إسلام آباد، باكستان — فوز حزب ربعّة بنغلاديش الوطني (BNP) الساحق في الانتخابات البرلمانية يمثل منعطفًا سياسيًا حاسمًا لجزيرة جنوب آسيا، وقد يطال إعادة ضبط توازن القوى الإقليمي بين الهند وباكستان والصين.
أظهرت نتائج غير رسمية يوم الخميس أن ائتلافاً بقيادة الـBNP حصد 209 مقاعد، أي أغلبية الثلثين في برلمان مكوّن من 350 مقعدًا، ما يُعد أول انتخابات تنافسية حقيقية في بنغلاديش منذ قرابة عقدين، بحسب مراقبين. وحصل تحالف جماعة الإخوان الإسلامية (جماعة إسلامي) ـ المنافس الرئيسي للـBNP ـ على 74 مقعدًا، ما يضع نهاية واضحة لعهد شيك حسينة ويفتح صفحة جديدة في توجهات دكا الخارجية.
هنّأ رئيسا وزراء كل من الهند وباكستان الرجل البالغ من العمر 60 عاماً، تاريق راهمن، على فوز حاسم، بينما وصف دلوار حسين، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة دكا، النتيجة بأنها «نقطة تحوّل جديدة في صياغة العلاقات الثنائية مع الهند وباكستان». وأشار إلى أن الحكومة الجديدة قد تبلور إطار سياسةٍ أكثر وضوحًا مع آليات تنفيذ فعالة، رغم أن العداء المستمر بين الهند وباكستان وتنافس الصين والهند سيظلان عوامل حاسمة في تحركات بنغلاديش الإقليمية.
هل ستُعاد ضبط العلاقات مع الهند؟
نشر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تهنئة لتاريق راهمن على منصة إكس، وتبعها اتصال هاتفي بعد ساعات، مؤكدًا مواقف نيودلهي الداعمة لبنغلاديش الديمقراطية والتقدّمية والشاملة، ولإسهامها في السلام والازدهار للبلدين. كانت نيودلهي قد بنت علاقات وثيقة مع حكومة حسينة، ورأت في بنغلاديش شريكًا محوريًا في مواجهة النفوذ الصيني. ومع ذلك، أدت الانتفاضة الشعبية عام 2024 التي أطاحت بحكومة حسينة ونفتها إلى الهند إلى تدهور تاريخي بالعلاقات، تجلّى في اتهامات متبادلة وإجراءات تجارية متشددة ورفض الهند تسليم حسينة بعد صدور حكم بالإعدام عليها من محكمة جرائم دولية لملف احتجاجات 2024.
مع ذلك، بدأ الدوائر الهندية تستجيب للواقع السياسي الجديد؛ فقد حضر وزير الخارجية الهندي سي. جايشنكار جنازة رئيسة الوزراء الأسبق خليدة ضياء، التي سيكون ابنها راهناً رئيس وزراء بنغلاديش. يقول حسين إن «الهند على دراية بالتعامل مع حكومات يقودها الـBNP، وقد أظهرت استعدادها للعمل مع الحكومة المقبلة»، بينما يرى محللون آخرون أن الحكومة المنتخبة ستجد حوافز قوية للعودة إلى علاقة عمل مع الهند، لكن من غير المتوقع إعادة إنتاج مستوى القرب السياسي الذي ميز حكم شيك حسينة. المتوقع هو موقف وسط أكثر حذرًا قائم على الاحترام المتبادل والسيادة المتبادلة وعدم التدخّل، مع الحفاظ على مساحة لاستقلالية استراتيجيات دكا.
لا تزال هناك موانع قد تهيمن على العلاقة: نزاعات مياه لم تُحلّ مثل قضية تيستا، وإطلاق نار قاتل على الحدود من قوات هندية، وعجز تجاري كبير لصالح الهند. داخليًا سيواجه التحالف ضغوطًا لتبنّي لهجة أقوى تجاه نيودلهي، على خلفية مشاعر مناوئة للهند لدى شرائح واسعة من الشباب الذين يتهمونها بالتدخل المفرط في الشؤون الداخلية.
محور باكستان
حيث تسود لدى نيودلهي حالة من الضبابية، رأت باكستان فرصة. في عهد الإدارة المؤقتة بقيادة الحائز على نوبل محمد يونس استؤنفت الرحلات المباشرة مع باكستان، وتبادل الوفود المدنية والعسكرية زيارات رفيعة المستوى، وقد سُهّلت إجراءات التأشيرات في خطوات لتهيئة مناخ ثقة. ويتوقع محللون أن تكتسب هذه الزخم زخماً أكبر تحت حكومة يقودها الـBNP.
قال الدبلوماسي الباكستاني السابق سلمان بشير إن انتخابات بنغلاديش «تعني نهاية علاقة العهد الطويلة للحزب الحاكم مع الهند» و«إعادة فتح قنوات علاقات وثيقة» مع باكستان. وأضاف أن بنغلاديش لا يجب أن تُجْبر على موازنة علاقاتها بين الهند وباكستان، وأن على باكستان أن تواصل إعطاء الأولوية لعلاقتها مع دكا. وفي مؤشر عملي، أعلن الجيش الباكستاني الشهر الماضي أنه يجري محادثات مع نظرائه البنغلاديشيين لبيع مقاتلات JF-17 مصنّعة في باكستان.
يرى بشير إمكانية تقارب بنغلاديش وباكستان والصين في شؤون الدفاع، وتعزيز العلاقات مع بكين، مما قد يضع تراجعًا في الهيمنة الهندية الإقليمية. ومع ذلك، يحذّر محللون آخرون من المبالغة في التوقعات: مصالح بنغلاديش الاقتصادية وجغرافيتها تجعل من الهند الجار الأهم، ومن المرجح أن تسعى دكا إلى موازنة علاقاتها بين بكين ونيودلهي مع محاولة لفتح قنوات تواصل مع إسلام أباد. قال إن الهند تتبنّى مقاربة براغماتية في سياساتها الاستراتيجية والخارجية، «مع أن إعادة توجيه السياسات قد تستغرق أحياناً وقتاً».
شهاب إنعام خان، المدير التنفيذي لـمركز بنغلاديش لشؤون المحيطين الهندي والهادئ، رأى أن حزب BNP سيميل إلى نهج «أكثر مصلحية» تجاه كل من إسلام آباد ودهلي.
«ستجني بكستان، بوصفها جاراً إقليمياً طبيعياً، فوائد التعاون الشفاف والمُنظّم»، أضاف.
فصل جديد مع الصين؟
ربما يكون أكثر العلاقات أهمية للحكومة البنغلاديشية المقبلة هو علاقتها بالصين. بكين حافظت على علاقات وثيقة مع شيخه حسينة، وفي الوقت نفسه نسجت علاقات مع أطياف السياسة البنغلاديشية كافة، لتبقى في موقع مؤثر بغض النظر عن التحولات الداخلية.
في عهد حكم حسينة الطويل، وسّعت الصين حضورها الاقتصادي عبر مبادرة الحزام والطريق، مع تعميق الاستثمارات في البنية التحتية وتوسيع التعاون العسكري مع دكا.
الحكومة الانتقالية التي تلت حكم حسينة أمنت أيضاً ما يقارب 2.1 مليار دولار استثمارات وقروض ومنح صينية، إلى جانب زيارات رفيعة المستوى إلى بكين شملت أيضاً يونس.
في يوم الجمعة، هنأت السفارة الصينية الحزب الحاكم الجديد على فوزه، معبّرة عن استعدادها للعمل معه لـ«كتابة فصول جديدة في العلاقات الصينية–البنغلاديشية».
قال حسين، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة دكا، إن حزب BNP من المرجح أن «يعمّق علاقاته مع الصين، مستشهداً بالخبرة السابقة للعلاقات الودية» خلال حكومات سابقة يقودها الحزب.
وفي الوقت نفسه، لاحظ أن بنغلاديش ستواجه «معارضة أمريكية متزايدة لوجود الصين المتنامي» في المنطقة.
أشار علي، من جامعة ولاية جورجيا، إلى أن المسار الأكثر قابلية للتطبيق أمام دكا هو «الإبقاء على مشاريع الاستثمار والربط الصينية حيث تخدم مصالح بنغلاديش، مع جعل السياسة الخارجية أكثر قابلية للتوقّع ومبنية على قواعد» تجاه الصين، والهند، والولايات المتحدة.
«إذا كانت دكا قادرة على أن تكون شفافة بشأن خطوطها الحمراء وأولوياتها وأن تُبقي ملف الصين محدوداً بالجوانب الاقتصادية بدلاً من رموز الأمن، فستتجنّب بدرجة أفضل الانجرار إلى تنافسات القوى الكبرى بينما تحمي مجالها الاستراتيجي»، قال.
توازن داكا الدقيق
مع استعداد رحمن لتسلم منصبه، يواجه ما وصفه شهريار، أستاذ بجامعة نورث ساوث في دكا، بأنه «سباق قوى كبرى في منطقة خليج البنغال».
أكّد بيان حزب BNP الانتخابي سياسة «بنغلاديش أولاً»، التي دعت إلى جعل السيادة الوطنية والأمن ورفاهية الشعب في صدارة جميع العلاقات والالتزامات الدولية.
«الواقع أن بنغلاديش، كدولة ذات سيادة، تحتاج إلى تطوير علاقاتها مع كل الدول، بما في ذلك الصين وباكستان وميانمار. ستكون هذه مهمة كبيرة للحكومة المقبلة»، قال.
صوّت الناس خلال الانتخابات العامة في دكا في 12 فبراير 2026.
قال خان من مركز بنغلاديش لشؤون المحيطين الهندي والهادئ إن الإدارة الجديدة يجب أن تؤسس دبلوماسيتها على «الواقعية لا الهراء».
ورأى دونثي من مجموعة الأزمات الدولية أن نتيجة بنغلاديش تمنح جنوب آسيا فرصة لإعادة ضبط موازينها، إذ لم تعد المنطقة تُحتسب حديقة خلفية لأحد الأطراف فحسب. وأضاف أن السياسة الخارجية تميل إلى التطور تدريجياً بدلاً من التحوّل المفاجئ.
«من المرجح أن تحصل تحوّفات بسيطة ومتدرجة نحو موازنة إقليمية بين الهند والصين، كما شهدنا خلال قيادة شيخه حسينة. وستسعى دكا أيضاً لبناء علاقة أكثر نشاطاً مع الولايات المتحدة، وبأدنى قدر من التطبيع، تطبيع علاقاتها مع إسلام آباد»، اختتم.