هجوم على فنزويلا وخطف مادورو يثير موجات قلق في امريكا اللاتينية
الضربة التي استهدفت فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو خلال عطلة نهاية الأسبوع أحدثت زلزالاً سياسياً في أنحاء أمريكا اللاتينية، إذ أعادت إثارة المخاوف من عودة شكل واضح ومباشر للتدخل الأميركي في شؤون المنطقة. المخاوف تبدو أكثر حدة في المكسيك، الجارة الأقرب والناشطة تاريخياً في الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشار علناً إلى دول مثل المكسيك وكوبا وكولومبيا في أعقاب الضربة على فنزويلا، التي أدت إلى مقتل عشرات الأشخاص وأُدرجت على أنها انتهاك للقانون الدولي من قبل عدد من الحكومات والجهات الدولية. كما ألمح ترامب إلى إمكانية توجيه ضربات عسكرية داخل الأراضي المكسيكية بذريعة محاربة تهريب المخدرات؛ وفي مقابلة نشرها إعلام أميركي قال إن «الأمر يجب أن يتم بشأن المكسيك» وإن جماعات المخدرات «تتحكم في المكسيك»، في عبارة أثارت استياء صناع القرار المكسيكيين وقطاعات واسعة من الرأي العام.
ردت رئيسة الحكومة المكسيكية كلاوديا شينباوم بحزم، مؤكدة على السييادة المكسيكية ورفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية. تقول شينباوم إن «الشعب هو صاحب القرار في المكسيك»، وإن التعاون ممكن، أما الخضوع أو التدخل فمرفوضان قاطعان.
لكن الدفاع عن السيادة لم يمنع حكومة شينباوم من تقديم تنازلات عملية لواشنطن في ملفات أساسية مثل الهجرة والأمن والتجارة. فعندما هدد ترامب بفرض ضرائب استيراد بنسبة 25٪، وافقت المكسيك على نشر عشرة آلاف عنصر من الحرس الوطني على حدودها مع الولايات المتحدة للحد من الهجرة غير النظامية ووقف تهريب المخدرات. كما حافظت المكسيك على تعاون أمني مع واشنطن شمل تسليم مطلوبين ومشاركة معلومات استخباراتية في عمليات ضد عصابات المخدرات.
السياق التاريخي يعمق الحساسية المكسيكية تجاه أي تهديد أميركي صريح. لتاريخ التدخلات الأميركية في القرن التاسع عشر والعشرين أثر طويل في الذاكرة الوطنية؛ من الحرب المكسيكية–الأميركية (1846) التي انتهت بضم مساحات شاسعة من الأراضي، إلى تدخلات لاحقة خلال الثورة المكسيكية وشخصيات دبلوماسية وعسكرية أميركية لعبت أدواراً في محطات مفصلية مثل قصف منفذ فيراكروز ومطاردة قادة ثوريين مثل بانشو فيلا. كما يُستدعى تصريح بورفيريو دياز الشهير: «مسكينة المكسيك، بعيدة عن الله وقريبة جداً من الولايات المتحدة» لتلخيص حسّ التاريخ والقلق.
ترامب نفسه استند في تبريراته إلى إرث تاريخي، مستحضراً ما يُعرف بعقيدة مونرو — التي أعطت الولايات المتحدة حججاً للتدخل في نصف الكرة الغربي — وذهب إلى حد إعادة تسميتها بطريقة استهزائية. ولم تكتفِ واشنطن بالتصريحات؛ فقد شارك جهاز خارجي صورة للرئيس الأميركي مع تعليق مفاده أن هذا هو «نصفنا الكروي»، في إشارة إلى إدعاء النفوذ hemispheric.
المراقبون يؤكدون أن شينباوم تمارس رقصة سياسية دقيقة: تقديم تعاون عملي لواشنطن لتفادي تصعيد اقتصادي أو أمني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خطوط حمراء واضحة، أبرزها رفض أي عمل عسكري أميركي أحادي داخل الأراضي المكسيكية. خبراء ومراكز بحثية أميركية متخصصة في شؤون المنطقة يذهبون إلى أن تعاون المكسيك يجب أن يكون سبباً إضافياً لواشنطن كي تتجنب اختراق هذا الخط الأحمر، لأن لا مصلحة عقلانية في تفكيك علاقة ثنائية تسهم بالأمن المتبادل والاستقرار الاقتصادي.
مع ذلك، فرضت الضربة على فنزويلا تساؤلات جديدة حول مدى تصاعد لهجة وسياسات إدارة ترامب تجاه أميركا اللاتينية، ومدى الجدية التي ينبغي أن تُعطى لتهديداتها. بالنسبة لعدد من المحللين، فإن المسألة ليست فقط احتمال وقوع ضربات على الأراضي المكسيكية، بل المؤشر الأهم هو أن هذه الإدارة أظهرت استعداداً لا يقل عن تجاهل القواعد الدولية حين رأت ذلك ضرورياً، ما يضع دول المنطقة في موقع الدفاع عن سيادتها بينما توازن في الوقت نفسه مصالحها العملية مع أقوى جار على الحدود.
في المحصل، تواصل المكسيك إدارة علاقات شديدة التعقيد مع واشنطن: تعاون واسع النطاق في مجالات ملموسة، مع تمسك واضح بالخطوط الحمر السيادية. وفي هذا المشهد، تبقى الحكومة المكسيكية ـ كما يرى بعض المحللين ـ تسير على «سلك رفيع» سياسياً وعسكرياً، حيث يزداد صعوبة الحفاظ على التوازن مع تزايد نبرة المواجهة من الجانب الأميركي.