واشنطن تشجّع الأكراد على مهاجمة إيران — والتاريخ يوجّه تحذيراً قاتماً

«لا ينبغي أن يُخلَط العمل السري بالعمل التبشيري»، هكذا قال هنري كسينجر عندما تخلّت الولايات المتحدة فجأة عن الأكراد العراقيين في مواجهة بغداد عام 1975. نصف قرن بعد ذلك، تبدو هذه القاعدة القائمة على المصلحة الجيوسياسية عائدة للظهور في مشهد الشرق الأوسط من جديد.

تحت شعار احتواء إيران أو دفعها نحو تغيير نظام، تشجّع واشنطن وإسرائيل ميليشيات كردية لتؤدي دور القوة البرية اللازمة لأي فرض تغيير في الحكم؛ لكن التاريخ يقدم تحذيراً قاسياً. من جبال العراق عام 1991 إلى سهول سوريا قبل أسابيع قليلة، يظهر سجل استخدام القوات الكردية كقوى عميلة قابلة للتصريف أن هذه الاستراتيجية مصحوبة بمخاطر جسيمة.

في خضم تصاعد عسكري سريع شهد غارات جوية أميركية-إسرائيلية استهدفت قيادات إيرانية بارزة، وكشفت تقارير عن عبور آلاف الأكراد الإيرانيين من العراق لشن عمليات برية في شمال غربي إيران—وهو أمر لم يُثبَت بعد—تُشير تسريبات إلى أن وكالة المخابرات المركزية زوّدت عناصر مسلحة خفيفة كجزء من برنامج سري لزعزعة الاستقرار داخل إيران.

وردت أنباء عن اتصالات هاتفية قيل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أجرى فيها حديثاً مع قادة أكراد عراقيين مثل مسعود بارزاني وبافل طالباني، وكذلك مع زعماء كرد إيرانيين أمثال مصطفى هجري. نفى البيت الأبيض ومسؤولون كرد في إربيل هذه الروايات، لكن المحللين الإقليميين ظلّوا متحسّسين من نوايا الطرفين. حكومة إقليم كردستان بدورها أنكرت أي مشاركة في تجهيز مجموعات مسلحة وإرسالها إلى داخل إيران؛ وقال رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني إن الإقليم «لا يجوز أن يكون طرفاً في أي نزاع أو تصعيد عسكري يمس حياة وأمن مواطنينا».

يعتبر محمود علوش، خبير الشؤون الإقليمية، أن الهدف لا يقتصر على إسقاط حكام فوري، بل يتجاوز ذلك إلى «تفكيك إيران» عبر إذكاء حركات انفصالية تمهيداً لتفكك الدولة. وبحسبه، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى خلق حالة كردية مسلحة داخل إيران تشبه الحالة التي رعتها واشنطن في سوريا.

يقرأ  مقتل ثلاثة على الأقل بهجوم إسرائيلي على مدينة صيدا في جنوب لبنانأخبار: هجمات إسرائيل على لبنان

ويضاف إلى هذه المعادلة المتفجرة عامل تركيا وحساسيتها تجاه أي انتفاضة كردية إقليمية. فحزب العمال الكردستاني (PKK) شرع منذ الصيف الماضي في خطوات لتسليم السلاح، منهياً فصلاً من الصراع المسلح الذي امتد أربعة عقود وأسفر عن عشرات الآلاف من القتلى. أي تقدم مسلح لأكراد إيران قد يثير غضب أنقرة ويُعقّد المشهد.

إرث الخيانة والمكاسب غير المقصودة
بالنسبة للأكراد، انتهى دورهم كطرف أمامي للسياسة الأميركية دائماً بكارثة. في السبعينيات جهّزت الولايات المتحدة وإيران متمثلة بالشاه متمردي الأكراد العراقيين لتثخين الج-government في بغداد، لكن عندما حصل الشاه على تنازل إقليمي من العراق عام 1975 قُطعت المساعدات عن الأكراد بقرار مفاجئ وبتأييد واشنطن. الشاه نفسه أطيح به بثورة بعد أربع سنوات.

تكرّر السيناريو بنتائج مدمرة عام 1991، حين شجّع الرئيس جورج هـ. و. بوش العراقيين—الشيعة والكرد—على القيام بثورات ضد نظام صدام، فما كان من القوات الأميركية إلا أن اكتفت بالمشاهدة بينما أعاد النظام تجميع صفوفه واستخدم طائرات هجومية لقتل عشرات الآلاف من المدنيين والمتمردين بلا تمييز. وفي المقابل، يرى ديفيد رومانو، خبير سياسة الشرق الأوسط بجامعة ميزوري، أن كارثة 1991 دفعت لاحقاً إلى عملية «توفير الراحة» وفرض منطقة حظر طيران، وهو ما فرّخ أرضية قيام إقليم كردستان شبه المستقل في العراق. وفي نقاط مهمة، فعلت الشراكة مع الولايات المتحدة صالحاً للأكراد، كما أشار رومانو، رغم أن التجربة كانت عكس ذلك عام 1975.

المستنقع السوري
تُفاقم المفارقة السوداء أن واشنطن طالبت أخيراً أكراد إيران بحمل السلاح في وقت انهارت فيه شبه حكم ذاتي كردي مجاور في سوريا. قوات سورية الديمقراطية، التي قادها الأكراد، كانت الوكيل الأميركي الرئيس في محاربة تنظيم داعش وأدت دوراً محورياً في القضاء على التنظيم عام 2019 بعد سنوات من القتال والتضحيات. ومع ذلك، دعمَت إدارة ترامب في يناير حكماً مركزياً جديداً في دمشق إلى حد إنهاء الدعم الفعلي لقوات سورية الديمقراطية وحكم الأكراد في مناطقهم. أعلن المبعوث الأميركي لسوريا، توماس باراك، أن الغرض الأصلي من قوات سورية الديمقراطية بات منقضي المفعول، وفي غضون أسابيع خسرت تلك القوات نحو 80 بالمئة من الأراضي التي دافعت عنها دماً ودموعاً. أمام هذه الوقائع، بات الأكراد في المنطقة يرون أن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً موثوقاً أو حامياً لأقليةٍ تتعرّض للخطر. وأبرز علوش هذا الأمر كمصدر رئيسي لتردد القيادات الكردية حيال المواقف المطروحة اليوم ضد إيران، قائلاً إنَّ الأكراد «ينزفون من طعنة الأمس» في سوريا.

يقرأ  الحكومة تعلن أن زعيم المعارضة في الكاميرون سيخضع لإجراءات قانونية بتهمة إثارة الاضطرابات الانتخابية المزعومة

رفضٌ محسوب ومغامرة إيرانية
الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان عن «أحذية على الأرض» لتفادي إرسال قواتهما مباشرة، لكن في إربيل تدرك القيادات جيداً حجم الانتكاسة المحتملة. كرّر بارزاني أن الإقليم «لن يكون طرفاً» في أي صراع. ويرى المحللون أن استياء بارزاني يعود جزئياً إلى رفض واشنطن لنتيجة استفتاء الاستقلال في 2017، ما يمنح إربيل مبرراً قوياً لرفض طلبات واشنطن بعد عقود من النصائح الأميركية للبقاء ضمن إطار العراق.

الحسابات تختلف لدى الأكراد الإيرانيين، المعروفين بروجهلاتي، إذ تتداخل مع هواجس محلية وظروف داخلية تجعل قرار أي تصعيد مسألة منقوصة الأحكام، ومحمّلة بمخاطر تفوق المكاسب المتوقعة. في المشهد الراهن، يبقى السؤال الأكبر: هل ستختار القوى الإقليمية والأطراف الخارجية استغلال الحركات الكردية كأدوات قصيرة النظر، أم أن التاريخ سيجبر المتصارعين على التعامل معها كشركاء ذوي سيادة ومصالح دائمة؟ واشنطنن واللاعبون الآخرون سيواجهون تبعات أي خيار خاطئ—والكوراد، كما التاريخ يعلّم، يظلون الأكثر تضرراً. خُذلوا من قبل الاتحاد السوفياتي عام 1946 وعانوا معاناة بالغة تحت حكومات إيرانية متعاقبة، فربما ينظرون إلى هذه الخطوة على أنها «الفرصة الأولى والوحيدة» لتغيير وضعهم.

مع ذلك، حذّر اللوش من أنه بدون التزام عسكري أميركي حازم — وهو ما بدا أن ترامب ليس راغبًا في تقديمه — قد تتحول هذه المحاولة إلى «انتحارية» إذا قابلتها ردود عسكرية إيرانية عنيفة.

الفيتو الإقليمي

دفع الأكراد الإيرانيين نحو صراع مفتوح يظل مسعى ذا حساسية بالغة أثار رد فعل فوريًا من تركيا. وقال اللوش للجزيرة إن انقرة ستنسق مع الحكومة الإيرانية لسحق أي انتفاضة.

«الولايات المتحدة والقوى الدولية تدرك في النهاية أنها لا تستطيع فرض واقع يتناقض مع مصالح الرباعية الإقليمية — تركيا وسوريا وإيران والعراق»، هكذا قال اللوش. وأضاف أن هذا المحور الإقليمي يمارس ضغوطًا أعظم على القضية الكردية مقارنةً بتقلبات السياسات الدولية.

يقرأ  سباق الطاقة النووية: كيف تفوّقت الصين على الولايات المتحدة

في المحصلة، دفع الأكراد ثمن التحولات الجيوسياسية باستمرار. وبينما تبحث واشنطون عن تمرد من دون تكلفة مباشرة — من دون نشر قوات برية أو خسائر بين جنودها على الأرض في إيران — سيوازن الأكراد الوعود الأميركية المغرية مقابل الدروس الملطخة بالدماء في 1975 و1991 و2026.

أضف تعليق