بيروت، لبنان — تصدّى موظفون حاليون وسابقون في الأمم المتحدة للدفاع عن فرانسيسكا ألبانيزي، المقرره الخاصة للأراضِي الفلسطينية المحتلة، بعدما تعرّضت لهجمات من منظمة غير حكومية مؤيدة لإسرائيل ومن مسؤولين في عدد من الدول الأوروبية.
تعيّن ألبانيزي، مثل جميع المقرّرين الخاصين، من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لكنها ليست موظفة دائمة في الأمانة العامة. تعرضت لحملات متكررة من شخصيات وهيئات مؤيدة لإسرائيل، وكان من أبرز منتقديها منظمة UN Watch، التي نشرت مقطعًا محرَّفًا من كلمة ألقتْها ألبانيزي خلال منتدى الدوحة هذا الشهر، وادّعت زورًا أنها وصفَت إسرائيل بـ«عدو الإنسانية المشترك».
الكلام الفعلي لألبانيزي كان أقرب إلى: «نرى الآن أنّ الإنسانية كلها تواجه عدوًا مشتركًا، وأن احترام الحريات الأساسية هو السبيل السلمي الأخير، والصندوق السلمي الأخير الذي لدينا لاستعادة حريتنا.» المقطع المحرَّف أثار اهتمام مسؤولين أوروبيين في كل من النمسا وجمهورية التشيك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو ذهب إلى حدّ المطالبة باستقالتها أثناء انعقاد دورة مجلس حقوق الإنسان المقررة في 23 فبراير، بعدما تلقّى في 9 فبراير رسالة من مجموعة نواب فرنسيين استنكرت تصريحات ألبانيزي ووصفتها بأنها «معادية للسامية»، ثم جدد بارو دعوته لاستقالتها بعد ذلك بيومين.
ردًا على ذلك، أصدر مئات من موظفي الأمم المتحدة، المنضمّين إلى مجموعة أطلقت على نفسها اسم «United Staff for Gaza»، بيانًا مدافعًا عن المقرره وانتقادًا للحكومات الأوروبية التي استهدفتها. وندّدت المجموعة بما سمّته «المعلومات المضلِّلة/المشوِّهة» التي تناقلتها وزارات خارجية فرنسية وألمانية وغيرها، ودعت إلى تصحيح هذه الأخطاء ووقف الهجمات الشخصية والتهديدات والتضليل الموجّه ضد وكالات الأمم المتحدة وحاملي التفويضات وموظفيها.
المجموعة، التي ليست جهة رسمية للأمم المتحدة، تشكّلت في يوليو الماضي وتضمّ اليوم ما يقرب من 2500 عضوًا من الموظفين الحاليين والسابقين. وهي تعرضتكرارًا كمنبر لزملاء حول العالم كي يعبّروا عن رفضهم لارتكاب جرائم فظيعة في قطاع غزة والدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة.
دالي تن هوف، موظفة سابقة وعضوة في مجموعة «الموظفون المتّحدون من أجل غزة»، قالت لــ«الجزيرة» إن بيان المجموعة لا يهدف فقط إلى دعم ألبانيزي بل أيضاً إلى مواجهة كل حملات التشويه غير الصادقة التي تستهدف الأمم المتحدة والمدافعين عن حقوق الفلسطينيين، بما في ذلك اونروا.
ألبانيزي، المحامية والخبيرة الإيطالية في مجال حقوق الإنسان، عُيّنت مقرّرة خاصة للأراضِي الفلسطينية المحتلة في مايو 2022. وتعدّ اليوم واحدة من أبرز الأصوات الدولية التي تدين ما تصفه الحرب الإسرائيلية في غزة بأنه حملات إبادة، وتطالب بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ما جعلها هدفًا لهجمات متكررة من حكومات ومنظمات مؤيدة لإسرائيل.
حازت المقرره أيضًا على دعم من وكالة الأونروا، التي اعتبرت في بيان أن الهجمات الأخيرة تهدف إلى إسكات صوتها وتقويض آليات التقارير المستقلة عن حقوق الإنسان التي لا تزال قائمة، مشيرة إلى وجود حملات منسّقة تسعى إلى تشويه سمعة وإسكات من يتحدثون عن تأثيرات انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان.
كريس غانِس، مدير الاتصالات الأسبق في الأونروا، حمّل في تصريحات لـ«الجزيرة» مسؤولية كبيرة للسياسيين المؤيدين لإسرائيل في دول المانحين، قائلاً إنهم سمحوا لمروّجي أخبار كاذبة على نطاق صناعي ومقاطع مصوّرة محرَّفة وخطابات كراهية مناهضة للفلسطينيين وإنكار للإبادة، بالظهور داخل برلمانات وطنية والمشاركة في النقاش العام حول لاجئي فلسطين.
وأضاف غانِس أن مصداقية وكلاء إسرائيل باتت «ممزّقة»، وأن الهجوم على فرانسيسكا ألبانيزي كشف عن الخداع المقصود الذي كان دائمًا بيتًا من ورق.
أكثر من 100 فنان دعموها أيضًا بعد تصاعد الدعوات لاستقالتها بين حكومات ومجموعات مؤيدة لإسرائيل.
فيما أثارت تصريحات ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تهيّجًا بين بعض موظفي المنظمة عندما قال إن منصب المقرّرين الخاصين، رغم كونه منفصلاً عن الأمين العام، يشكّل جزءًا مهمًا من بنية حقوق الإنسان الدولية، وأن الأمم المتحدة لا تتفق دومًا مع ما يقولونه، بما في ذلك السيدة ألبانيزي. وانتقدت تن هوف المتحدث، وقالت إنه كان ينبغي له الإقرار بأن الاقتباسات المنسوبة إلى ألبانيزي كانت مزيفة، ودعت إلى احترام نزاهة جهاز حقوق الإنسان الأممي كما فعلت قيادة الأونروا ومتحدثو مكتب حقوق الإنسان.
كما تعرّض عدد من المسؤولين الأوروبيين لانتقادات بسبب هجماتهم على المقرره. أغنيس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أدانت ما وصفته بتقطيع متعمَّد لمقطع خطاب ألبانيزي لتحوير رسالتها، وطالبت هؤلاء الوزراء بالاعتذار عن نشر معلومات مضلِّلة بدلاً من توجيه اتهامات باطلة. وفي كلامها، تساءلت كالامار عمّا إذا كانت هذه الحكومات سترفع صوتها بنفس الشجاعة ضد دولة ترتكب جرائم إبادة واحتلالًا غير قانونيًّا ونظامًا فصلًا عنصريًا كما فعلت ضد خبيرة أممية. إن جبنها وامتناعها عن محاسبة إسرائيل يقفان في تناقض صارخ مع إلتزام المقرر الخاص الثابت بقول الحقيقة أمام أصحاب السلطة.
ورغم سيل الانتقادات، لم يتراجع وزير الخارجية الفرنسي بارو عن مطالبه باستقالة ألبانيز.
قال تين هوف من «الموظفون المتحدون من أجل غزة» إن موقف فرنسا تجاه ألبانيز كان مخيّباً للآمال، لا سيما وأن باريس لعبت دوراً بنّاءً للغاية في تمرير إعلان الجمعية العامة للامم المتحدة بشأن فلسطين في سبتمبر الماضي.
كما انتقد شمس الغنيمي، المستشار السابق لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في كتلة حزب ماكرون بالبرلمان الأوروبي، الموقف الفرنسي بشدة.
«لا أستطيع أن أتخيل أن ترى فرنسا وهي تصطف مع دعاية السلطات الإسرائيلية ضد المقرر الخاص»، قال الغنيمي للجزيرة. وأضاف: «هل تريد حكومتنا أن تلتزم بالقانون الدولي، وبالتالي تدين الانتهاكات غير المسبوقة والمستمره في غزة والضفة الغربية؟ أم تريد أن تقف إلى جانب الدعاية البشعة للسلطات الإسرائيلية؟ مصداقية فرنسا على المحك.»