عندما أعلنت قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية عن نيتها الانسحاب من مدينتي الرقة ودير الزور في شمال شرقي سوريا في 18 يناير، انتشرت فوراً صور احتفالات عفوية في هاتين المدينتين اللتين تسكنهما أغلبية عربية.
لكنّ الانقلاب الأخير في مسار الأحداث السورية يروي حكاية مجتمعين مختلفين.
«ردّة فعل أبناء المنطقة على دخول الدولة السورية وسيطرتها لا تُوصف»، قال عدنان خضير، أحد سكان دير الزور من العرب، لقناة الجزيرة، مضيفاً أن الفرح بالـتحرير كان ساحقاً. وأضاف أن كثيرين في المنطقة كانوا يخشون من قمع قوات الـSDF ومن التجنيد الإجباري القسري، وأن الوضع أصبح أفضل ممّا كان عليه سابقاً.
في المقابل، في مناطق الشمال الشرقي التي يقطنها أكراد بنسب أكبر، عبر السكان للجزيرة عن مخاوف حقيقية من الاجتياحات العسكرية الحكومية. على الرغم من أن المنطقة شهدت أيضاً حلقات عنف متكرّرة خلال خمسة عشر عاماً من الحرب، إلا أن المخاوف الراهنة تستحضر في الأذهان تكرار مجازر طائفية شبيهة بما شهدته السواحل بحق علويين في اللاذقية وبما حلّ بالسويداء من عنف في عام 2025.
«الخوف منتشر وواقعي، مبني على تجارب موثّقة»، قال عباس موسى، منسق منصة عائلات المفقودين في شمال وشرق سوريا، من القامشلي، المدينة ذات الغالبية الكردية على الحدود مع تركيا.
دمشق تملك كل الأوراق
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، سيطرت الـSDF على معظم الشمال الشرقي الغني بالموارد، نحو ربع مساحة سوريا. تلت ذلك مفاوضات بين الطرفين حول كيفية إعادة المنطقة الى سيطرة السلطات الجديدة ودمج مقاتلي الـSDF في القوات الحكومية.
في 10 مارس تم توقيع اتفاق وعد بدمج عناصر الـSDF في القوات المسلحة السورية قبل نهاية 2025، لكن الخلاف ظلّ قائماً حول ما إذا كان الدمج سيكون فردياً أم حفظاً للوحدات. كما طالبت الـSDF بصيغ من الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية للشمال الشرقي.
غير أن اشتباكات في حلب وهجوم حكومي سريع دفعا الـSDF للتراجع، مدعومين بتحالفات قَبَليّة في دير الزور والرقة، ومع إشارات أميركية بأن دعم واشنطن الذي دام عاماً قد ينتهي. «بصفتها القوة الأساسية لمواجهة داعش على الأرض، فإن دور الـSDF قد تضاءل إلى حد كبير، إذ باتت دمشق راغبة ومتمكّنة من تولّي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز ومخيمات عناصر داعش»، كتب المبعوث الأميركي الخاص توم باراك على منصة X.
«الواضح جداً أن الولايات المتحدة منحت الضوء الأخضر للتقدّم الحكومي في دير الزور»، قال توماس ماغي، زميل متخصص بشؤون سوريا في معهد الجامعة الأوروبية، للجزيرة.
في ظلّ هذا الواقع المتغيّر، جرى التوصل في 18 يناير إلى صفقة جديدة أعطت شروطاً أكثر ملاءمة لدمشق. «اتفاق آذار استبدل باتفاق يناير الذي أُجبر الطرفان على توقيعه تحت وطأة عسكرية وبشروط دمشق»، قالت نانار هواش، كبيرة محللي شؤون سوريا في مجموعة الأزمات الدولية. وأضافت أن الطرفين اتفقا على دمج فردي: انضمام مقاتلي الـSDF إلى الجيش السوري كأفراد وليس كوحدات محفوظة، وهو مطلب دمشق الأساسي.
وردت تقارير أن مظلوم عبدي (المعروف أيضاً بمظلوم كوباني) عُرضت عليه مناصب مثل نائب وزير الدفاع أو حاكم الحسكة. «يبدو أن الحكومة تملك كل الأوراق»، قال ألكسندر مكيفر، مؤلف نشرة أخبارية عن شمال سوريا، للجزيرة من دمشق.
مخاوف كردية
تم الاتفاق على تهدئة مدتها 15 يوماً في يوم السبت، ورغم ذلك ذكر المحللون والمراقبون أن الاشتباكات مستمرة، وأن التهدئة ربما كانت بوساطة أميركية لنقل سجناء تنظيم الدولة من المنطقة إلى العراق تمهيداً لهجوم حكومي أوسع.
احتفل كثير من سكان دير الزور والرقة بدخول القوات الحكومية إلى مناطقهم؛ انتشرت مقاطع تظهر محليين يدوسون أعلام الـSDF الصفراء ويهتفون ويافترون العلم السوري الأخضر الأبيض الأسود. وأعلنت وزارة العدل السورية يوم السبت الإفراج عن 126 حدثاً من سجن الأقطان التابع للـSDF في ريف الرقة.
لكن مع تقدّم الجيش السوري، أبدى سكان المناطق ذات الغالبية الكردية مخاوف من أن تتكرر مجازر الشواطئ والجوائح التي شهدتها السويداء. التاريخ القريب هزّ هذه المجموعة جذرياً: بين 2014 و2017 ارتكب تنظيم الدولة إبادة بحق اليزيديين، وهم أقلية دينية متحدثة بالكردية؛ كما وقعت تدخلات تركية أو مجموعات موالية لتركيا، بعضها اندمج لاحقاً في الجيش السوري، ومن أشهرها اجتياح عفرين عام 2018، وما زالت أسر كثيرة نازحة من هناك.
«الخوف الكردي وجودي، متجذر فيما شهدوه خلال العام الماضي وما واجهوه هذا الشهر على نحو مباشر»، قالت نانار هواش. «الجيش السوري يضمّ فصائل ترى الأكراد أعداء، لا مواطنين؛ وهذا يولّد مخاوف حقيقية من تداعيات السيطرة الحكومية».
في كوباني، المدينة ذات الغالبية الكردية والمطلة على الحدود التركية والمعروفة أيضاً باسم عين العرب، لجأ آلاف العائلات هرباً من القتال. وصف محليون ومحللون المنطقة بأنها مكتظة إلى حد أن بعض العائلات النازحة باتت تنام في سيارات أو تتكدس في منازل واحدة.
تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 134 ألف شخص نزحوا في محافظة الحسكة بسبب الاشتباكات.
وادّعى سكان كوباني أن الحكومة قطعت المياه والكهرباء منذ 17 يناير؛ ونفى الجانب السوري حصار المنطقة أو أن سد تشرين المزوّد للكهرباء تعرّض لأضرار نتيجة القتال.
تتعرض المنطقة أيضاً لكتلة هوائية باردة شديدة مع درجات دون الصفر، وصفها السكان بأنها الأسوأ منذ سنوات. مابعد ذلك، تبقى المخاوف والفرح متقاطعين في مشهد يختزل تناقضات الواقع السوري الراهن. أفاد الهلال الأحمر الكردي، يوم السبت، أن خمسة أطفال قضوا متجمدين خلال الأسبوع الماضي.
وصلت الى كوباني يوم الأحد قافلة أممية مكونة من 24 شاحنة تحمل بطانيات ومواد أساسية. لكن أحد السكان، الذي طلب حجب اسمه خوفاً من الانتقام، قال للجزيرة: «هذا ليس كافياً».
«لا خضراوات، ولا سلع أساسية مثل السكر أو الأرز»، أضاف. «هناك نصف مليون شخص بلا كهرباء وبلا ماء… ومع مشاكل كبيرة في الأنترنت.»
«إرادة الحكومة السورية ليست استيلاءً عسكرياً»
إلى جانب المعاناة المعيشية، عبّر السكان عن خشيتهم من أن قوات الحكومة قد تدخل بلدات ذات أغلبية كردية بعد انتهاء فترة وقف إطلاق النار.
قال موسى، منسق مجموعة المفقودين، إن الأهالي يخشون أن تتحول الحصارات وقطع الخدمات إلى سياسات عقابية جماعية، وأن تُستهدف الأقليات القومية والدينية مثل الأكراد واليزيديين باعتقالات تعسفية أو اختفاء قسري.
«التصعيد العسكري وفرض قيود صارمة على الحركة وقطع الخدمات الأساسية أدى إلى نزوح واسع وحالة خوف جماعي غير مسبوقة، خصوصاً في مدن ذات أغلبية كردية مثل كوباني والحسكة، فضلاً عن التداعيات الخطيرة لما حدث في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب»، أضاف موسى.
أبدى مسؤولون سوريون اطلاعهم على مخاوف السكان في شمال شرق سوريا.
«المشاعر المشبوهة مفهومة بعد عقود من التهميش والتمييز، ومؤخراً بعد الدعاية المنظمة ضد الدولة نفسها، وبالطبع — ولن أخفي ذلك — الانتهاكات التي حصلت في السويداء وعلى الساحل»، قال عبيدة غضبان، باحث في وزارة الخارجية السورية، للجزيرة.
«إرادة الحكومة السورية ليست الاستيلاء العسكري؛ إنها خيار موجه نحو حل سياسي، ونأمل أن يكون ذلك هو الغالب، لا الخيار العسكري أو الأمني»، شدد.
وأضاف أن الرئيس والحكومة ملتزمان بضمان حقوق الأكراد، بما في ذلك عبر مرسوم رئاسي صدر يوم الجمعة 16 يناير يمنح حقوقاً جديدة ويعترف رسمياً باللغة الكردية.
لكن تلك التأكيدات لم تكن كافية لطمأنة جزء كبير من المجتمع الكردي وغيره من الأقليات في شمال شرق البلاد. وأكد السكان أن كسب الثقة يتطلب إعادة فتح الطرق، واستعادة الخدمات الأساسية، ومنح منظمات الإغاثة وصولاً آمناً، وضمان حماية المدنيين.
«ما نشهده اختبار حقيقي للحكومة الانتقالية: إما أن تحمي المدنيين وحقوقهم، أو ينزلق الإقليم إلى كارثة إنسانية وحقوقية أعمق، يدفع ثمنها الأجيال القادمة»، قال موسى.