط الضوء على هاذه الأعمال من الهمجية والوحشية أمام من هم في موقع اتخاذ القرار والقادرين على التدخّل لإحداث التغيير.

قال المخرج الغزّي إبراهيم العطلة، الذي يعمل إلى جانب السوّاف، إن الفيلم «ينقل الحقيقة بشأن القتل المتعمّد، والإعدامات الميدانية، ومحو عائلات بأكملها من سجلات الأحوال المدنية».

يقرأ  ضباب دخاني كثيف يخيم على نيودلهي بعد ألعاب ديوالي النارية، ويُدفع تلوث الهواء إلى مستويات خطرة

وأضاف: «يساعد في تقديم الصورة الحقيقية وكشف الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني في غزة، لكن ما يحدث في غزة أعقد بكثير مما تتيحه هذه الأفلام» — تصريح يعكس أن الواقع أبعد وأقسى من المشاهد المصوّرة.

طفل يمشي قرب السيارة التي وُجدت فيها هند إلى جانب جثث أفراد أسرتها؛ كما قُتلا مسعّفان نزلا لإنقاذها في مدينة غزة، 10 فبراير 2024. (رويترز)

أضف تعليق