موت بطيء ومؤكد يخيم على تيغراي بينما تلوح بوادر تجدد الحرب

تيغراي، إثيوبيا

عندما وُقّع اتفاق السلام الذي أنهى الصراع في موطنها بشمال إثيوبيا عام 2022، كانت سابا جيديون في السابعة عشرة من عمرها. كانت تأمل أن يتحول القتال إلى ذكرى، غير أن الأشهر الأخيرة أيقنَتْها بأن العنف يلوح من جديد، فتشعر الآن بعجز يضربها كجمرة لا تطفئها الأيام.

تجلس سابا تحت ظل شجرة في أحد الأماكن المكتظة بالنازحين داخلياً في عاصمة الإقليم، مكيلي، تبيع القهوة لمن يمرّ بين حين وآخر. تقول إن “الكثيرين يغادرون الإقليم هرباً”، وهي نفسها نزحت من مدينة هوميرا، المنطقة المتنازع عليها مع إقليم أمهرة والتي شهدت اشتباكات عنيفة خلال حرب 2020–2022 بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.

تتذكر الآن، وهي في الحادية والعشرين، فظائع لا تُمحى: قُتل بعض أقاربها واختُطف آخرون إلى اريتريا، ومنذ ذلك الحين لم تَصِلْها أخبار عنهم. نجت هي من الموت الجسدي لكن حياتها انقلبت رأساً على عقب حين أُجبِرت على الفرار إلى مكيلي طلباً للأمان. وبعد سنوات، ترى سابا أن أنماط النزوح تتكرر، فالناس يغادرون تيغراي باتجاه مناطق مجاورة، خصوصاً إقليم آفار، بحثاً عن مأمن صار شحيحاً في وطنهم.

“الصراعات المتكررة والحروب الأهلية حولتنا إلى زومبي لا مواطنين”، تقول ذلك بنبرة تختلطها مرارةٌ وخدر.

في الأسابيع الأخيرة تصاعد التوتر بين إثيوبيا واريتريا مع تبادل كل طرف الاتهامات. في خطاب إلى البرلمان في أوائل فبراير، تطرّق رئيس الوزراء آبي أحمد إلى مسألة الحصول على منفذ بحري لإثيوبيا، مؤكداً أن “البحر الأحمر وإثيوبيا لا يمكن أن يظلّا مفصولين إلى الأبد”. أثار كلامه اتهامات من أسمرة بأن أديس أبابا تسعى إلى غزو واستعادة ميناء عصب الذي فقدته إريتريا في 1993 مع استقلالها.

من جهتها تتهم إثيوبيا قوات اريتريا بأنها تحتل أجزاء من أراضيها على طول الحدود المشتركة، وتطالب بانسحاب فوري من بلدات مثل شرارو وغلومكادا، كما تتهم أسمرة بتسليح مجموعات متمردة داخل الهيملايا الإفريقي الواسع. يَرَى مراقبون أن هذه التوترات المتصاعدة قد تؤدي إلى حرب قريبة بين البلدين، قد تشرك تيغراي مجدداً في دوامة العنف.

يقرأ  زوجان بريطانيان احتجزتهما طالبان لعدة أشهر وخافا أن يُعدما

ندوب الحرب التي لم تندمل

في مكيلي، المدينة التي ازدهرت يوماً بفضل السياحة والتجارة، تبدو الشوارع اليوم هادئة إلى حدّ الكآبة. فرادى الشباب الذين اعتادوا المقاهي باتوا الآن يتقدّمون بطلبات الحصول على تأشيرات ويتواصلون مع مهربين على أمل الخروج من الإقليم. لا نادر أن تلتقي هناك من يتحدث بمرارة عن الأحلام المكسورة وخيارات البقاء القاسية.

هيلين جيسيسي، البالغة من العمر 36 عاماً، تقيم في مخيم للنازحين على أطراف المدينة. هي من أقلية الإيروبيين الكاثوليك المضطهدة في بلدة ديوهان شمال شرق تيغراي. خلال الحرب اختُطف بعض أفراد أسرتها، ومع توسع سيطرة القوات الإريترية فرّت هي إلى مكيلي على بُعد نحو 150 كيلومتراً، تاركة والدَيها المسنين اللذين عجزا عن المشي خلفها. مثل كثيرين، لم تصلها أخبار أولئك منذ 2022. تقول: “توقّفت حياتي؛ لا أعلم إن كان والداي على قيد الحياة”، ويبدو عليها أن سنوات القلق قد أضفت عليها سنوات عمر إضافية.

الآثار المدمرة للحرب ظاهرة في كل مكان: أكثر من ثمانين في المئة من المستشفيات دُمّرت أو أصبحت غير صالحة للعمل، وجرائم العنف الجنسي التي طغت على سنوات الصراع ما زالت تتكرر، ومئات الآلاف من الشباب خارج المدارس، والاستثمار الأجنبي الذي وفّر فرص عمل سابقاً تلاشى إلى حد كبير، والاقتصاد منهك بعد سنوات من الحرب. وفي ظل قرار الحكومة الفيدرالية احتجاز أموال خارجية مخصصة للإقليم، توسيع الأزمة الإنسانية يتسارع، بينما يُعاني الموظفون العموميون من تأخّر في الرواتب لعدة أشهر.

تدهور العلاقات بين إثيوبيا واريتريا ليس أمراً حديثاً بالكامل: بعد حرب استمرت بين 1998 و2000، وُقّع اتفاق سلام في 2018، ثم تَحالفت الدولتان أثناء الحرب التي اندلعت بين الحكومة والجبهة الشعبية في تيغراي بين 2020 و2022. لكن التحسّن الجزئي في العلاقات لم يدم؛ فقد شهدت الروابط تدهوراً حاداً بعد الاتفاق الذي أنهى الحرب في 2022، وهو اتفاق لم تكن أسمرة طرفاً فيه.

يقرأ  لوحة نُهبت على يد النازيين في الأرجنتين قد تكون في الواقع من عمل فنان آخر

“أعمال عدوان صريحة”

في مطلع الشهر الجاري، كتب وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس رسالة مفتوحة أشار فيها إلى وجود قوات إريترية تتجوّل على الجانب الإثيوبي من الحدود وطالب بانسحابها الفوري. وكتب أن “توغّل القوات الإريترية… ليس مجرد استفزازات بل أعمال عدوان صريحة”.

أسمرة تنفي وجود قوات لها داخل الأراضي الإثيوبية، ووزير الإعلام الإريتري يمان جبريميسكل وصف الاتهامات بأنها “أجندة حرب ضد إريتريا”. وفي استجابةٍ على المنوال نفسه، اتهم آبي في كلمته قوات اريتريا بارتكاب فظائع خلال حرب تيغراي، ما زاد من الاحتقان السياسي وقلّص هامش المناورة الدبلوماسية في منطقة باتت على شفير انهيار أمني واسع.

النتيجة المحتملة، كما يحذر كثيرون من المحليين والمحللين، هي عودة النزوح والتمزق الاجتماعي إلى مستويات ربما تتجاوز قدرة المجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية على الصمود. كانت هذه الاتّهامات سابقة من نوعها تصدر عن رئيس الوزراء، بعد إنكارات متكرّرة من حكومته حول تقارير تتحدّث عن مجازر جماعية ونهب وتدمير مصانع نفّذتها قوات إريتيرية خلال صراع تيغراي.

واستنكرت حكومة إريتريا مزاعم آبي، ووصف جبريمسكل تلك الادعاءات بأنها «أكاذيب رخيصة وبغيضة»، مشيراً إلى أن حكومة آبي كانت حتى وقتٍ قريب «تُكَرِّم بضياع الملامح وتمنح وسام الدولة» لضباط الجيش الإريتري.

مع تصاعد التوتر، يرى كثير من المراقبين أن الحرب بين البلدين باتت وشيكة، ودعوا إلى إطلاق حوار فوري وتهدئة التصعيد.

وقالت المتحدثة باسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، رافينا شامداساني، هذا الشهر: «الوضع يبقى شديد الهشاشة ونخشى أن يتدهور، ما يُفاقم الوضع الإنساني وحقوق الإنسان المتردّي في المنطقة».

وحذّر كيتل ترونفول، أستاذ دراسات السلام والنزاع في كلية أوسلو الجديدة، قناة الجزيرة من أن حرباً جديدة سيكون لها «تداعياتٍ واسعة النطاق على المنطقة» بغضّ النظر عن نتيجتها. ويرجّح أن يأخذ الصراع المرتقب شكل حرب أهلية جديدة، تعيد وضع أديس أبابا في مواجهة قيادة تيغراي مرة أخرى.

يقرأ  الأمم المتحدة تطالب مجدداً بإنهاء الحصار الأميركي على كوبا — أخبار فيدل كاسترو

من وجهة نظره، الهدف الإثيوبي قد يكون تغيير النظم في كلٍّ من أسمرة ومكلي، مشيراً إلى أن «تغيير النظام في إريتريا قد يؤدّي إلى سيطرة إثيوبيا على مصبّ أسّاب». وبالنسبة لأسمرة ومكلي، يضيف، فإن هدفهما أيضاً تغيير النظام في اديس ابابا.

وقال ترونفول: «إذا اندلعت الحرب فستكون مدمّرة لتيغراي». وأضاف: «نتيجة مثل هذا الصراع ستغيّر على الأرجح المشهد السياسي لإثيوبيا وقرن أفريقيا جذرياً»، محذِّراً من أن دولاً إقليمية قد تُنجَر أيضاً إلى حرب بالنيابة.

مخاوف على المستقبل

لا تزال ذكرى المجازر التي ارتكبت خلال حرب 2020–2022 حاضرة في ذاكرة كثيرين في تيغراي. مدينة أكسوم، الموقع المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو في منطقة تيغراي الوسطى، والمعروفة بمسلاتها الشاهقة وآثار مملكة قديمة، شهدت خلال يومٍ واحد في نوفمبر 2020 عمليات قتل نفّذها الجيش الإريتري؛ حيث قالت منظمة العفو الدولية إن «مئات المدنيين» قُتلوا.

ورغم إنكار الحكومتين الإريترية والإثيوبية للقتل سنواتَ عدّة، أقرّ آبي هذا الشهر بوقوع تلك الأحداث. ومع ذلك، بقي صامتاً بشأن حقيقة التعاون العلني بين الجيشين الإريتري والإثيوبي خلال تلك الحرب.

تقول مارتا كيبروم، امرأة في الأربعين من عمرها تنحدر من أكسوم، إن قلّة قليلة في مدينتها لم تُمسّهم العنف خلال السنوات الخمس الماضية. وتضيف: «القتل الذي جرى أثناء الحرب لم يكن نزاعاً عادياً، بل حمل سمات إبادة جماعية، إذ ذُبحت أسر بأكملها بلا سبب»، معبرة عن عجزها عن تخيّل أن تُعاد تلك المشاهد.

في مركز النازحين بمكلي، تنتظر جدّيُون الزبائن عند كشك قهوتهنّ وهنّ يخشين ما قد يأتي. كانت إحدى النساء تطمح لأن تصبح مهندسة، لكن بعد اقتلاعها من قريتها صار حلمها الآن الهروب بعيداً عن إثيوبيا. تقول إنها تواصلت بالفعل مع مهرب لتنقلها عبر ليبيا نحو البحر المتوسط — رغم المخاطر الجسيمة لهذه الرحلة.

«أفضل أن أجازف على أن أموت موتاً بطيئاً ومحتوماً مع مستقبلٍ ضئيل»، هكذا تختصر دافعها للمخاطرة.

أضف تعليق