هجمات إيران على الخليج حرق جسور حسن الجوار — الصراع الإيراني الإسرائيلي

في الساعات الأولى من 28 شباط/فبراير 2026، شَنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً منسقاً على ايران أطلقت عليه واشنطن اسم «عملية الغضب الملحمي». دول الخليج لم تهلل لهذا العمل؛ بل راقبته بقلق وخشية.

لسنوات مضت، راهنّت هذه الدول على رصيد دبلوماسي ضخم لتفادي بالضبط هذا السيناريو. فتحت قنوات مع طهران، حافظت على سفاراتها، وقدمت تأكيدات متكررة بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها كمنصات لإطلاق هجمات ضد الجمهورية الإسلامية.

أن تكون استجابة طهران هي توجيه صواريخها إلى هؤلاء الجيران أنفسهم يشكل ليس فقط حساباً استراتيجياً خاطئاً على نحو تاريخي، بل أيضاً إخفاقاً أخلاقياً وقانونياً عميقاً يهدد بتسميم العلاقات لأجيال قادمة.

سجل ضبط النفس الحقيقي

لم تَدخل دول مجلس التعاون هذه الأزمة بوصفها أعداء لإيران؛ بل دخلت كمراقبين مترددين، أمضوا سنوات يحيكون توازناً دقيقاً بين واشنطن وطهران بعناية متأنية وغالباً بلا تقدير ظاهر.

اختارت السعودية مسار الحوار منذ 2019 وسعت لإعادة تطبيع كامل للعلاقات مع طهران، وهو مسار تكلّل باتفاق التطبيع الوسيط الذي توسطت فيه الصين في 2023 وإعادة فتح السفارات. رهان الرياض كان أن الانخراط والدبلوماسية هما طريق الاستقرار، لا المواجهة. وحتى مع تصاعد الأزمة الحالية، أكدت المملكة لإيران صراحةً أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لاستهداف طهران. وعد المملكة قُدّم؛ ولم يُحترم بالمقابل.

الدوحة استثمرت سنوات في الوساطه، وكانت الطرف الذي لا غنى عنه بين حماس وإسرائيل، وبين إيران والولايات المتحدة. احتضنت محادثات نووية غير مباشرة، ودعت دوماً إلى حلول دبلوماسية عندما قلّ من يتحلى بمثل هذا الإصرار.

خدمة عُمان كانت هادئة لكنها جوهرية: كانت القناة الخلفية للمفاوضات التي، حتى عشية الحرب، أبقت بصيص أمل في احتمال التوصل إلى تفاهم. وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي عبّر عن تفاؤل بأن السلام «في متناول اليد» في اليوم الذي سبق سقوط القنابل.

على امتداد المجلس، قدمت الحكومات تأكيدات متكررة وعامة لإيران وللعالم بأن أقاليمها لن تُستخدم لإطلاق هجمات ضد الجمهورية الإسلامية. كانت هذه التعهدات موثوقة وذات مضمون، مدعومة بسنوات من التواصل الدبلوماسي.

حتى إيران نفسها أبدت اعترافاً ضمنياً بجدّية هذه الضمانات: ففي 5 مارس قدّمت طهران شكرها العلني للسعودية لالتزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها ضد إيران. ذلك الامتنان يجعل أفعال إيران أكثر تناقضاً ولا تُقَبَل تبريراً.

يقرأ  شي جين بينغ يحث قادة المنطقة على رفض «عقلية الحرب الباردة» في قمة إقليمية

فهذه ليست أفعال جيران عدائيين، بل أفعال دول فهمت محيطها واختارت مراراً طريق الدبلوماسية الشاق.

الرد الذي صدم المنطقة

ردّ طهران جاء بمثابة عقاب لسنوات من حسن النية الخليجية: في الأيام الأولى للحرب أطلقت إيران أكثر من ضعف عدد الصواريخ الباليستية ونحو عشرين ضعف الطائرات المسيّرة على دول الخليج مقارنة بإسرائيل. أسفرت الضربات في الإمارات وحدها عن ثلاثة قتلى و78 جريحاً؛ أحرق أكبر مصفاة في السعودية؛ استُهدفت مطارات رئيسية في دول الخليج؛ وتعرّض حقل راس لفّان في قطر، العمود الفقري لإمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، لهجوم.

إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر منه خُمس صادرات النفط العالمية وحصة معتبرة من الغاز الطبيعي المسال يومياً، أحدث صدمة فورية في الأسواق الدولية. وهددت إيران بعمليات ضد الملاحة التجارية، ما قاد إلى شبه توقف للشحن عبر الممر، وقطْع الشريان الذي يربط منتجي الطاقة الخليجية باقتصادات آسيا وأوروبا وبقية العالم. مع تجمّد صادرات السعودية والإمارات وقطر، وانهيار أسواق التأمين، عاد شبح إغلاق طويل يشبه حروب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، ودفَع العالم أقرب إلى صدمة اقتصادية لا يملك أي دستور تعافٍ آليات جاهزة لها.

غير قانوني ومضر وغير مقبول

هجمات إيران على سيادة دول الخليج ليست مجرد خطأ استراتيجي؛ فهي انتهاك صريح للقانون الدولي. دول الخليج ليست أطرافاً في النزاع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ولم تُخوّل أي عمليات عسكرية تُشن من أراضيها ضد إيران. استهداف البنية المدنية—مطارات، فنادق، مصافي وموانئ—في دول غير مشاركة في القتال ينتهك قواعد القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية وحظر الهجمات على الأعيان المدنية.

حاولت طهران تبرير ضرباتها بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضي بعض الدول الخليجية، معتبرة أن ذلك يجعلها أهدافاً مشروعة. هذا المنطق لا يَصمد: دول مجلس التعاون كرّست تأكيدات صارمة لإيران، قبل الحرب وحتى عشيتها، بأنها لن تسمح باستغلال أراضيها لشن هجمات. وبيان وزراء مجلس التعاون الاستثنائي في 1 مارس 2026 صرّح بذلك بوضوح، مشيراً إلى أن الضربات جاءت «رغم الجهود الدبلوماسية المتنوعة لدول المجلس لتفادي التصعيد وتأكيدها على أن أراضيها لن تُستخدم لإطلاق أي هجوم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

يقرأ  مقتل طفل فلسطيني في غارة إسرائيلية بالضفة الغربية وسط تصاعد أعمال عنف المستوطنين | أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

اجتماع وزاري مشترك بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي في 5 مارس أعاد التأكيد على هذه النقطة. ونقلت وسائل إعلام عن نائب وزير الخارجية الإيراني حميد غنبري قوله إنه «يأسف لأي خسائر إنسانية نجمَت عن التصعيد العسكري الحالي»، وهو اعتراف ضمني بأن الهجمات ألحقت ضرراً لا يمكن تبريره بتأطير استراتيجي.

قطر، التي كانت من أكثر الدول الخليجية مثابرةً وصدقاً في تواصلها مع إيران، أصدرت ما وصفه مسؤولون بأنه أقوى إدانة في تاريخ البلاد، ووصفت الضربات بـ«الطائشة وغير المسؤولة». ويعبّر اجتماع مجلس وزراء مجلس التعاون الطارئ في 1 مارس عن إدانات جماعية واسعة، واصفاً الاعتداءات بأنها «بشعة» و«انتهاك جسيم لسيادة هذه الدول ومبادئ حسن الجوار وانتهاك واضح للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وأكد المجلس أن الدول الأعضاء «ستتخذ كل الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها واستقرارها»، بما في ذلك خيار الدفاع عن النفس—صياغة لقوتها غير مألوفة في لهجة الدبلوماسية الخليجية. إن الإجماع وحدة الخطاب الجماعي تعكس عمق الخيانة التي شعر بها الإقليم بأسره.

المنطق الاستراتيجي الذي تعمل وفقه طهران—أي أن ضرب دول الخليج سيضغط على واشنطن لإنهاء الحرب—ليس فقط خاطئ التطبيق، بل يخدم مصالح إسرائيل عملياً. فبإدخال الصراع إلى الخليج، تفعل طهران ما عجزت إسرائيل عن فعله بمفردها: تحويل المواجهة من محور إيراني–إسرائيلي إلى مواجهة بين إيران وجيرانها العرب.

كل صاروخ يُطلق على دبي أو الدوحة أو الرياض يغيّر السرد، ويجر دول الخليج أعمق في نزاع كانت تسعى لتجنّبه، ويضعف الجهات الأقدر على الوساطة. إنها حسابات استراتيجية خاطئة من الدرجة الأولى. مصلحة المنطقة الأوسع تكمن في منع إسرائيل من بروز كقوة هيمنة لا معارضة لها في الشرق الأوسط—وهو احتمال يزداد واقعية كلما طردت إيران جيرانها العرب من دورهم كوسطاء أمينين ودفعَتهم للتقارب الأمني الأعمق مع واشنطن. إن طهران، باستهدافها الخليج، لا تقاوم النظام الإقليمي الجديد؛ بل تبنيه بلا قصد.

الحاجة إلى مخارج قبل أن تُغلق السبل

الأمر الملح الآن هو التحرك قبل أن يُغلق النافذة. يجب السعي لوقف إطلاق النار بصورة استباقية وبلا شروط. الحروب تبلغ عتبات حرجة يصبح عندها كل طرف ملتزماً للغاية بموقفه وتضحياته وسرده التبريري لدرجة يجعل الخروج شبه مستحيل.

يقرأ  أستراليا تُغلق عشرات الشواطئ على الساحل الشرقي إثر هجمات أسماك القرشأخبار الحياة البرية

وهناك دلائل على اقتراب هذه العتبة: أعلنت إيران أنها ستحارب حتى «الهزيمة الحاسمة للعدو». ولم ينجح مجلس الشيوخ الأمريكي في تفعيل صلاحيات الحرب لكبح عمليات إدارة ترامب. وتشارك وكلاء إيران، مثل حزب الله في لبنان وميليشيات في العراق، بعمليات نشطة. ومع كل يوم يضيق ممر الحلول المتاح.

المطلوب بسرعة هو جهد دولي منسق لبناء مخارج لا تستطيع واشنطن أو طهران أن تصمماها بمفرديهما. ذلك يتطلب انخراط كل دولة في الجغرافيا الشاسعة التي بدأ هذا النزاع يشكلها: دول الخليج التي تقوم بنيتها التحتية للطاقة على إمداد جزء كبير من الاقتصاد العالمي؛ القوى الآسيوية (الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية) التي تتعرّض أمنها الطاقي ومسارات تجارتها واستقرارها المالي للخطر؛ الدول الأوروبية التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال الخليجي وطالما دعت إلى مسار دبلوماسي؛ والدول الأفريقية التي يمر عبر مضيق هرمز غذاؤها ووقودها.

لا تزال قطر وعمان تملكان قدرة فريدة ولا غِنًى عنها على الوساطة—الدوحة كوسيطٍ محوري بين الأطراف المتنافسة، وعُمان كقناة ثقة بين طهران والغرب.

الصين، التي وساطت لاتفاق المصالحة السعودي–الإيراني 2023 ولها مصالح اقتصادية عميقة في طهران والخليج، تملك دافعاً ونفوذاً. والحكومات الأوروبية، التي دعمت الاتفاق النووي لأكثر من عقد وتتحمل الآن ألم توقف شحنات الغاز المسال، لها مصلحة اقتصادية واستراتيجية في التصدي بحزم لمسار واشنطن. فحرب خليجية طويلة لا تحرم أوروبا من الطاقة فحسب، بل تستهلك مواردها واهتمامها في وقت لا تستطيع فيه تجاهل تهديد غير مُحَلٍّ على الجبهة الشرقية مع روسيا. يتطلب الأمر جهداً عالمياً منسقاً ليُتاح لواشنطن وطهران مخرج يحفظ ماء الوجه، يسمح لكل طرف بالإعلان عن نصر ما والتراجع قبل أن يتفشى الصراع إقليمياً ويطغى على نتائج العراق وأفغانستان معاً.

أظهرت دول الخليج، عبر سنوات من دبلوماسية صبورة ومستمرة، أن حسن الجوار مع إيران كان خيارها المفضّل. وردّت إيران على هذا الخيار بالصواريخ. ومن الحكمة أن تتذكر طهران أن الجيران الخليجيين الذين تقصفهم اليوم هم أنفسهم الأكثر قدرة على مَنْحها مخرجاً، بفضل خبراتهم في الوساطة ونفوذهم العالمي. يجب بناء ممر للخروج، لكن النافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.

الآراء الواردة هنا تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق