كيف تحمي حقك في الثقافة

في الديمقراطيات والجمهوريات المعاصرة حول العالم، تنظم الحكومات العلاقات الجماعية، وتسنّ وتنفذ القوانين، وتدير علاقاتها بالدول الأخرى، وتحصّل الضرائب. وبالتوازي مع السياسة — ولكن ليس بأقل أهمية بالنسبة للحرية والازدهار — تمول هذه الحكومات كثيرًا من القطاعات الثقافية والفنية وتديرها. هذا أحد إرث إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لعام 1948، الذي أكد أن «لكل إنسان حق المشاركة الحرّة في الحياة الثقافية للمجتمع، والاستمتاع بالفنون، والمشاركة في التقدم العلمي ونيل ثمراته». الثقافةة تضم كلاً من الفنون الرفيعة والأفكار الاستثنائية، وكذلك الممارسات والمعتقدات اليومية العادية، فهي النسيج الرابط بين الأفراد ومجتمعاتهم، وبين أشكال الجمعيات المختلفة. الثقافة هي الجمال والخيال والعاطفة والمعرفة؛ هي حفلات الباليه ومهرجانات الشوارع؛ هي طعام الشارع وكاي-بوب؛ هي الطقوس والاختراع؛ وهي الحرية في الإبداع والتمتع بثماره.

في الآونة الأخيرة شهدت الولايات المتحدة محاولة ممنهجة لإلغاء الحق في الثقافة. لا سبيل لفهم المنطق الكامن وراء التفكيك السريع والممنهج لوزارات ومؤسسات تعليمية وإعلامية وثقافية إلا كجزء من هجمة واسعة: تقليص دور وزارة التربية، وقف تمويل هيئة البث العام ومحطات الراديو العامة، وتفريغ مناصب في مؤسسات المعارف الإنسانية والفنون، وتراجع دعم متاحف ومكتبات، إلى جانب خفض غير مسبوق لتمويل الجامعات، ورقابة تستهدف المتاحف والفنانين، وهجوم عنيف على تكافؤ الوصول إلى المؤسسات، وتآكل سريع لحرية التعبير. الحق في الثقافة حق أساسي، وسحب هذا الحق له عواقب وخيمة على نسيج الحياة اليومية.

بصفتنا معلمين في مجالات الثقافة واللغة والفنون في نوعين مختلفين من الجامعات بقلب أمريكا (جامعة واشنطن في سانت لويس، ميسوري، وجامعة إلينوي في شيكاغو)، نشهد يوميًا أن الثقافة للجميع — كما هي شأن المجتمعات الريفية تمامًا كما هي شأن النخب الحضرية المزعومة، في الولايات الزرقاء والحمراء على حد سواء. الحق في الثقافة أنجب بعضًا من عجائب بلادنا: مثل المركز الفدرالي الشهير في شيكاغو، ومتحف جين آدامز هال-هاوس، والمتحف الوطني للفن المكسيكي؛ أو حديقة فورست بارك في ميسوري حيث يفتح متحف عالمي للفنون ومركز علوم وجامعة مرموقة أبوابها مجانًا للموارد الثقافية؛ أو الجمعية التاريخية وسينما سانت لويس التي تضمن وصول المجتمع إلى الأرشيف والفن. هنا يمكن لأناس من كلّ الاتجاهات السياسية والفئات الاقتصادية ومجموعات الهوية أن يجدوا قصص طياري توسكيجي، أو أعمال التعبيريين الألمان، أو أوقات اللعب مع هياكل الديناصورات. يعمل مجلس العلوم الإنسانية في ميسوري على دعم الحرف التقليدية، والحفاظ على مراكز المدن التاريخية، والاحتفاء بالهوية الإقليمية، وتنشيط الاقتصادات المحلية. ووسط إلينوي يحصد بدوره ثمار جهود مؤسسة إلينوي للعلوم الإنسانية التي تنسق مهرجانات وحوارات في بلدات صغيرة مثل ساوث بيلويت وكارترفيل وروبنـسون. الناس الذين يمارسون الحق في الثقافة من خلال هذه المؤسسات يأتون من كلّ أطياف الحياة والطيف السياسي بأسره. في واشنطن تم قطع تمويل يغذي محطات إذاعية وتلفزيونية ريفية، وكذلك مهرجانات سينمائية وعروض متحفية.

يقرأ  مجلة جوكستبوز — غريس ويفر: «الأمهات» في غاليري ماكس هيتزلر، برلين

بينما تشرّع الإدارة الحالية لإلغاء الحق في الثقافة، علينا نحن—الناس العاديون—أن نعمل من أجل الحفاظ عليه. مارسوه بأقصى قدر ممكن. تذوقوا مطاعم محلية ومطاعم مملوكة لمهاجرين. اقرأوا كتبًا بالإنجليزية أو في ترجمة. رشّحوا أفلام هوليوود والمستقلة. تكلموا وشاركونا الأفكار، وخذوا وقتًا للانبهار بغنى الخيارات الترفيهية والفكرية التي يضمنها الحق في الثقافة. انظروا حولكم — الثقافة لا تزال باقية في مجتمعاتنا. احضروا فعاليات تُهمّكم: ورش عمل فنية، مهرجانات طعام، لقاءات مكتبية، محاضرات أكاديمية، حفلات موسيقية، عروض سينمائية، معارض متحفية أو عروض كوميدية. وإذا أمكن، فكروا في التبرع أو التطوع لدى منظماتكم المحلية لتعويض جزء من الأموال الفدرالية المسحوبة. اشتركوا في إعلام محلي وطني يقدم تغطية نوعية للفنون والثقافة، وادعموا المؤسسات الإخبارية التي تفتح تغطيتها بدون حجب. تعرفوا على حاضنات الثقافة المفاجئة في منطقتكم، وادفعوا بمناصرتها أمام مسؤولي المقاطعة وممثلين حكوميين، بغض النظر عن الانتماء الحزبي.

التعليم على كل المستويات أيضًا ساحة حاسمة لدعم الثقافة. إنّ قطع وإغلاق برامج التعليم الأساسي والعالي يحرم الشباب من فرصة الاعتزاز بالحق في الثقافة. في جامعاتنا نحضّ طلابنا على الانخراط في الدراسات الثقافية والمطالبة بأن يدفع مجالس الإدارات والإدارة قدماً في دعم الفنون والعلوم الإنسانية بدلًا من إغلاقها في كل مرة نواجه فيها ضغوطًا اقتصادية أو سياسية. نحث زملاءنا من المعلّمين على التحرك دفاعًا عن الحق في الثقافة، بما في ذلك الطعن في سياسة الإدارة الحالية التي تعمل على تقليص مناهج ومعاهدات الفنون والعلوم الإنسانية بطريقة متعمدة وجامدة. يجب أن نعمل مع الهيئات التشريعية على كل المستويات لتكريس الحق في الثقافة نصًا صريحًا في القوانين الفدرالية والولائية والمحلية. قد نستلهم من جيراننا نموذج قانون اتحادي مخصص للحق في الثقافة، كما تفعل كندا بقانون التعددية الثقافية، أو أن نرسخه دستوريًا كما فعلت المكسيك. ندعو القارئ إلى المطالبة باستعادة تجديد التمويل الولائي والفدرالي للمدارس والجامعات، تلك البوابات الأساسية إلى الفنون والعلوم وطلب المعرفة.

يقرأ  نظام جديد يُفرَض على الفلسطينيين: كيف نتصدى له؟ | الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

قد تبدو الثقافة حقًا أقل وزنًا من حق الإجراءات القضائية الواجبة أو حرية التجمع. وتخضع انتهاكاتها لخبرات أقل إثارة من اشتباكات الشرطة أو الاحتجاجات أو الانقسام الحزبي في واشنطن. ولهذا السبب يواجه إلغاء حق بُني على مدى عقود خطر الانزلاق دون تغطيةٍ إعلامية كافية. في غياب فرص المواجهة والاستكشاف والخلق الثقافي، تضعف الأواصر الاجتماعية، ويخفت التفاعل مع أفضل ما في مجتمعاتنا، ويتباطأ النمو الاقتصادي. بدون الثقافة تندثر قدراتنا على الحكم الذاتي، وتضعف مجتمعاتنا المحلية، وتضمحل حياتنا الفكرية والعاطفية وتتحول إلى نفايات منتجات الذكاء الاصطناعي، وتُغلق أمامنا طرق المعنى والارتقاء. اذ علينا جميعًا أن نتصدى لذلك.