موجة حرّ تكسر الأرقام القياسية في إسبانيا والبرتغال

إليزابيث داوسون — بي بي سي
إروان ريفو — مصمم بيانات، BBC Verify
كوبِرنِيكوس

شهد شمال إسبانيا في الأسابيع الأخيرة حرائق غير مسبوقة أحدثت ندوباً واسعة في الغطاء الطبيعي. حتى الآن هذا العام احترق نحو مليون هكتار في أنحاء الاتحاد الأوروبي — وهو رقم قياسي يعادل تقريباً نصف مساحة ويلز — مما يجعل هذا الموسم الأسوأ منذ بدء سجلات الحرائق عام 2006.

أصيبت إسبانيا والبرتغال بحدة خاصة؛ فقد تعرض نحو 1٪ من شبه الجزيرة الإيبيرية للاحتراق وفق علماء الاتحاد الأوروبي. وقد ربطت دراسة مستقلة أجرتها مجموعة World Weather Attribution في إمبريال كوليدج لندن تفاقم موسم الحرائق في حوض البحر المتوسط مباشرة بتغير المناخ. ويحذّر الخبراء من أن تزايد تواتر وشدة الحرائق في أوروبا مرجح أن يستمر مستقبلاً.

أكثر من ثلثَي المساحة المحترقة داخل الاتحاد تقع في إسبانيا والبرتغال وحدهما. ففي إسبانيا احترق أكثر من 400 ألف هكتار منذ بداية العام حتى 26 أغسطس/آب حسب نظام معلومات الحرائق الأوروبي (EFFIS) التابع لكوبِرنِيكوس — وهو ما يزيد بأكثر من ستة أضعاف المتوسط الإسباني للفترة نفسها بين 2006 و2024. أما البرتغال فشهدت رقماً قياسياً آخر بلغ 270 ألف هكتار — قرابة خمسة أضعاف المتوسط للفترة نفسها. وبالمحصلة، بلغ مجموع المساحة المحترقة في شبه الجزيرة الإيبيرية هذا العام 684 ألف هكتار — أي أربعة أضعاف مساحة لندن الكبرى — ومعظم هذه المساحة احترقت في غضون أسبوعين فقط.

تركيز الحرائق كان في المناطق الحرجية بشمال البرتغال وفي الأقاليم الإسبانية الواقعة في شمال غربي البلاد: غاليسيا وأستورياس وكاستيا وليون. وتعرضت محميات طبيعية مثل منتزه بيكوس دي يوروبا الوطني للضرر، كما تأثرت طرق رئيسية من شبكة الحج إلى كنيسة سانتياغو التي تجتذب عادة أكثر من 100 ألف زائر في أشهر الصيف. وأدت الأوضاع إلى أكبر تعبئة معروفة لقوات إطفاء ضمن آلية الحماية المدنية للاتحاد الأوروبي.

يقرأ  ٣٠ نموذجًا لتطبيق التكنولوجيا في العملية التعليمية

أدى الدخان المتصاعد من الحرائق إلى تدهور حاد في جودة الهواء، حيث حملته الرياح الجنوبية إلى فرنسا والمملكة المتحدة. وتُفاقم حلقة التغذية المرتدة بين الحرائق وتغير المناخ الوضع: فالتغير المناخي يزيد من احتمالات ظروف اندلاع الحرائق، وفي المقابل تطلق الحرائق المزيد من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) إلى الجو.

بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرائق إسبانيا هذا العام رقماً قياسياً قدره 17.68 مليون طن، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي — وهو أكثر من أي مجمل سنوي لانبعاثات الحرائق في إسبانيا منذ بداية رصد الأقمار الصناعية عام 2003. للمقارنة، يفوق هذا الرقم إجمالي انبعاثات دولة كرواتيا في 2023. وقد كافح رجال الإطفاء لاحتواء حرائق امتدت عبر أوروبا هذا الصيف.

أظهرت دراسة سريعة لمجموعة World Weather Attribution أن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية جعل ظروف الاحتراق في تركيا واليونان وقبرص أكثر احتمالاً بمقدار نحو عشرة أضعاف، وكان مسؤولاً أيضاً عن زيادة نسبتها 22٪ في شدّة الظروف المناخية المتطرفة التي تسببت بتلك الحرائق. يقول ثيودور كيبنغ، عالم حرائق الغابات في مركز السياسات البيئية بإمبريال كوليدج: «التغير المناخي يسبب موجات حرارة أشد تجفّف الغطاء النباتي وتزيد قابليته للاحتراق». ويحذر الباحثون من أن استمرار حرق الوقود الأحفوري سيؤدي إلى مزيد من هذه الحرائق المتطرفة.

تقول الدكتورة فريدي أوتو، أستاذة علوم المناخ في إمبريال وقائدة مجموعة WWA: «كان من الملحّ إيقاف حرق الوقود الأحفوري منذ عشر سنوات؛ إنه قاتل للناس والنُّظم البيئية». ويردف كيبنغ: «اليوم، مع ارتفاع متوسط الحرارة نحو 1.3°م منذ الحقبة ما قبل الصناعية، نشهد سلوكيات جديدة للحرائق تدفع فرق الإطفاء إلى أقصى حدودها». وقد شرع العلماء في تحليل سريع لحرائق إسبانيا والبرتغال ويتوقعون نتائج مماثلة تربط بين الظاهرة وتغير المناخ.

يقرأ  ويندل بيريإعداد الطلاب للانخراط في «العمل الجيد»

إضافة إلى المناخ، تسهم الهجرة من الريف إلى المدن في جنوب وشرق أوروبا في تفاقم شدة الحرائق. فالهجرة الشابة نحو الحضر تركت مساحات زراعية كانت تحت الإدارة لتصبح مهجورة ومكسوة بنباتات كثيفة، ما ألغى مقاطع الحماية (fire breaks) وزاد من كمية الوقود النباتي القابل للاشتعال.

النُّظُم الإيكولوجية المقاومة للنيران في مواجهة صعبة

لطالما كانت الحرائق جزءاً أساسياً من نظم البحر المتوسط البيئية، وتطورت كثير من الكائنات لتتعامل مع الاندلاع الحراري: فحيوانات مثل الأرنب الإيبيري تستفيد أحياناً من المساحات المفتوحة حديثاً، وتستطيع أشجار البلوط الفليني الاستعمار السريع للأراضي المحترقة. وتقنيات إدارة مثل الحرق المقرَّر وإزالة الغطاء النباتي كانت دوماً أدوات فعّآلة للسيطرة على الحرائق السنوية. وفي السابق كانت إعادة نمو النباتات تعوِّض انبعاثات الكربون من الحرائق بإعادة تخزين الكربون في النباتات والتربه.

لكن الحرائق الحديثة أكبر حجماً وأكثر تواتراً وشدة؛ وعندما تعجز المناطق الحرجية عن التعافي قبل وقوع الحريق التالي، تتحول إلى جزء من حلقة تغذية مرتدة مناخية مدمرة. كما يوضح الدكتور توماس سميث، أستاذ مشارك في الجغرافيا البيئية بمدرسة لندن للاقتصاد: المناخ الأكثر دفئاً يدفع إلى حرائق أجدر وأكثر اتساعاً، وهذه الحرائق تعيد إطلاق كميات كبيرة من الكربون تبقى في الغلاف الجوي، فتزيد الاحترار وتعمّق الظروف الملائمة لمزيد من الحرائق — دورة ذاتية التعزيز تقوّض فرص تعافي النظم البيئية وتزيد من مخاطر المستقبل. يبدو أن النص المرسل فارغ. من فضلك أعد لصق النص الذي تريد ترجمته وإعادة صياغته حتى أتمكن من المتابعة.

أضف تعليق