في غزة انكشفت تكلفة ديبلوماسية تزعم التمسك بنظام قاعديّ للقوانين لكنها تطبّقها انتقائياً. تدخلت الولايات المتحدة متأخرة، وحتى ذلك التدخل كان دفاعاً عن احتلال قرّرته المحكمة الدولية للعدل أنه غير مشروع. وبموازاة دول غربية أخرى ساهَمت في بناء مؤسّسات متعددة الأطراف، تتجه واشنطن تدريجياً إلى سياسات قومية تقوّض تلك المؤسسات. التناقض صار صارخاً: قواعد لجهة أوكرانيا، وقواعد مختلفة لغزة.
هذا التآكل في المصداقية يعبّر عن انهيار بنيوي لهيمنة الأحادية، وهو ما رمَزت إليه غياب الولايات المتحدة عن قمة العشرين في جنوب أفريقيا الأسبوع الماضي.
مع انقضاض آلاف المشاركين إلى الدوحة خلال الأيام المقبلة على منتدى الدوحة تحت شعار «العدالة في العمل: من الوعود إلى التقدّم»، تفرض فشلاً في منع الإبادة سجلاً للمحاسبة. الهدنة المفروضة في غزة لم تُنتج حلاً سياسياً ولا أماناً للفلسطينيين؛ وفي الوقت نفسه تستمر مناقشة مستقبل غزة بلا حضور فلسطيني فعلي في الغرفة.
هذا المشهد ليس استثنائياً. منذ الحرب الباردة نمت ديبلوماسية تعمل بنموذج «مفتاح رئيس»؛ فجهة قوية واحدة تُحرر ملف نزاع عبر تأثير سياسي، ضغوط اقتصادية، أو مساعدات مشروطة. وحول هذا المفتاح تشكلت منظومة كاملة: مؤسسات إنسانية، مراكز دراسات، وسطاء وشركات استشارية غالباً ما تمولها دول غربية، مما زرع الاعتقاد بأن اتصالاً واحداً بواشنطن يكفي لحل أي أزمة.
تُظهر الهدنة أن المفتاح الرئيس ما زال قادراً على فتح القفل؛ مارسّت الولايات المتحدة نفوذها، وانصاعت المنظومة الإنسانية لتأمين منافع الصفقة. أُنشئ مركز تنسيق مدني-عسكري بقيادة الجيش الأميركي لتنسيق إيصال الإغاثة وإجراءات إعادة الإعمار.
لكن أن يُستخدم هذا المفتاح بعد عامين من التدمير الشامل—رغم جهود ديبلوماسية إنسانية واسعة—وبشكل يُعزّز احتلالاً قضت المحكمة بعدم شرعيته، فهذا يكشف إفلاساً أخلاقياً لسياسة «السمسرة العقارية» في العالم، ويظهر بجلاء الطابع المعاملاتي للإدارة الأميركية الحالية الذي يغذي منطق الاستيطان الاستعماري.
ما نعيشه يذكّرنا بما سمّاه أنطونيو غرامشي في سجنه لدى الفاشية خلال ثلاثينيات القرن الماضي «حضرة بين العصور»؛ عالم قديم يحتضر وآخر يكافح ليولد، وفي تلك الفراغات تظهر «أعراض مرضية» لفاشية متجددة وقوميات عِرقية انتقامية.
فما البديل حين يرفض قطب أن يدير المفتاح؟ عالم لم يعد أحادي القطب بل متعدد الأقطاب مرقّع ومتنازع، يتطلّب أدوات جديدة لمن يسعون للتأثير على مآلات النزاعات.
عصر النفوذ الأحادي آخذ في الزوال، والمؤسسات المصمّمة للقرن العشرين متمسكة بخرائط بالية. ومع انكفاء النفوذ الغربي نحو الداخل، يواجه من بنى مصداقيته على هذه القرب أزمة شرعية.
الأمم المتحدة تكافح لتدّعي تأثيراً في هذا المشهد المتحوّل، مقيدة بسياسات مموّليها ومتآكلة الثقة لدى الشعوب المتضررة. ومع ذلك، يحمل هذا التحول فرصة استثنائية للأمم المتحدة لتجديد شرعيتها عبر التحالف مع قوى صاعدة، وتعزيز الشراكات الإقليمية، والدفاع عن تطبيق عادل للقانون الدولي. إذا نجحت في التكيّف فقد تصبح جسراً بين النظام القديم والنظام الناشئ؛ وإن فشلت، فقد تندثر.
في خضم هذا التحوّل، تظهر مراكز ثقل جديدة في سعيها إلى سلم وأمن ذي مغزى. في الدوحة نشأ محور وساطة؛ قطر استغلت وضعها السياسي الفريد ومرونتها الديبلوماسية لفتح حوار حيث تقطعت سبل القوة التقليدية. قنواتها المفتوحة مع فاعلين عبر الانقسامات جعلت من الدوحة نقطة لا غنى عنها في هندسة حل النزاعات العالمية — حتى بالنسبة للمنتقدين لها. وقضايا جنوب أفريقيا أمام المحكمة الدولية ومبادرات مجموعة لاهاي تبين كيف تتبدّل معايير الشرعية — تبدّلٍ نشأ في ركام إبادة.
من ذلك كله قد ينشأ شكل جديد من النفوذ السياسي، قائم على تحالفات أوسع وإصرار على المساءلة بدل الهيمنة والالتفاف. وكما يوحي شعار منتدى الدوحة، هناك نداء للانتقال «من الوعود إلى التقدّم» عبر جعل «العدالة في العمل».
ومع ذلك، أظهرت التصويتات الأخيرة عندما أيدت دول بأكثرية ساحقة قرار مجلس الأمن الذي يحظى بمباركة الخطة الأميركية لغزة هشاشة هذا النظام الناشئ. فقد خضعت دول لضغط أميركي، بحسب دبلوماسيين مطّلعين على المفاوضات، مما أثبت أن المصالح الاقتصادية ما تزال تتقدم على حراك استعماري-معاد للاستعمار متجدد. وكان درساً مفادُه أن تعددية الأقطاب ليست ضمانة للعدالة؛ إنها مجرد إعادة توزيع للنفوذ.
لكن لا يجب أن يبقى الحال على هذا النحو. يمكن للجنوب العالمي أن يكون تكتلاً جيوسياسياً يبني طاولاته التفاوضية ويصيغ شروطه بنفسه. وتأتي عَدة مؤشرات: تجرؤ مجموعة البريكس الدبلوماسي المتزايد، واستقلالية بعض حكومات أمريكا اللاتينية، لتؤكد هذه الإمكانية. تجاهل هذه الديناميات يعني تجاهل المستقبل. في قمة البريكس الأخيرة أعاد الأعضاء التأكيد على سعيهم لأمر متعدد الأقطاب، متحدّين هيمنة العواصم الغربية التقليدية على الديبلوماسية الدولية.
يجب أن تتجاوز الديبلوماسية، سواء نفّذتها دول أم مؤسّسات متعددة الأطراف أو مؤيدوها، منطق المفتاح الواحد. هي بحاجة إلى حرفة مبنية على صدق أيديولوجي وانخراط براغماتي: مواجهة اختلالات النزاع الحديث، ورفض وسم حركاتٍ بأكملها بـ«الإرهاب» جملةً وتفصيلاً، والاعتراف بشرعية تراكيب سلطة متنوعة. الانخراط البراغماتي يعني الاستعداد لحوارات متعددة الأبواب والتعامل مع الفاعلين الذين يمتلكون السلطة فعلاً — تحالفات إقليمية، فصائل مسلحة، وحركات أهلية.
أولئك المتمسّكون بمفتاح واحد بدائي سيُترَكون خلف الركب. الفلسطينيون — وغيرهم ممن عانوا تحت النظام الأحادي — لن يفتقدوهم. مستقبل صناعة السلام سيكون لمن يملكون مفاتيح متعددة ويعرفون أي باب يُفتح ومتى. عصر المفتاح الرئيس يقترب من نهايته.
وجهات النظر المعبر عنها هنا هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة سياسة التحرير في القناة.