في الأسابيع التي تلت مقتل رينيه نيكول غود على يد عميل مكتب الهجرة والجمارك الأمريكي (ICE) جوناثان روس في مينيابوليس بولاية مينيسوتا، أطلق عميل آخر من ICE النار على رجل من أصل لاتيني في ساقه، وفق ما أفاد به وزارة الأمن الداخلي. الحادثة الأولى وتبعها إطلاق النار أثارتا موجة من الأسئلة والمطالبات حول إمكانية ملاحقة ضباط ICE قضائياً. لكنّ هذه الحوادث ليست شاذة؛ تاريخ إطلاق النار من قبل عملاء ICE يظهر أن مساءلة الضباط تكاد تكون أمراً مستحيلاً.
لقد حققت في ممارسات الوكالة وحصلت على مسندات تكشف كيفية عملها وكيف يُدرّب ضباطها على التحصّن من التدقيق والدعاوى القضائية. تَحقيقي في 2024 استند إلى سجلات حصلت عليها في دعوى قضائية، وغطّى ست سنوات من حوادث إطلاق النار. وفق تتبع The Trace لحوادث العنف المسلح في الولايات المتحدة، أطلق عملاء ICE النار على ما لا يقل عن 12 شخصاً هذا العام والعام الماضي. أما في الفترة من 2015 إلى 2021، فقد سجّل استخدام السلاح من قبل عملاء ICE على الأقل 59 مرة، أدّت إلى إصابة 24 شخصاً ومقتل 23 آخرين.
احتمال أن يواجه عميل ICE تهمًا جنائية من جهات اتحادية أو حكومية محلية؟ ضئيل للغاية. لم تُفضِ أي من حالات إطلاق النار التي راجعتها إلى توجيه لائحة اتهام ضد أي عميل، حتى في قضايا أدت إلى الوفاة.
المستندات التدريبية المتعلقة باستخدام القوة والأسلحة، التي تُعتبر وثائق إنفاذ قانون محمية، لا تُنشر للجمهور، ولا تُتاح سياسات استخدام القوة لدى الوكالة بشكل علني. ما يوجّه عمل العملاء ميدانياً نادراً ما خضع للتدقيق، لكنني حصلت على وثائق تُسلّط الضوء على ما تلقّاه بعض عملاء ICE من تدريب بين 2007 و2010، إلى جانب مواد تدريبية منشورة في 2016 على موقع FLETC.
رغم أن بعض هذه المواد قد تكون بالية الآن، فإنها تُعد المصدر الوحيد — إلى جانب القليل المتوفر على موقع مراكز تدريب إنفاذ القانون الاتحادية (FLETC) — الذي يوضّح مكونات تدريب استخدام القوة لدى عملاء ICE.
العملاء يُعلّمون ألا يعرضوا أنفسهم لـ«مخاطر لا لزوم لها»
حسب درس تدريبي من عام 2016 لا يزال متاحاً على موقع FLETC، للضابط الحق في الرد بالقوة تجاه تهديد بالعنف وليس فقط تجاه العنف الفعلي. يورد الدرس أن من الخرافات القول: «لا يجوز استخدام القوة القاتلة إلا كملاذ أخير». موضحاً أن السياسة والقانون ليسا مرادفين، ويشير إلى أن «القانون يلزم الضباط باستخدام قوة معقولة موضوعياً، وليس أقلّ قوة ممكنة».
يفيد التدريب أن توجيه تحذير أو استخدام أقلّ قدر من القوة أو كل الأساليب الأخرى قبل إطلاق النار قد «يخلق مخاطرة غير ضرورية على الضابط». وفي مجموعة اختبارات غير مؤرخة تزيد عن مئة سؤال، طُلب من متدرب أن يحدد ما الإجراءات التي يجب تطبيقها من تدرّج استخدام القوة قبل اللجوء إلى القوة القاتلة. وكانت الإجابة الصحيحة وفق الاختبار: «لا شيء، يمكن بدء استخدام القوة القاتلة فوراً».
خفض التصعيد ليس أولوية
لا تذكر أي من الوثائق التي راجعتها خفض التصعيد. وزارة الأمن الداخلي، الجهة الفدرالية المسؤولة عن ICE وCBP وغيرها، عدّلت سياسة استخدام القوة في 2023 عقب أمر تنفيذي أصدره إدارة جو بايدن. تنص السياسة الأحدث على تدريب إلزامي حول خفض التصعيد كجزء من التدريب السنوي على سياسات استخدام القوة لدى كلّ وكالة، وينبغي أن يتضمن التدريب «التحديثات القانونية ذات الصلة» و«التقدير التمييزي في استخدام القوة القاتلة والقدرة على استخدام وسائل أقلّ فتكا».
تنص السياسة أيضاً على وجوب تسجيل هذا التدريب، لكنّ ما إذا كان الضباط قد تلقّوا هذا التدريب السنوي فعلاً، قبل وبعد تعديل السياسة، لا يزال غير واضح. بعد حادثة إطلاق نار في 2016 حيث أصاب عميل ICE رجلاً مكسيكياً إصابة دائمة في مدينة لوريل بولاية ميسيسيبي، كشفت شهادة في دعوى مدنية عام 2020 أن الضابط تذكّر تدريبه على استخدام القوة «بشكل غامض».
ICE لا تُتاحة سياستها لاستخدام القوة — التي عدّلت آخر مرة في 2023 — للعامة، ولا يوجد قانون يُلزمها بذلك. النسخة المتاحة على موقعها تكاد تكون محجوبة بالكامل. لكن ممثلي دعاوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي وICE حول ضبط الاحتجاجات حصلوا على نسخة ونشروها على مواقعهم.
يقول خبراء العدالة الجنائية إن هذه السرية تُسهِم في تمكين عملاء ICE من الإفلات من المساءلة، لأن غياب سياسات واضحة أو إمكانية مراجعتها يمنع التحقق ما إذا كان استخدام القوة متوافقاً مع قواعد الوكالة.
كما قال سزار كواوتيموك غارسيا هيرنانديز، أستاذ القانون المتخصّص في الحقوق والحريات المدنية في جامعة ولاية أوهايو: «إتاحة نسخة كاملة من سياسة استخدام القوة لدى ICE للجمهور أمر أساسي لفهم متى يُسمح للضلّاط باستخدام العنف داخل المدن الأمريكية، وبالمثل لمعرفة متى قد يكون سلوك ضابط بعينه مخالفاً لسياسة الوكالة». وأضاف أن «دون الوصول إلى السياسة الكاملة، يصبح من المستحيل تقريباً على المواطنين القيام بمسؤوليتهم الديمقراطية — التوافق أو الاختلاف مع توقعات ICE تجاه ضباطها، ثم الضغط على الساسة والتصويت لمرشحين يتبنّون رؤيتهم لسلوك إنفاذ القانون الملائم».
وجدت غريتا غودوين، مؤلفة تقرير حكومي صدر عن مكتب المحاسبة الحكومية في 2023، أن وثائق ICE المتعلقة باستخدام القوة لم تُفصّل دائماً متى أو كيف انتهك الوكلاء السياسة في حوادث استخدام القوة. هذه الوثائق ضرورية لتحسين التدريب ومنع تكرار الأخطاء. أثناء إعداد التقرير، أوضح غودوين أن هدفاً أساسياً كان استيضاح كيفية تتبُّع وزارة الأمن الداخلي لتدريبات استخدام القوة ومدى توثيقها لها. فقد أرادوا معرفة ما الذي سُجل فعلاً بشأن التدريب، لأن وجود سجلات تفصيلية لمن أنهى التدريب ومتى جرى، قد يساعد في تفسير الحوادث التي تنحرف عن التصور التدريبي واتخاذ قرارات لتعديل المناهج أو توجيه التدريب بشكل أدق.
وأشار غودوين إلى أن غياب آليات التوثيق الداخلي المناسبة يمثل حاجزاً كبيراً أمام قدرة الوزارة على تحسين سلوك عملائها في الميدان.
التملُّص من الدعاوى
تكشف مستندات التدريب عن تركيز واضح على تعليم المندوبين المستجدين كيفية تجنّب المسؤولية القانونية إذا ما وُجهت إليهم دعاوى. عثرت التحليلات على ما لا يقل عن أربع حالات مختلفة، في دروس واختبارات ونصوص بودكاست، تُشدِّد على حقوق التعديل الرابع للدستور الأمريكي بشأن الحماية من التفتيش والمصادرة غير المبرَّرة، وتعرض طرق عمل أو صياغة إفادات تساعد الضابط على تجنُّب الانتهاك أو على بناء دفاع لاحق.
في أحد الحلقات، قال مدرِّس قانون إنّ الضابط قد يواجه دعوى تتعلق بـ«الضرر المدني» أو ما يُعرَف بالتورت، سواء أتى الضرر نتيجة إهمال أو فعل متعمد. ووضّح: «طالما أن الموظف كان يعمل ضمن نطاق وظيفته عندما وقع الفعل المزعوم»، فللحكومة القدرة على التدخّل في مواجهة تلك الدعوى.
كما يتمتّع عملاء مكتب الهجرة والجمارك (ICE)، شأنهم شأن غيرهم من ضباط الولاية الفيدرالية، بما يُعرف بـ«الحصانة المؤهلة»، وهي قاعدة قانونية تحدّ من قابلية تحميلهم المسؤولية في دعاوى مماثلة. وفي رأي البروفيسور هرناندز من جامعة ولاية أوهايو، «القانون يمنح ضباط إنفاذ القانون، بمن فيهم عناصر ICE، هامش تحرّك واسع(use of force) عند أداء واجباتهم»، و«الواقع أن إثبات مسؤولية فردية للضابط أو للوكالة أمام المحاكم أمراً بالغ الصعوبة».
ما التالي؟
خلال العام الماضي فقط ضاعفت وزارة الأمن الداخلي عدد كوادر ICE، فارتفع عديد الوكالة من نحو 10,000 ضابط وعميل إلى نحو 22,000، ولا تزال خطط التجنيد مستمرة. لكنه يظل سؤال تدريب هؤلاء الجدد — وكيفية تلقيهم للتدريب — أمراً مجهولاً إلى حد كبير.
أظهرت تحقيقات إعلامية، استناداً إلى مصادر مطلعة داخل الوكالة، أن السرعة في توظيف أعداد كبيرة استلزمت استخدام أدوات ذكاء اصطناعي في معالجة طلبات الالتحاق، ما أدى إلى أخطاء أرسلت مجندين إلى الميدان من دون تدريب ملائم. في مينابوليس تستمر الاحتجاجات والاشتباكات مع عناصر الهجرة الفدرالية، حيث جُندت على الأقل نحو 3,000 فرد من قوى الهجرة الفدرالية في المدينة. التوثيق المرئي سجّل مشاهد اقتحام أبواب منازل وسحب أفراد من داخل السيارات.
أبلغ السكان عن شعور بالخوف من مغادرة منازلهم، وشارك المجتمع المحلي في مبادرات للمساعدة، مثل التسوّق للجار. وفي الوقت نفسه دافع كل من نائب الرئيس جيه.دي. فانس ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم عن عناصر ICE رغم الانتقادات الواسعة لسلوكياتهم. أمّا الرئيس دونالد ترامب فهدّد بتفعيل قانون التمردد لتمكين نشر القوات المسلحة في الولاية؛ وأفادت مصادر أن نحو 1,500 جندي ما زالوا في حالة تأهب للانتشار المحتمل.
قال كونور غافني، مستشار منظمة Protect Democracy، وهي مجموعة مدنية تعنى بالدفاع عن المؤسسات الديمقراطية، لقناة الجزيرة إن إبقاء سياسات استخدام القوة طيّ السرية بينما تستمر عمليات ICE في الشارع يقوّض ثقة المجتمع، وهي ركيزة أساسية للأمن العام. «إخفاء سياسات استخدام القوة يتناقض بوضوح مع مبدأ الشفافية والمساءلة، وهما من المبادئ الأساسية لعمل الشرطة المجتمعية الحديثة»، أضاف غافني.
تشارك Protect Democracy في ائتلاف من المنظمات القانونية التي تُقاضي سلوكيات ICE في قضايا مثل Chicago Headline Club v Noem. وفي محضر شهادة ضابط ميداني أمام المحكمة بشأن التدريب الذي يتلقاه عناصر ICE ووكالة الجمارك وحماية الحدود (CBP) حول استخدام القوة وإدارة الحشود والذخائر الأقل فتكا، أفاد الضابط الميداني بأن عناصر ICE يفتقرون لتدريب فعلي في السيطرة على الاحتجاجات. وختم غافني بالقول إن «غالبية عملاء ICE وCBP يحصلون على تدريب ضئيل جداً حول تكتيكات السيطرة على الحشود واستخدام القوة، وأن المشرفين الذين استُدعوا كشهود لم يكونوا على دراية بمحتوى تلك الدورات».