حوالي 20 ألف شخص يُحتجزون في مخيم الهول بتهم متعلقة بتنظيم «داعش»
أعلنت دمشق وقف إطلاق نار جديداً مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعد انسحاب هذه التشكيلات من مخيم يحتجز آلاف المشتبه بصلتهم بتنظيم الدولة الإسلامية. وقالت قسد إن قواتها «اضطرت» إلى مغادرة مخيم الهول وإعادة تمركزها في مدن شمال شرق سوريا «بسبب اللامبالاة الدولية تجاه ملف [التنظيم]».
وزارة الداخلية السورية انتقدت الانسحاب لكونه تم من دون تنسيق مع الحكومة أو مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، فيما صرحت الرئاسة لاحقاً بأنها توصلت إلى «تفاهُم» مع قسد بشأن مستقبل محافظة الحسكة ذات الكثافة الكردية العالية.
بنود الاتفاق تضمنت منح قسد أربع أيام لإجراء مشاورات على خطة مفصّلة لدمج المناطق الخاضعة لسيطرتها سلمياً داخل مؤسسات الدولة. كما تعهّدت الرئاسة بأن قوات الحكومه لن تدخل مدينتي الحسكة والقامشلي ولا القرى الكردية، ولم تنسق بذلك، بحسب البيان. في المقابل أعلنت قسد «التزامها الكامل بوقف إطلاق النار» وأنها لن تبادر بأي عمل عسكري إلا في حال تعرضت لهجـوم.
الصفقة تهدف إلى وضع الإدارة الذاتية التي تدير مناطق شمال شرق البلاد ومرافقها الحيوية تحت سيطرة الدولة، ودمج عشرات الآلاف من مقاتلي قسد ضمن قوى وزارتي الدفاع والداخلية. وتمثل هذه الخطوة ضربة كبيرة لقسد التي ترددت طويلاً في التنازل عن الشكل شبه المستقل الذي أمنت به حقوق الأقلية الكردية أثناء مشاركتها مع التحالف الدولي في محاربة «داعش» خلال سنوات الحرب المستمرة.
من جهته، تعهّد الرئيس بالإنقـلاب إلى وحدة البلاد منذ قيادته للمعركة التي أطاحت ببشار الأسد في ديسمبر 2024، لكن سوريا لا تزال منقسمة بعمق وتتعرض لموجات عنف طائفي دامية.
الانسحاب من الهول جاء في وقت تقدمت فيه قوات الجيش ووزارة الداخلية في عمق محافظة الحسكة بعد سيطرتها على دير الزور والرقة. وقالت قسد إن الانسحاب جاء «بسبب تقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته في مواجهة التنظيم ودرء المخاطر»، ودعت التحالف الدولي الذي كان حليفها الأساسي إلى «تحمّل مسؤولياته في حماية المنشآت».
وزارة الداخلية السورية جادلت بأن وحدات قسد انسحبت من المخيم من دون تنسيق «في محاولة للضغط على الحكومة بشأن مكافحة الإرهاب»، مؤكدة أنها تتخذ كل التدابير اللازمة بالتنسيق والتعاون مع التحالف الدولي للحفاظ على الأمن والاستقرار. وصرّح بيان وزارة الدفاع بأنها مستعدة لتولي إدارة المخيم وكل السجون التي تحتجز مشتبهين من عناصر التنظيم في المنطقة.
قبل اندلاع المواجهات مع الحكومة هذا الشهر كانت قسد تحتجز نحو 8,000 مشتبه من «داعش» في سجون شمال شرق سوريا. وذكر تقرير للأمم المتحدة في أغسطس الماضي أن نحو 34,000 شخص مرتبطين بـ«داعش» كانوا محتجزين في مخيمي الهول والروج، من بينهم نسبة 60% أطفال؛ وتضم التشكيلة نحو 6,700 عراقياً و15,500 سورياً و8,500 من جنسيات أخرى، من بينها بريطانيون. وطالبت قسد والولايات المتحدة والأمم المتحدة طويلاً بإعادة المشتبهين الأجانب وأسرهم إلى بلدانهم نظراً إلى عدم الاستقرار السياسي والظروف المزرية في السجون والمخيمات، غير أن كثيراً من الدول رفضت استلامهم.
تبادلت الحكومة وقسد الاتهامات بشأن فرار سجناء مشتبهين من سجن الشدادي جنوب الحسكة. وقالت وزارة الداخلية إن قواتها الخاصة وعناصر الجيش دخلت البلدة بعد «فرار نحو 120 إرهابياً» من السجن، وأسفرت عمليات البحث عن اعتقال 81 منهم. من جانبها أفادت قسد بأنها فقدت السيطرة على سجن الشدادي بعد هجمات نسبتْها إلى «فصائل موالية لدمشق» أسفرت عن مقتل عشرات من مقاتليها الذين كانوا يحاولون «تفادي كارثة أمنية كبرى». وذكر متحدث باسم قسد نقلاً عن وكالة رويترز أن نحو 1,500 من عناصر التنظيم فرّوا خلال الاشتباكات.
كما اتهمت قسد القوات الحكومية بشن هجوم على سجن الأقتان شمال مدينة الرقة الذي يحتجز قياديين وأعضاء من التنظيم، مشيرة إلى قصف مبانيه وقطع مياه الشرب عنه، ومعتبرة أن هذه الممارسات «انتهاك صارخ للمعايير الإنسانية وتهديد خطير لأرواح المعتقلين». ومن جهته نفى وزير الدفاع وقوع اشتباكات في محيط السجن. أكّدت السلطات أن المنشأة “آمنة بالكامل”، مع انتشار شرطة عسكرية وقوات أمن داخلية حول الموقع، وتواصل مستمر مع الإدارة لضمان تزويدها بالإمدادات اللازمة.
وقال مسؤل في البيت الأبيض إن الولايات المتحدة، التي كانت سابقًا الحليفَ الرئيسي لقوات سورية الديمقراطية، تتابع التطورات في سوريا “بقلق بالغ”.
وأضاف: «نحث جميع الأطراف على التحلّي بأقصى درجات ضبط النفس، وتجنّب أي إجراءات قد تؤدّي إلى تصعيد التوترات، وإعطاء اولوية لحماية المدنيين من جميع الأقليات».
من جهته أوضح المبعوث الخاص توم باراك أن مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقوات سورية الديمقراطية “قد انتهت إلى حدّ كبير”، وأن واشنطن تركز حاليًا على ضمان أمن مرافق احتجاز عناصر الدولة الإسلامية وتسهيل الحوار بين قوات سورية الديمقراطية وحكومة الرئيس شراعا بشأن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
وكتب على منصة إكس: «توفّر هذه اللحظة مسارًا نحو الاندماج الكامل في دولة سورية موحّدة تمنح حقوق المواطنة، وتحمي الهويات الثقافية، وتتيح المشاركة السياسية — أمور حُرِمَ منها هؤلاء طويلاً تحت نظام بشار الأسد».
بعد توقيع الاتفاق مع قوات سورية الديمقراطية يوم الأحد، قال شراعا إنه يأمل أن يمكّن الاتفاق سوريا من “إنهاء حالة الانقسام والانتقال إلى دولة الوحدة والتقدّم”. ومع ذلك، قال عبدي إن القتال “فُرض علينا” وأنه قبل الاتفاق “لوقف إراقة الدماء”.