دونالد ترامب يتعهد بالتصدي لفظائع السودان

أليكس دي وال — محلل شؤون أفريقيا

سودانٌ أنهكته الحرب لمدة سنتين ونصف، قائمٌ اليوم على أنقاضٍ من الخرابب. خسرت ست مبادرات سلام على الأقل جدواها، إذ لم يستطع أي من الوسطاء الضغوط على قوى الإقليم أو إقناعها بتقديم تنازل يُنهي المأزق.

ملايين المهجّرين يسألون ببساطة: هل يهتم العالم بحياتنا أم بموتنا؟ وهل ثمة احتمال أن يتغيّر هذا الواقع بتدخّل مباشر من البيت الأبيض؟

بحسب اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لم يكن النزاع على “لوائحه للتدخّل”؛ إذ قال إنه ظنّ الأمر شيئا خارج السيطرة وغير معقول. لكن ذلك كان قبل لقاءٍ في البيت الأبيض قبل عشرة أيام جمعه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي أطلعه على مجريات الأحداث وطلب منه التدخّل.

بعد اللقاء قال ترامب: «سوف نبدأ العمل في السودان». ونشَر لاحقًا على وسائل التواصل أن «فظائع هائلة تحدث في السودان. لقد أصبح أكثر الأماكن عنفًا على وجه الأرض» وتعهد بالعمل مع مصر والسعودية والإمارات لوضع حد للعنف.

في الواقع، كانت واشنطن مشاركةً فعليًا في مفاوضات سابقة، لكن ربما تُحدث نفوذ ترامب الشخصي مع قادة حلفائه — الذين تُوجّه إليهم اتهامات بدعم أحد طرفي النزاع — فرقًا ملموسًا. مع وجود نحو 12 مليون نازح واحتمال استمرار المجاعة في أجزاء من البلاد، يائسُ السودانيون من أي مبادرةٍ قد تكسر الجمود.

تعليقات ترامب جاءت بعد أيام من وصول الحرب إلى ذروة رعب جديدة أواخر أكتوبر، حين استولت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بعد حصار جوعٍ دام 500 يوم، وكانت الفاشر آخر معاقل الجيش في أقصى غرب دارفور. راح المقاتلون ينهبون المدينة ويرتكبون قتلًا واغتصابًا، وتقديرات أولية لعدد الضحايا في المجزرة تستهل من خمسة آلاف شخص فما فوق. صورٌ ومقاطع فيديو التقطها القتلة أنفسهم تُظهر تعذيبًا وإعدامًا وشيَّعت على مواقع التواصل باعتبارها «تروفات» للانتصار.

يقرأ  ترامب يوجّه البنتاغون: دفع رواتب القوات خلال إغلاق الحكومة

بعد الفعل، تكرّر نمطٌ اعتادته البلاد: زعيم قوات الدعم السريع، الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، أعلن استعداده لوقف إطلاق النار ليحاول تصويب صورته الملطخة بالقتل الجماعي، بينما رفض قادة الجيش، الذين لاذوا بالغضب والهزيمة، أي تنازل. قائد الجيش المعترف به دوليًا الفريق عبد الفتاح البرهان أعلن أنه سيسير في قتالِه حتى النهاية، لا سيما وأن جناح الإسلاميين ضمن تحالفه يدعو إلى القضاء التام على ما يعتبرونه فوضىً إرهابيّة.

تتباين التصريحات العمليّة عن نوايا القادة؛ فحميدتي يقدّم عرضًا ظاهريًا للمصالحة في حين أن سلوك قواته وروح الانتقام التي تسيطر على قادة الجيش تُبعد إمكانية التعايش تحت حكم أي منهما. تاريخ الصراعات في السودان على امتداد أربعين سنة — في الجنوب ودارفور وغيرهما — عزّز من عقلية الانقسام والرفض الراسخ لأي صيغة سلام تُقدَّم من الوسطاء.

ما يحتاج إلى كسر هذه الدورية هو تدخل يجعل من الانقسام الفعلي للدولة أمرا مُرفوضًا من القوى الإقليمية المؤثرة. هنا يأتي دور «الرباعي» الذي شكلهت واشنطن مع مصر والسعودية والإمارات، والذي رسم خطة بثلاث نقاط رئيسية: وقف لإطلاق النار، وصول إنساني آمن للمساعدات، ومفاوضات لتأسيس حكومة مدنية. عمل فريقُ وزارة الخارجية وجُهَّات سياسية أمريكية على هذه الخطة لشهور، وثبّتوها في سبتمبر ثم اجتمعوا مجددًا في واشنطن الشهر الماضي، لكن الفجوة بين الأطراف السودانية منعت التوصل لاتفاق قبل هجوم الفاشر.

نداء ابن سلمان إلى ترامب أعطى زخماً أكبر لخطة الرباعي على مستوى النفوذ الشخصي، لأن الرئيس الأمريكي قد يكون القادر على إقناع صاحب القرار في أبوظبي بتغيير سلوكه تجاه قوات الدعم السريع. المشكلة أن السعودية والإمارات في سباقٍ شديد النفوذ في المنطقة، ويتنافسان على قيادة سياسة عربية تمتد من اليمن إلى سوريا ثم السودان؛ هذا التنافس يتجلّى أيضًا في الخلاف حول الإخوان المسلمين، فالسعودية تقبل وجودهم شرط عدم تسلّمهم مواقع قيادية بينما تعتبرهم الإمارات تنظيما إرهابيًا.

يقرأ  ٣١ قتيلاً على الأقلوأكثر من ٥٠ مصابًا في تجمع النجم الهندي الممثل والسياسي فيجاي

وبما أن تحالف البرهان يضم إسلاميين استفادوا من حكم عمر البشير ثلاثين عامًا، فقد اتخذت الإمارات موقفًا عدائيًا ضدهم وبدأت ـ بحسب تقارير استقصائية ووكالات استخباراتية ـ في تزويد قوات الدعم السريع بأسلحة، وهو ما تنفيه أبوظبي رسميًا. لذلك، الخطوة الأولى نحو السلام هي أن تكفّ الدول الإقليمية عن تغذية النزاع وتستخدم نفوذها للضغط من أجل التهدئة.

سيحتاج ترامب — لو أراد مفعولًا حقيقيًا — إلى الضغط الشديد على الإمارات لإنهاء دعمها المزعوم للدعم السريع. لكن مع أنورٍ أكبر قضايا المصلحة، مثل اتفاقيات إبراهيم والاستثمارات الضخمة، لا يبدو أن البيت الأبيض سيُقدِم على عقوبات أو توبيخ علني لإمارة أبوظبي؛ ولن يصدر أي إجراء مُماثل لما اُستخدم في نزاعات أخرى. الاعتماد الحالي أمريكيًا على دبلوماسية هادئة لمواجهة الإمارات يتطلب براعة تفاوضية ومرونة.

حتى لو نجح الرباعي في تحقيق وقف نار، فهذه مجرد البداية. تقليص موازنات المساعدات وندرة التمويل تجعل جمع ثلاثة مليارات دولار أو أكثر للمساعدة الإنسانية أمرا بالغ الصعوبة؛ وبدون دفعات إنسانية مكثفة ستبقى أي هدنة هشة للغاية. الطريق إلى سلام دائم طويل ومليء بالمطبات: السودانيون منقسمون ومريرون، ولا يثق غالبهم بأي من الجنرالات. المدنيون الذين احتشدوا في الشوارع لإسقاط البشير قبل سبع سنوات ما زالوا يطالبون بالديمقراطية والعدالة، ويخشون أن يؤدي تدخل الدول العربية في عملية السلام إلى تحويل السودان إلى تبعية عربية.

أليكس دي وال هو المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تفتس في الولايات المتحدة.

أضف تعليق