التحوّل في طرق التدريس بالمدارس الأمريكية

نظرة عامة:

تصاعد عدوانية الأهالي، انتشار المعلومات المضلِّلة، والتنافسية المفرطة تحول الفصول الدراسية إلى بيئات معادية للمعلمين والمعلّمات.

«كيف تجرؤ على تسجيل ابني غائبًا؟»
«لماذا أمسكت بوجه طفلي؟»
«ابنتي ذات الأربع سنوات تقول إن المعلمة دفعتها أرضًا — ماذا ستفعلون حيال ذلك؟»
«تلك المعلمة سبّت ابني أمام الفصل.»
«أنت لست أهلًا لهذه الوظيفة.»

هذه العبارات ليست شكاوى منعزلة ولا قصصًا معزولة تُروى هنا وهناك فحسب؛ بل أصبحت يوميات كثيرة من العاملين في الحقل التربوي. وخلال عقدين من الممارسة التربوية، سمعت كل واحدة من هذه المقتطفات، سواء كمعلمة أو كقائدة مدرسة. قديماً كان المربون يتعاملون مع شكوى أو اثنتين سنويًا باعتبارها جزءًا من العمل؛ أما اليوم فباتت الشكاوى تنهال عليهم كما النيران في ساحة معركة، حتى صاروا يقضون وقتًا أطول في الدفاع عن قراراتهم وامتثالهم للسياسات بدلًا من التدريس الفعلي.

كمثالٍ بسيط: حين كنت مشرفةً على فريق تشجيع، كانت شكاوى الأهالي تأتي على شكل مطالبات بسيطة: «لماذا وُضعت ماري في مؤخرة التشكيل؟ يجب أن تكون في المقدمة.» كان المدير يرد على الهاتف ويُعلمني أثناء استراحة الغداء، فأتحدث مع الطالبة عن أهمية العمل الجماعي وأن لكل موقع في التشكيل دوره الحيوي، وتمضي الأمور. لكن تلك الأوقات انتهت. الآن لا تمر المسائل بهدوء، بل تتحول كل مسألة إلى ساحة صراع من أجل التهم أو الانتصار الشخصي.

قضية أخرى: طالبة مسرحية أخطأت الطريق وذَهبت مباشرة إلى المسرح بدلًا من الحضور إلى الحصة أولًا، والمعلمة كان عليها إغلاق الحضور بسرعة لتأمين التدريب المسرحي، فأرسلت تسجيل الحضور الإلكتروني ومرّت بالطلاب إلى المسرح. تلقّت والدة الطالبة إعلامًا بالحضور، ومع ذلك بدأت سلسلة من الرسائل الحادة عبر البريد الإلكتروني تشكك في كفاءة المعلمة—وبذلك أُلحق الضرر قبل أن تُذكر تفاصيل الحادث كاملة.

يقرأ  ميرتس يكافح دموعه خلال إعادة افتتاح الكنيس في ميونيخ

لا يقتصر الأمر على المدارس فقط؛ الظاهرة منتشرة في كل مكان يجتمع فيه الأطفال وأهلهم: من نشاطات رياضية إلى فعاليات مجتمعية. تقارير إعلامية مثل CNN تناولت نقص الحكام في الرياضات المدرسية — استنادًا إلى بيانات اتحاد الولايات — حيث تراجع عدد الحكام بنحو عشرات الآلاف خلال سنوات قليلة لأن سلوك بعض الأهالي صار يجعل العمل غير مستساغ. كما لاحظت الجمعيات المهنية ارتفاعًا في العنف والتهجم اللفظي تجاه العاملين في الحقل التربوي.

أسباب هذا الانزلاق متعددة: تنافسية مفرطة تقيّم النجاح بمعايير مالية أو مؤسسية ضيقة (قبول جامعات النخبة، عقود احترافية رياضية) بدلًا من تقدير مواهب الطفل المتنوعة؛ رغبة بعض الأهالي في أن تُلبّى كل رغبات أبنائهم؛ وعدم قدرة البعض على تقبل كلمة «لا». ثم هناك ظاهرة الطلاب الذين يتقنون فن التلاعب: يقدمون لوالديهم معلومات مجتزأة فتُثير غضب الأهل وتحفزهم للدفاع دون تدقيق، وفي حالات متطرفة يُختلق الوقائع ويُبالغ فيها للحصول على مكاسب أو لتفادي تبعات.

النتيجة: موظفو المدارس يعيشون مستويات متصاعدة من القلق والضغط. دراسات جمعية علم النفس الأمريكية تُظهر أن نسبة كبيرة من العاملين في المدارس ما زالت تشعر بالقلق والضغط الناتجين عن أساليب تواصل مسيئة من الأهالي، وهذه الضغوط لا تقتصر على موجة مؤقتة بل أصبحت سمة مستمرة للنظام التعليمي العام الذي يبدو اليوم أقل استدامة مما كان عليه سابقًا. مهنة كانت تُنظر إليها بالاحترام وربما بالتضحية لم تعد تجذب الكثيرين؛ الكثيرون يتساءلون إن كان ينبغي البقاء في مهنة تُستنزف طاقاتهم بسبب نزاعات خارجية عن جوهر التدريس.

اسأل معلمَي ابنك أو ابنتك عن سبب دخولهم هذا المسار المهني، فستسمع إجابات مثل: «أحب العمل مع الأطفال»، «أستمتع بلحظة إدراك طالب صعب الفهم»، أو «أحلم بتوجيه الأجيال نحو مستقبل منتج». لن تسمع أحدًا يقول: «أحب أن أتعرض لهجوم يومي من قِبل من لايعرفون كيف جرت الحادثة أصلًا.»

يقرأ  فندق بانكسي المُطِلّ على الجدار في بيت لحم يفتح أبوابه مجدداً

الحل لا يكمن في إلقاء اللوم على طرف واحد فحسب، بل في استعادة قيم الاحترام المتبادل، وتعليم الأهالي والأطفال مهارات الحوار والتحقق من المعلومات قبل القفز إلى الاستنتاجات، وإعادة الاعتبار لمقاييس النجاح التي تُثمّن التطور الشخصي والتعلم بدلاً من الألقاب والنتائج الصرفة. كما أن المؤسسات التعليمية بحاجة إلى سياسات واضحة تحمي المعلمين وتوازن بين حقوق الطلاب وحقوق العاملين في المدرسة.

امريكا، فقد ضللنا السبيل.

المراجع:
– American Psychological Association — «العنف والعدوان ضد المعلمين والعاملين في المدارس» (تقرير مايو 2024): https://www.apa.org/education-career/k12/violence-educators
– Yurkevich, Vanessa (CNN Business, 18 مايو 2023) — «أمريكا تعاني نقصًا في الحكام: الأهالي المشاغبون لا يساعدون»: https://www.cnn.com/2023/05/18/business/umpire-shortage-parent-behavior/index.html

أضف تعليق