من كان «إل مينتشو»؟ وما دلالة مقتل زعيم المخدرات هذا على مستقبل المكسيك

في عملية عسكرية بدعم من الولاات المتحدة، تمكنت القوات المكسيكية من تحديد موقع وقتل أحد أخطر زعماء المخدرات في البلاد، نميسيو أوسيغيرا سيرفانتس المعروف باسم “إل مينتشو”.

بعد مقتله مساء الأحد اندلعت موجة من العنف في مناطق متعددة من المكسيك، حيث أشعل مسلحون النار في مركبات وانتشروا لافتات إغلاق الطرق في نحو عشرين ولاية.

من هو “إل مينتشو”؟
كان زعيم كارتل خليج خاليسكو الجديد (Jalisco New Generation Cartel)، الذي ينشط من ولاية خاليسكو الغربية ويشتهر بامتلاكه ترسانة شبه عسكرية. كان يبلغ من العمر نحو 59 عاماً عند مقتله، وينحدر من ولاية ميتشوكان المجاورة، وتشير تقارير إلى أنه عمل ضابط شرطة قبل أن يتحول إلى عالم الاتجار بالمخدرات.

صعد إلى مراتب شبكة الاتجار في تسعينيات القرن الماضي، وأدين في الولايات المتحدة عام 1994 بتهمة تهريب الهيروين وقضى قرابة ثلاث سنوات في السجن هناك قبل أن يعود إلى المكسيك. اشتهر بأساليب تهديد ورعب مبالغ فيها؛ ترددت أنباء عن إرساله رأس خنزير مقطوع داخل صندوق ثلج إلى محامٍ مكسيكي كتهديد، وسُجلت مكالمة هدد فيها قائداً محلياً للشرطة بلقب “دلتا وان” قائلاً إنه سيقتله “وحتى كلابك” إذا لم يتراجع عناصره، ثم أنهى المكالمة باعتذار بسيط عن الألفاظ.

مع تصاعد نفوذه صار يستثمر في غواصات شبه سرية لنقل المخدرات من أميركا الجنوبية إلى السوق الأميركية، وذكر تقرير استند إلى معلومات من عميل في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية أن “إل مينتشو” استعان بمهندسين بحريين روس لتصميم هذه الغواصات. أدرجته واشنطن على قائمة المطلوبين ووضعت مكافأة بقيمة 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله.

ماذا نعرف عن كارتل خاليسكو الجديد؟
أسّس “إل مينتشو” الكارتل حوالى عام 2009 وسرعان ما وسّع نشاطه عبر توظيف وسائل إلكترونية للتجنيد وتنوّع مصادر دخله من سرقات الوقود والابتزاز ونصب عقود الإيجار السياحي وعمليات احتيال أخرى. حددت الولايات المتحدة هذا الكارتل، إلى جانب كارتل سينالوا، باعتبارهما الجهتين الرئيسيتين المسؤولتين عن تهريب الفنتانيل إلى السوق الأميركية في السنوات الأخيرة. وتعتبر إدارة مكافحة المخدرات الأميركية الكارتل ذا قدرة تنافس سينالوا، مع وجود نشاطات للكارتل في أنحاء الولايات المتحدة ووجوده في 21 من أصل 32 ولاية مكسيكية بحسب بيانات الهيئة.

يقرأ  يامال وأولمو يقودان انتفاضةَ برشلونة وتُكلّل بالفوز على ألافيس

اشتهر الكارتل أيضاً بهجماته المباشرة على قوات الأمن المكسيكية؛ ففي 2015 أسقط مقاتلوه مروحية عسكرية في خاليسكو، وفي 2020 حاولوا اغتيال قائد شرطة مكسيكوسيتي حينها عمر غارسيا هارفوش، الذي بات الآن وزير الأمن الفدرالي. وفي فبراير من العام الماضي سَلَّمت المكسيك أنطونيو أوسيغيرا سيرفانتس—شقيق “إل مينتشو”—إلى الولايات المتحدة، وذلك بعد أيام من تصنيف واشنطن ثماني مجموعات إجرامية وأعمال تهريب مخدرات لاتينية كـ”منظمات إرهابية عالمية”، ومن بينها كارتل خاليسكو الجديد.

كيف قُتل “إل مينتشو”؟
قُتل على يد قوات العمليات الخاصة المكسيكية خلال عملية عسكرية لاعتقاله في تالبالبا بجنوب ولاية خاليسكو يوم الأحد. أرسلت القوات لإلقاء القبض عليه، وصمد أنصاره في مواجهة العناصر المرسلة، وقالت السلطات إن مواجهات أسفرت عن مقتله أثناء العملية.

ماذا نعرف عن تفاصيل العملية؟
نشر الرئيسة كلاوديا شنباوم عبر منصة X أن Secretaría de la Defensa Nacional نفذت العملية بواسطة قوات فدرالية، مهنئة الجيش والحرس الوطني وقوات مسلحة أخرى ومجلس الأمن على إنجازه. ونشرت كارنولين ليفت، الناطقة باسم البيت الأبيض، أن واشنطن قدمت معلومات استخباراتية للحكومة المكسيكية دعماً للعملية، وأضافت أنه “خلال العملية قُتل ثلاثة أفراد آخرين من الكارتل، وأُصيب ثلاثة واعتُقل اثنان”، دون تأكيد رسمي لهوياتهم حتى الآن.

ما أهمية الدور الأميركي؟
يرى محلّلون أنّ الدعم الأميركي لعمليات اعتقال رؤوس مهربي المخدرات المكسيكيين ليس أمراً جديداً، بل جزء من تعاون متواصل. وقالت فانيسا روبيو-ماركيز من كلية لندن للاقتصاد إن المشاركة الأميركية تؤكد الحاجة إلى حوار دائم وفعال بين البلدين، لأن هذه الشبكات تنطوي على أنشطة عابرة للحدود تشمل استيراد المواد الأولية، والإنتاج، والتهريب، والاستهلاك، وتبييض الأموال، وتدفق الأسلحة، والابتزاز والفساد من جهتي الحدود، ومن ثم فإن التعاون المشترك ضروري لحماية المواطنين والقضاء على هذه الجرائم.

يقرأ  الشرطة تنفي مزاعم اختطاف بوبي واين فيما يقترب يوري موسيفيني من الفوز

ماذا حدث منذ مقتله؟
شَهِدَت المكسيك اضطرابات ليلية شملت عشرين ولاية على الأقل من بينها خاليسكو وكوليميا وميتشوكان وناياريت وغواناخواتو وتاماوليباس. وأفادت سلطات خاليسكو وميتشوكان وغواناخواتو بأن الاشتباكات ليل الأحد أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 14 شخصاً، من بينهم سبعة من الحرس الوطني. وأُغلقت مدينة غوادالاخارا—عاصمة خاليسكو ومقر بعض مباريات كأس العالم—أغلب مساء الأحد بينما لجأ السكان إلى منازلهم، وتم تأجيل أربع مباريات كبيرة كانت مقررة ذلك اليوم.

أظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي ركاباً يركضون مذعورين في مطار غوادالاخارا ودخاناً يتصاعد فوق مدينة بويرتو فالارتا السياحية. ودعا الحاكم بابلو ليموس السكان للبقاء في منازلهم، وعلّق وسائل النقل العام وأغلقت المدارس يوم الاثنين في ولايات عدة. وأصدرت سفارة الولايات المتحدة في المكسيك تحذيراً أمنياً لمواطنيها في خاليسكو وتاماوليباس وميتشوكان وغويريرو ونويفو ليون ونصحتهم بالالتزام بالبقاء في الداخل.

كيف تفاعل المكسيكيون؟
أشار محلّلون إلى أن الرأي العام المكسيكي يميل إلى تأييد إجراءات الحكومة للحد من نفوذ الكارتلات. وذكرت الحكومة في ديسمبر أن متوسط حالات القتل اليومي انخفض بنسبة 37 بالمئة منذ تولي شينباوم مهامها في أكتوبر 2024. وفي تعليق له وصف الأستاذ بنيامين سميث شعبية الرئيسة بأنها عالية جداً. «وكان إل مينتشو مكروهاً على نطاق واسع.»

حصلت كلوديا شينباوم على نسبة تأييد تقارب سبعين بالمائة في أواخر يناير، بحسب جمعيتي “الأمريكاس سوسيتي” و”مجلس الأمريكيتين” اللتين تتخذان من نيويورك مقراً لهما وتركزان على تعزيز التفاهم الثقافي والسياسي والعلاقات التجارية في الأمريكيتين. وظلت هذه النسبة ثابتة منذ انتخاب شينباوم.

«كان معروفاً على نطاق واسع — ومثاراً للانتقاد — أن سلف الرئيسة كلوديا شينباوم، اندريس مانويل لوبيز أوبراдор، اتبع سياسة “الأحضان لا الرصاص»،» قال روبيو-ماركيز.

يقرأ  «ستكون بنغلاديش أفضل»انتصار حزب بي إن بي يضع البلاد عند مفترق طرق — الانتخابات

«هذا انقلاب واضح على تلك السياسة السابقة من حكومة مورينا واعتراف ضمني بأن مواجهة الجريمة تتطلب قراراً واستراتيجية متقنة تشمل المعلومات والاستخبارات والتعاون مع امريكا والتنسيق والتدريب مع الجهات الفاعلة على مختلف مستويات الحكومة.»

ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟

قد تفيد العملية التي قتلت إل مينتشو المكسيك في مفاوضاتها مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي هددت بفرض رسوم جمركية أو حتى اللجوء إلى عمل عسكري إذا لم تشدد المكسيك قبضتها على عصابات المخدرات.

إلا أن الخبراء حذروا من أن العملية قد تثير موجة جديدة من العنف في البلاد، إذ قد تنتقم العصابات من قوات الأمن. وقال سميث إن العملية قد تسفر عن «مزيد من جرائم القتل العلنية».

«خلال العام الماضي نجحت الدولة المكسيكية في خفض معدلات القتل. أظن أن هذه العملية ستعكس ذلك الاتجاه،» أضاف.

من غير الواضح ما يخبئه المستقبل لكارتل خاليسكو للجيل الجديد، إذ تركت وفاة إل مينتشو فراغاً في السلطة ولا يزال مجهولاً من سيخلفه.

«القتال ضد الفاعلين الإجراميين لا يقتصر على التخلص من القادة وتقديمهم للعدالة،» قال روبيو-ماركيز. «إنما ينطوي على استراتيجية معقدة تشمل الوقاية، ومكافحة الأسلحة الفتاكة التي تستخدمها العصابات، وتفكيك شبكاتها متعددة الطبقات، وتأمين وحماية المواطنين، وسياسات فعّالة نحو الإدماج الاجتماعي والتماسك الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.»

أضف تعليق