ليلة مخزية لكرة القدم الأفريقى: نهائي أمم أفريقيا بين المغرب والسنغال لم يكن مجرد مباراة بل كارثة سمعت أصداؤها في أرجاء القارة، وسيستمر أثرها على سمعة كرة القدم الإفريقية لأمد طويل.
مباراة كانت تعد بالكثير بين فريقين من أعلى مستويات الأداء تحولت إلى مشاهد متنازعة ومليئة بالفوضى في العاصمة الرباط. وبعد أن يحل الهدوء، ستبدا التحقيقات وتُسجَّل المساءلات.
تصاعدت المشكلة حين بلغ النهائي وقت التعويضات وتعادل الفريقان صفر-صفر. بدا أن إسماعيلا سار قد سجل، لكن الحكم جان جاك ندالا ألغى الهدف واعتبر أن عبدلاي سيك ارتكب خطأً على أشرف حكيمي — قرار أغضب مدرب السنغال بابي ثياو بشدة. ثم تزايدت الأحداث. في الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع سقط براهيم دياز وطالب بركلة جزاء بعنف. وبعد مراجعة تقنية الفيديو، وتدخل طواقم من المدربين واللاعبين حول الحكم، احتسبت ركلة مثيرة للجدل منحت المغرب فرصة الفوز في اللحظة الأخيرة.
كانت تلك الشرارة التي أشعلت النار. شعر ثياو بأن فريقه قد سُلب حقه، وفي احتجاجٍ صارخ قاد لاعبيه إلى الخروج من أرض الملعب والدخول إلى النفق، محولاً النهائي إلى منطقة خطرة. استغرق استئناف اللعب أكثر من 17 دقيقة وسط رشق جماهيري بأجسام واقتحام جزئي للملعب. اعترف ثياو لاحقاً بأن قراره كان خطأً، لكن الضرر قد حصل.
خطأ دياز بنمط “بانينكا” كلف البلد المضيف الكثير. في لحظة كانت تبدو تاريخية للمغرب بعد انتظار خمسين عاماً للقب، اختار دياز أن ينفذ ركلة بانينكا بلا مبرر واضح، فارتطمت الكرة مباشرة بيد الحارس إدوارد ميندي، أمام أكثر من 66 ألف متفرج مذهولين. وعندما بدأت الأشواط الإضافية، خطف بابي غييه هدف الفوز الرائع للسنغال، هدف كان سيُذكر لو لم يتبدد النهائي في فوضى تامة.
السنغال توِّجت بطلةً لأفريقيا للمرة الثانية، ومن منظور فني كانوا يستحقون ذلك. لكن التحقيقات والانتقادات ستطغى على فرحة التتويج وسيُنظر إلى هذه الليلة بمرارة.
الرئيس الفيفا جياني إنفانتينو، الذي حضر المباراة، ندّد بالمشاهد “القبيحة” واعتبر أن مغادرة أرض الملعب بهذه الطريقة “غير مقبولة” وأن “العنف لا يمكن التسامح معه في رياضتنا”، مشدداً على أن قرارات حكام المباراة يجب احترامها. من المتوقع أن تُصدر الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم إجراءات تأديبية صارمة نتيجة ما جرى.
أبدى مدرب المغرب وليد الركراكي استياءه ووصف المشاهد بـ”العار” وقال إنها لا تليق بأفريقيا. يبدو أن إجراءات قاسية ستطال ثياو بعد إلغاء مؤتمره الصحفي بسبب اضطرابات في قاعة الصحافة، لكنه لن يكون الوحيد تحت المجهر.
قبل النهائي أبلغت الاتحاد السنغالي مخاوفها بشأن الأمن في البطولة، مشيرة إلى أن لاعبيها ووفدها “عرضة للخطر”، كما أبدت استياءً من ملاعب التدريب والفنادق وتوزيع التذاكر. موضوع التحكيم في المباراة جذب الكثير من الانتقادات؛ وبينما حافظ الحكم ندالا على رباطة جأشه تحت ضغط شديد عندما غادر لاعبو السنغال الملعب، لا يمكن تجاهل أن قراراته في الوقت بدل الضائع أربكت المتابعين. هل ارتكب سيك فعلاً خطأً على حكيمي؟ بدا القرار قاسياً على لاعب السنغال. ولماذا لم يلجأ الحكم في البداية إلى مراجعة الـVAR؟
هل سقط دياز بسهولة تحت ضغطٍ لم يكن واضحاً من المهاجم السنغالي الحاج مالك ديوف؟ بدا ندالا متجاهلاً ثم استسلم لضغط دياز والجمهور. قرار واحد لصالح أصحاب الأرض قد يكون محتمَلاً، لكن اثنان أصبحا وقوداً للاشتعال.
ظهرت اتهامات بالانحياز لصالح الدولة المضيفة بعد أن تناهت ادعاءات عن رفض ركلتي جزاء في ربع نهائي المغرب ضد الكاميرون. مثل هذه النظريات المؤامراتية شوهت التقدير الذي حازت عليه المغرب كمُنظم للبطولة، إذ أشاد بها نجوم مثل محمد صلاح الذي وصف مستوى التنظيم بأنه من الأفضل الذي شهد مشاركته في أفريقيا.
لم تكن المشاهد آخر ما خطر ببال الجماهير المغربية الباكية وهي تغادر الاستاد أو أولئك المنتشرين في أنحاء البلاد استعداداً للاحتفال. لم يكن أي من ذلك ذنبهم؛ كانوا ضحايا لحظات حكمت عليها الظروف القاسية والمطر الذي صبّ على آمالهم. وستستمر الانتظارات عن لقب القارة.
حتى قبل الانفجار في الدقائق الأخيرة، بدا أن السمة الغالبة على كأس أمم أفريقيا 2025 هي ارتفاع مستوى كرة القدم الإفريقية وإمكانية تقدم منتخباتها المتقدمة، لاسيما السنغال والمغرب، في مونديال الصيف. مع بلوغهم نصف نهائي قطر واستمرار ثمار الاستثمار في فرق الشباب، سيكون من خطأ التقليل من قدرة المغرب على إزعاج أقوى المنتخبات العالمية. وينطبق الأمر نفسه على السنغال، التي يضيء لاعبُوها سماءَ الدوريات الأوروبية ويتجمعون كقوةٍ ضاربةٍ عندما يمثلون أسود التيرانغا.
لكن في الرباط، جاءت اللامبالاة من جانب المدربين واللاعبين والجماهير، الذين جرّوا سمعة كرة القدم الإفريقية إلى الوحل. وقد أوضح إنفانتينو بالفعل أن مثل هذه المشاهد لن تُقبل في إفريقيا ولا في أي مكان آخر.
الرجل الوحيد الذي خرج من فوضى النهائي وقد عزّز سمعته هو نجم السنغال ساديو مانى، الذي بدا متردداً في مغادرة الملعب وبدا وكأنه يحثّ زملاءه على العودة. كما سعى إلى تهدئة جماهير السنغال بعد القرارين المثيرين للجدل.
كان ينبغي لعشّاق كرة القدم في كل مكان أن يحتفلوا بنجاح السنغال وبجودة الأداء الذي قدمه الطرفان. بدلًا من ذلك، سنحتفظ في الذاكرة بالمشاهد المخزية في بلدٍ سيشارك في استضافة كأس العالم بعد أربع سنوات.
الأمر الآن بيد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) وجهازه التأديبي ليُنطق بالكلمة الفصل بشأن أمم إفريقيا 2025. ومع تضرّر سمعته والحاجة إلى إرضاء الفيفا، لا تتفاجأوا إذا تلا ذلك الممزيد من الدراما.
ساديو مانى يرفع كأس أمم إفريقيا 2025 [فرانك فيف/أ ف ب]