كانت إحدى اللحظات البارزة في واشنطن عام 2019 تلك الجلسة التي اتَّجهت إليها الأنظار باتجاه محامي دونالد ترامب السابق، مايكل كوهين، أثناء شهادته أمام لجنة في مجلس النواب حول رئيسه السابق. بينما كانت النائبة ستايسي بلاسكت تستعدّ لطرح أسئلة، بدا أنها تراسل شخصًا عبر هاتفها — هذا الشخص اتضح الآن أنه المُدان بالجرائم الجنسية جيفري إبستين.
أظهرت رسائل إلكترونية أُفرج عنها من خلال وصيّته بموجب استدعاء قضائي أن إبستين حثّها على طرح سؤال يتعلق بأحد موظفي منظمة ترامب. وبعد أن فعلت ذلك، ردّ عليها بإيجاز: “عمل جيد”. هذه الواقعة، مثل غيرها من المراسلات، أعادت تسليط الضوء على قدرة إبستين على الحفاظ على روابط مع نخبةٍ من الشخصيات الرفيعة احترامًا لمناطقه وثرائه، ورغم سوابقه الجنائية.
مدى نفوذه
من زاوية المتأخر، ربط كثيرون بين تلك اللحظة ودرجة نفوذ إبستين بين النخبة الأميركية. بلاسكت نفت أنها كانت تعتمد نصائح إبستين، وأكدت أنها كانت تراسل عدداً من الأشخاص في ذلك اليوم، بمن فيهم إبستين الذي وصفته بأنه أحد ناخبي دائرتها. وكتبت أنها، كمحامية سابقة، تعوّدت على استقاء المعلومات من مصادر متعددة حتى لو لم تكن تراها محبَّبة. وأضافت في بيان أُرسل إلى الهيئه الإعلامية أنها “مشمئزة من سلوك إبستين المنحرف” وتدعم ضحاياه وتؤيد إفشاء كامل الملفات المتعلقة به.
تجدر الإشارة إلى أن تبادل الرسائل وقع قبل توقيف إبستين بتهمة الاتجار الجنسي، لكنه بعد إدانته في 2008 بتهمة طلب البغاء. كما كانت جزيرته الخاصة، الواقعة في إقليم أميركي، من المواقع التي ذُكرت في تحقيق مشين نشره ميامي هيرالد قبل عام واحد من ذلك، باعتبارها مكاناً شهد اعتداءات جنسية على قاصرات.
ستة أشهر فقط بعد تبادلها الرسائل معه، وُجد إبستين ميتاً في زنزانته — وفاة وصفتها شهادة الطبيب الشرعي بأنها انتحار. أثارت وفاته ونظريات المؤامرة المحيطة بها تحوّلاً واسع النطاق لهزّ أركان دوائر السلطة في واشنطن والمال والقطاع الخاص، وأطاحت بعددٍ من معارفه السابقين.
شبكة علاقات استثنائية
تكشف دفاتر ورسائل لأكثر من عشرين ألف صفحة عن قدرة إبستين على المحافظة على دوائر اجتماعية راقية تضم علماء مرموقين وفاعلين اقتصاديين وسياسيين، حتى بعد الإدانة والتحقيق الصحفي. كما قال باري ليفين، مؤلف كتاب The Spider: Inside the Criminal Web of Jeffrey Epstein and Ghislaine Maxwell، إن إبستين كان “شخصية شيطانية” لكنه كان بارعًا في بناء شبكة مُدهشة من أقوى الناس في العالم، وامتلك نوعاً من الكاريزما التي جعلت البعض يلجأون إليه.
استخدام المعلومات كسلاح
اعتبر إبستين نفسه “جامع ناس” ينسج العلاقات لأغراض تعاملية، بحسب ليفين. كان يجمع معلومات قد يستخدمها لاحقاً، إما لابتغاء خدمات ومصالح مالية، أو — في افتراض أكثر ظلامية — لابتزاز بعض هؤلاء الأشخاص. في بريطانيا تعرّضت صلاته مع السياسي اللورد بيتر ماندلسون لتدقيق خاص، وانتهت بإقالته من منصب سفير المملكة المتحدة لدى واشنطن في سبتمبر، بعد ظهور رسائل تُظهر تواصله مع إبستين حتى أواخر 2016.
الوجوه المعروفة في السجل
ترسم الوثائق صورةً عن دائرة مُتباينة؛ من رجال سياسة إلى أكاديميين ورجال أعمال. لم يكن من الصعب أن يغفل بعض المعارف أو يتجاوزوا عن سلوكه بحكم وزنهم ومصالحهم أو لأنهم لم يكونوا على دراية كاملة بجرائمه. كما قال ليفين: “سيرة إبستين بين صنّاع القرار كانت مرموقة لدرجة أن كثيرين تميلوا لتجاوز الإدانة.” وفي أحيان كثيرة كان الثراء نفسه سبباً في استمرار التواصل معه؛ كما علّق أحد منظمي الحياة الاجتماعية في نيويورك أن السجن لم يعُنِ لأوساطها الكثير — الفقر هو الطرد الاجتماعي الحقيقي.
أسماء لافتة وعلاقات محرجة
أظهرت الرسائل أيضاً تبادلات محرجة لوجوه بارزة: لاري سامرز — أمين الخزانة السابق ورئيس جامعة هارفارد لاحقاً — طلب نصائح رومانسية من إبستين في تبادل وقّع في نوفمبر 2018، ما أعاد نشر تلك المراسلات ليجبر سامرز على التراجع عن التزامات علنية والتوقف عن التدريس في هارفارد مؤقتاً، مع اعتراف علني بالندم والخجل. نعوم تشومسكي، العالم اللغوي الشهير، ورد اسمه كذلك كأحد من استفادوا من خبرات إبستين المالية، وظهرت رسالة دعم غير مؤرخة يُعبّر فيها تشومسكي عن امتداحه للنقاشات الطويلة التي جمعتهما، مع نفيه لاحقاً لأي مكاسب مباشرة من إبستين.
قطع العلاقات ومن لم يفعل
على امتداد آلاف الوثائق، يتكرر اسم واحد أكثر من غيره: دونالد ترامب. رغم أن ترامب لم تُسجل له رسائل داخل مجموعة الوثائق هذه — لأنه قاطع إبستين — فقد كان له كلام سابق يمدحه في 2002 بوصفه “رجلًا رائعًا”، ثم تباعدت علاقتهما لاحقاً. ونفى ترامب معرفته بجرائم إبستين، كما قالت إدارة البيت الأبيض إنه طرده من نادٍ يملكه قبل عقود بسبب سلوكه المزوِّج تجاه الموظفات.
أمام تداعيات الكشف، اعترف كثيرون بالحرج والندم على تواصلهم مع إبستين بعد إدانته، ويؤكد ليفين أن ذلك لا يعني بالضرورة المشاركة في جرائمه، لكنه يسلط الضوء على مقاييس القوة والامتياز والاستغلال. وفي المقابل، كان هناك من أدرك على الفور مدى انحرافه: روى هوارد لوتنيك، وزير التجارة فيما بعد، أنه بعد جولة في منزل إبستين على الحي الراقي، شعر بالاشمئزاز وغادر هو وزوجته على الفور، حاكماً على نفسه ألّا يقف في غرفة مع “هذا الشخص البغيض” مرة أخرى.
الخلاصة التي تبرز من هذا السجل الكبير ليست مجرد قصة رجل واحد، بل درس في كيفية تشكل علاقات النخبة وكيف يمكن للمال والسلطة أن تطغى على حدود الأخلاق والمساءلة.