هدنة إيران: ليست مخرجًا للولايات المتحدة، بل مقعد طرد ينقذ الأرواح حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران

بغض النظر عن ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار المزعوم لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران سيصمد أم لا، يظل هذا الاتفاق ذا دلالة تاريخية، لأنه كشف عن ديناميات جديدة للحرب تشير إلى تحول مهم في موازين القوى إقليمياً وعالمياً.

تجلّت في هذا الصراع تطورات إيجابية وسلبية على حد سواء، وذات أبعاد ملحمية في حجمها وآثارها على المستقبل.

اغلب التحليلات الغربية قدَّمت تفسير “مخرج طارئ” لخطوة ترامب، مشبهةً إياها بمنفذ طريق على الطريق السريع. لكن ما فعلته إيران كان أقرب إلى تقديم زر مقعد الطرد لترامب واسرائيل كي ينجوان من طيارة مقاتلة متضررة دون أن يحققّا أهداف الحرب.

من بين الديناميات الجديدة الحاسمة دمار البنى التحتية المدنية الحيوية والمرافق العسكرية على نطاق واسع في مناطق متعددة، تورّط فيه أطراف عدة من بينها الولايات المتحدة، اسرائيل، إيران وحلفاؤها. ترافق ذلك مع تهديد أميركي بإبادة إيران، ومع تدمير اسرائيلي جوهري لآليات الحياة في غزة وجنوبي لبنان، ما عطّل سلاسل التوريد العالمية الحيوية في الغذاء والطاقة والمياه والتكنولوجيا والسفر — وتلقّت هذه العمليات غضّ الطرف أو الدعم الضمني من حلفاء كل طرف.

كما أكدت الأحداث موت أي حماية فعّالة للقانون الدولي أو للمعاهدات التي كانت تميز بين المدني والعسكري؛ فأضحى جميع البشر عرضة للخطر.

من ناحية إيجابية، فإن اتفاق وقف النار الوسيط برعاية باكستان قُبِل من جميع الأطراف، وإن لم يطبّق بصورة كاملة، ويتضمن تنازلات ملموسة من الأطراف المعنيّة. هذا يفتح نافذة أمام تفاوض حقيقي إذا أرسلت الولايات المتحدة واسرائيل مفوَّضين ناضجين وجادّين للمناقشة بدل المهرجين الإعلاميين والقتلة المحترفين وضباط الاستعمار السيئون. وعلى وجه الخصوص، ينبغي لممثلي الولايات المتحدة أن يعكسوا مصالح وقيم وآراء الشعب الأميركي بدلاً من أن يتلقّوا توجيهات من اسرائيليين.

يقرأ  روسيا تبدأ تصنيف محافظاتها بناءً على إنتاج الطائرات المسيرة وبرامج التدريب

التجاوب مع مطالب اسرائيل ليس ظاهرة ترامب فحسب؛ فواشنطن منذ خمسينيات القرن الماضي ميّزت سياساتها بتفضيل أولويات اسرائيل، مع تجاهل متكرر لحقوق الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين وغيرهم على قدم المساواة.

هذا الحرب لم تنشب فجأة، بل هي ذروة عقود من الضغوط الإسرائيلية والمبالغات والأكاذيب حول تهديدات إيرانية لم تثبت؛ والقيادات المتعاقبة في البيت الأبيض تقَبّلت سرديةً كهذه. الزَناد الأخير فَصله ترامب ومجموعة من الدراميين على طراز السيرك، الذين لم يستشيروا الكونغرس كما تقتضي الدستور، ولم يعكسوا إرادة شعبية تعارض الحرب بغالبها (حوالي ثلثي الأميركيين ضدها).

ومن الإيجابيات أيضاً موافقة واشنطن وتل أبيب على التفاوض على أساس خطة إيرانية من عشر نقاط بدل أجندة مشتركة مكوّنة من خمسة عشر بنداً. ذلك قد يتيح اعترافاً بحقوق واحتياجات مشروعة للجميع، بدلاً من محاولات خفية لفرض نتائج عبر القوة وجرائم الحرب، وهي نتائج لم تستطع الولايات المتحدة واسرائيل تحقيقها بعد أسابيع من القتال وعقود من العقوبات والاغتيالات.

الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الاتفاق وقف إطلاق نار حقيقي أم مجرد خدعة أميركية اسرائيلية كما سبق أن استخدمت لتبرير هجمات واغتيالات مفاجئة في لبنان وفلسطين واليمن وإيران.

يمثل هذا الاتفاق تاريخياً أول مرّة ينجح فيها بلد في الشرق الأوسط بقدرته الذاتية في تَقويض قدرات الحرب الهائلة للولايات المتحدة واسرائيل. وبكلفة بشرية ومادية كبيرة، أظهرت إيران قوامها البشري وتقنيتها وإرادتها السياسية في مواجهة محور واشنطن-اسرائيل، فأوقفت هجومه الواسع وأجبرته على التفاوض وفق قائمة نتائج أساسية طرحتها طهران، وقواعد القانون الدولي التي انتهكتها مسؤولو وجيوش الطرفين خلال نصف القرن الماضي.

لقد اتُّخذت استراتيجية “المقاومة” كوسيلة دفاعية من قوى أضعف عسكرياً بالوسائل التقليدية. وقد نجحت استراتيجيات تقودها إيران جزئياً في تحجيم مزايا الولايات المتحدة واسرائيل ومنع تحقيق أهداف الحرب في لبنان وفلسطين واليمن وإيران، وإن كان ذلك على حساب تكلفة باهظة. مدى استمرار وامتداد هذا النموذج يبقى محل اختبار.

يقرأ  إير كندا تبدأ في إلغاء الرحلات تحسباً لإضراب قد يؤثر على مئات الآلاف

للنجاح طويل الأمد ما يتجاوز مجرد وقف نار؛ فلا يمكن تجاهل حقيقة مركزية أغفلها الغرب: تسوية قضية فلسطين هي مركزية لتحقيق مجموعة أهداف مترابطة — احتواء الصهيونية وأهداف التوسع الاسرائيلي، إنهاء الممارسات الإمبريالية الأميركية والهيمنة الاسرائيلية، وإتاحة العيش بسلام وحقوق متساوية وسيادة لجميع دول المنطقة.

يجب حل هذه الملفات توزيعياً وعادلاً لإنهاء حقبة الاستعمار في الشرق الأوسط التي قادتها ميليشيات militarism غربية-اميركية-اسرائيلية، وعنصرية وإبادة شهدها النصف القرن الماضي. وإذا ثبت هذا الاتفاق، فقد يغيّر بشكل جوهري موازين القوى الإقليمية وفي علاقتها بالقوى العالمية الكبرى والمتوسطة، وهو أمر أساسي للخروج من قرون الاستعمار الدموية.

يمكن أن تلعب المملكة العربية السعودية دوراً مؤثراً في تشكيل هذا المسار، لكن الضبابية تحيط بموقفها بعد الدعاية الإسرائيلية‑الأميركية التي زعمت أن الرياض حفّزت الهجمات ضد إيران. كذلك يبقى دور الصين وباكستان في الوساطة خلف الكواليس غير واضح لكنه ظاهر الأهمية.

تبقى حقائق كثيرة بانتظار التوضيح. ومن الضحايا الواضحين لهذه الحرب حتى الآن مصداقية الولايات المتحدة كطرف تفاوضي وكضامن للأمن لدى الدول العربية.

لا مجال لإضاعة الوقت في التخمين عمّا سيحصل تالياً في المنطقة؛ والأهم هو تقييم ما حدث فعلاً خلال القرن الماضي بصورة صادقة.

تتجلى أهمية هذا السياق إذا ما ربطنا سلسلة أحداث متعاقبة بترتيب تاريخي عكسي: هجمات الولايات المتحدة واسرائيل على إيران في يونيو 2025 وفي فبراير‑أبريل 2026؛ هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية اللاحقة؛ حصار بيروت واحتلال جنوب لبنان عام 1982؛ انقلاب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضد رئيس الوزراء المنتخب في إيران أغسطس 1953؛ قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947؛ وإصدار وعد بلفور في نوفمبر 1917 الذي وعد بدعم وطن لليهود في أرض فلسطينية كانت أغلبها عربية.

يقرأ  ما بعد مادوروهل تقود الولايات المتحدة موجة عدم الاستقرار العالمية؟دونالد ترامب

لفهم الديناميات الراهنة يجب استيعاب هذه الإرث التاريخي، وفهم المشاعر التي استمر هذا الإرث في تغذيتها لدى الشعوب الأصلية للمنطقة. إذا تجاهل العالم إرث العنف الاستعماري المعمم والمعاناة والقسوة في الشرق الأوسط ــ وهو النهج الذي انتهجته اسرائيل واستمرّ الغرب المتواطئ ــ فسيفوّت فرصة تحقيق كرامة وعدالة إنسانية للجميع.

إن الاستمرار في تجاهل واقع وحقوق ما يقرب من مليار إنسان في العالم العربي‑الإسلامي يمهد لمآسي محلية وعالمية أعظم مما شهدناه خلال العامين والنصف الماضيين.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي صاحبها الخاص ولا تمثل بالضرورة المواقف التحريرية لقناة الجزيرة.

أضف تعليق