«نهاية العالم كما نعرفه»: هل انتهى عهد النظام القائم على القواعد؟ — أخبار الصراع الفلسطيني‑الإسرائيلي

أخرج مارك كارني، رئيس وزراء كندا، ما كان كثيرون يهمسون به بصوت منخفض إلى العلن في منتدى دافوس: أن النظام الدولي المبني على قواعد — أو بالأحرى الوهم القائم على احترام هذه القواعد — إما أنهار فعلاً أو على وشك الانهيار.

في الأسابيع الأخيرة بدا أن الولايات المتحدة، التي كانت قوتها العسكرية والمالية العمود الفقري لذلك النظام، تتصرف كقوة منفلتة: غزت فنزويلا، هددت بضم إقليم غرينلاند الأوروبي، وهددت بفرض تعريفات جمركية على أي حليف غربي يجرؤ على معارضتها.

وبدل الأمم المتحدة، المنظمة التي كان يُفترض أن تجسد النظام العالمي الحديث، يروّج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما يوحى بأنه خليفة محتمل لها، ما يسميه «مجلس السلام».

في حديثه من دافوس اعترف كارني بأن سلوك الولايات المتحدة — وآخره السعي لضمّ غرينلاند — يجعل فكرة النظام القائم على القواعد أمراً منتهياً عملياً. أما البديل، حسب كارني، فسيكون عصر تنافس القوى العظمى، حيث يتلاشى «خداع» الراحة واليقين الذي اعتدنا عليه أمام ضوء الحقائق القاسي.

قال أمام قادة العالم: «قوة النظام لا تأتي من صدقه، بل من استعداد الجميع لأداء الدور كما لو كان حقيقياً، وهشاشته تنبع من نفس المصدر. عندما يتوقف شخص واحد عن الأداء… تبدأ الوهمة في التشقق.» وأضاف: «شاركنا في الطقوس وتجنبنا إلى حد كبير فضح الفجوات بين الخطاب والواقع. هذه الصفقة لم تعد تعمل. لأكن صريحاً: نحن في خضم شرخ، لا مجرد انتقال.»

وفي اليوم التالي، صرح ترامب في دافوس أن الأزمنة قد تغيّرت، مشيراً إلى عملية نفذتها قواته لاختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في وقت سابق من الشهر، وانتقد أوروبا واصفاً دولها بالضعيفة، ومؤكداً رغبته في الاستحواذ على غرينلاند بغض النظر عن رأي سكانها أو الدنمارك. قال ترامب حرفياً: «نريد قطعة من الجليد لحماية العالم. ولن يعطونا إياها. أمامهم خيار: إما أن يقولوا نعم وسنكون ممتنين، أو يقولوا لا وسنتذكر ذلك.»

يقرأ  الحرب الروسية–الأوكرانية: قائمة الأحداث الرئيسية — اليوم ١٣٩٤آخر المستجدات

أوضح ترامب مراراً أن الأسلوب القديم في إدارة الشؤون الدولية لا يهمه؛ مفاهيم ما بعد الحرب العالمية الثانية من سيادة وحل النزاعات عن طريق التفاوض باتت أقل أهمية.

من حليف إلى مفترس

أجبرت تصرفات إدارة ترامب صناع القرار في أوروبا والغرب على مراجعة اعتمادهم على الولايات المتحدة وقياس صعوبة مواجهة أعظم قوة في العالم، وهو ما دفع ريتشارد شيريف، النائب السابق لقائد حلف الناتو في أوروبا، إلى القول يوم الثلاثاء إنها تحولت من «حليف» إلى «مفترس»، واشار إلى أن محاولات أوروبية محدودة لمواجهة طموحات واشنطن في غرينلاند اقتصرّت على إرسال عدد رمزي من القوات إلى الجزيرة، لتقابلها غاضبة أمريكية وتهديد فوري بالتعريفات الجمركية.

«النظام القائم على القواعد انتهى، ونهايته تعكس الوهم القديم بأن القيم والمصالح الأمنية لأوروبا والولايات المتحدة كانت واحدة»، قال جيفري نايس، المحامي الحقوقي والمدّعي السابق في محاكمة حرب ضد سلوبودان ميلوشيفيتش.

على مدى سنوات استثنت الولايات المتحدة نفسها من معاهدات دولية عدة، مثل محكمة الجنائية الدولية، التي تابعت أمرها بإصدار أمر اعتقال ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين — وهو ما سعى إليه أيضاً الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن على نحو نشط رغم رفض واشنطن قبول اختصاص المحكمة. وبالمثل، عندما حكمت محكمة العدل الدولية عام 1986 ضد الولايات المتحدة بشأن دعمها للمتمردين في نيكاراغوا، تجاهلت واشنطن الحكم. التزامات دولية أخرى، كقضايا المناخ أو الاتفاقات المتعلقة بإيران، قوبلت بتجاهل مماثل.

قال نايس للأزمة إن «الواقع كان دائماً أن الولايات المتحدة، مراراً وتكراراً، تضع مصالحها وسيادتها أولاً. اهتمام الولايات المتحدة بالقانون الدولي، منذ نورمبرغ، كان أمراً انتقائياً أكثر منه قائماً على معاهدات». وأضاف أن أوروبا وغيرها خدعوا أنفسهم لثلاثة أرباع قرن ظناً بأن الأمر مختلف.

يقرأ  النشأة في دور الرعاية: رحلة قاسية

تجمّع محتجون في نوك، غرينلاند، تحت شعار «غرينلاند تنتمي لشعب غرينلاند» للتعبير عن رفضهم للتدخلات الخارجية.

نفاق النظام

تكاثرت على مدى عقود الانتقادات الموجهة لما يُسمى بالنظام القائم على القواعد، وبدا ذلك أكثر وضوحاً لدى استمرار الدعم الغربي لإسرائيل على الرغم من حربها في غزة التي أودت بحياة أكثر من 71,550 فلسطينياً خلال عامين. تجاهل القادة الغربيون إلى حد كبير مذكرة توقيف محكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما أثار السؤال حول ما إذا كان للقانون الدولي قيمة لدى بعض الأطراف وليس لدى آخرين.

«فكرة الالتزام بنظام قواعد واحد — وغالباً ما تكون منافقة إلى حدّ بعيد — قد انتهت، إن كانت قد وُجدت أصلاً»، قال إتش إيه هيليير من معهد الخدمات المتحدة الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية بلندن.

وأضاف أن إدراك هذا الواقع من قبل كندا وأوروبا يتلقى ردود فعل متفاوتة عالمياً: بالنسبة لبعض الدول، ولا سيما أوروبا وكندا، يبدو الأمر انهياراً صادماً؛ أما لآخرين، فهو لحظة تُسمى فيها منظومة لم تحمِ أبداً السكان السود والبُنِيّين أو «الجنوب العالمي» باسمها الحقيقي.

ومن اللافت أن نقطة الانهيار المفترضة للنظام القائم على القواعد كانت تهديد غرينلاند، لا الدمار في غزة أو أمثلة أخرى سبقتها، وهو ما يطرح صعوبة في الحجة القائلة إن الحديث عن ضمّ يعتدي على المعايير الدولية أكثر من تدمير شعب وموطن بكامله. في حالة إسرائيل، الضامن الرئيسي للنظام القائم على القواعد — أي اميركا — لم يكتفِ بضمان غياب المحاسبة عن انتهاكات القانون الدولي، بل ساهم بنشاط في تشجيع وتقوية هذه الانتهاكات وتمكينها.

لا شيء جديداً في ادعاء المعلقين الغربيين بأن ما يحدث على عتبة بيوتهم يضبط إيقاع العالم بغضِّ النظر عما يجري في أماكن أخرى، كما يؤكد كريم إميل بيطار، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف ببيروت.

يقرأ  البرازيل تنشر الحرس الوطني قرب الحدود مع فنزويلاتوترات متصاعدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا

«لهذا نرى تناقضاً صارخاً بين مواقف الغرب تجاه غزة ومواقفه حين تظهر امرأة أوكرانية شقراء ذات عيون زرقاء كلاجئة»، يقول بيطار. «عندما يتعرّض إقليم يُعتبر جزءاً من «الاتحاد الأوروبي» لتهديد، ينقلب السرد كاملاً ويتخلى عن الحجج الكاذبة التي استُخدمت لعقودٍ طويلة.»

بالنسبة للدول الأصغر التي اضطُرت للاعتماد على التحالفات بدلاً من القواعد لسنوات، أو لمعظم بلدان الجنوب العالمي، فإن انهيار النظام القائم على القواعد قد لا يحمل معه تغييراً جوهرياً. أما بالنسبة لشمال العالم وممثليهم في قِمم مثل دافوس، فالمعنى مختلف تماماً: إنه زلزال جيوسياسي يغيّر الموازين.

أضف تعليق