غريس إليزا جودوين — نيويورك
شاهد: زهران ممداني يؤدي اليمين كأول عمدة مسلم لمدينة نيويورك
القفز في مياه كوني آيلاند الباردة خلال كانون الثاني ترفيهاً عن عبارة «إنني أتجمّد… إيجارك!»؛ زيارة عربات الطعام للحديث عن كيف أن إجراءات منح التراخيص في المدينة أدّت إلى ما سُمّي بـ«التضخّم الحلالي»؛ المشي طوليّاً في مانهاتن لإثبات أن سكان المدينة «يستحقون عهدة يمكنهم رؤيتها وسماعها، بل والصراخ عليها» — مقاطع الفيديو هذه على منصات التواصل الاجتماعي صُنعت صورة مرشح يبدو صادقاً ومفعماً بالحياة، وساهمت في دفع زهران ممداني وسياساته اليسارية نحو فوز مفاجئ في الانتخابات التمهيدية لمدينة نيويورك، ومن ثم انتصار في انتخابات نوفمبر.
الاشتراكي الديمقراطي البالغ من العمر 34 عاماً نجح في جذب سكان نيويورك، لا سيما الناخبين الشباب الذين يقضون وقتاً طويلاً في «التصفح الكئيب» عبر الإنترنت، من خلال استثمار وسائل التواصل لبناء هوية سياسية أصيلة وممتعة، كما قال خبراء للبي بي سي.
بعد أن ادى اليمين في الأول من يناير، يكمن التحدي التالي في إبقاء هؤلاء المؤيدين مشاركين والمحافظة على الزخم أثناء ممارسة السلطة.
حوالي ثلاثة أرباع الناخبين في مدينة نيويورك تحت سن الثلاثين صوّتوا لممداني، وفق استقصاء للناخبين أجرته وكالة أسوشيتد برس.
استراتيجية ممداني القوية على وسائل التواصل لعبت دورها في اجتذاب هؤلاء الناخبين عبر تقديم صورة مرشح تلائم توقّعات الشباب الذين أصابهم الإحباط من المرشحين الأكبر سناً والأكثر رسوخاً، بحسب جين هول، أستاذة الاتصال في الجامعة الأمريكية والمتخصّصة بدراسة السياسة والإعلام. «لا يجب أن يكون المرشح شاباً ليصل إلى الشباب»، قالت هول، «لكن ينبغي أن يُنظر إليه على أنه صادق ويتحدث عن ما يهم الناس بطريقة عصرية تجعلهم يرغبون في الانضمام».
جاك براتيتش، أستاذ الصحافة في جامعة روتجرز والمتخصص في الثقافة السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي، أشار إلى أن ممداني استطاع أن يوفق بين خفة الظل والمناقشات الجادة.
هذا الشعور بالمرح يقف في تناقض مع بعض السلبية التي اعتمدها الرئيس دونالد ترامب على منصات التواصل، بحسب جينيفر سترومر-غالي، أستاذة الاتصال والعلوم السياسية والدراسات البلاغية في جامعة سيراكيوز.
وعلى الرغم من لقاء أولي ودّي وغير متوقع بين السياسيين في نوفمبر، حيث اتفقا في نقاط عديدة تتعلق بأزمات مدينة نيويورك مثل أزمة القدرة على تحمل السكن، تصدّرا المواجهة خلال السباق الانتخابي. ترامب رسم صورة ممداني على أنه «متطرّف مجنون»، وهدد بحجب تمويل اتحادي عن المدينة إذا فاز ممداني، وقال إنه سيصدر أوامر بالقبض عليه إذا اعترض على عمليات إنفاذ الهجرة.
في ليلة الانتخابات رد ممداني بقوة في خطاب النصر، مخاطباً الرئيس: «إذا أردت الوصول إلى أي واحدٍ منا، فسيتعيّن عليك المرور عبرنا جميعاً». تلك العبارة أطلقت هتافاً مدوّياً من أنصاره آنذاك، لكن الخبراء يحذرون من أن واقع الحكم قد يفرض الانخراط مع إدارة ترامب بطريقة براغماتية، واللقاء الدافئ في نوفمبر قد يكون مؤشراً مبكراً على استعداد ممداني لذلك.
كيف سيتعامل مع البيت الأبيض — ونوع العلاقة التي سيبنيها مع الرئيس — قد يكون حاسماً لتنفيذ جدول أعماله. قول شيء مثل «تغيير سريع وجذري» في فيديوهات الحملة قد يبدو سهلاً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في «الحكم تحت إدارة معادية»، كما قالت إيوانا ليترات، أستاذة الاتصال في كلية كولومبيا المتخصّصة في تنشئة السياسيين الشباب عبر الإنترنت. وأضافت: «إذا لم تراعي محتويات [وسائل التواصل] هذه القيود بصدق، فإن نفس الشباب الذين جعله ينتشر بسرعة قد يحولون تلك الطاقة إلى خيبة أمل أو رد فعل عكسي».
لكي ينجح في المنصب، سيحتاج ممداني إلى إبقاء مؤيديه مرتبطين بإدارة شؤون المدينة اليومية — وهذا أمر أقل إثارة من سباق انتخابي حماسي، كما أوضح جوناثان ناغلر، المدير المشارك لمركز الإعلام والسياسة في جامعة نيويورك. «من السهل حشد الناس ضد ترامب؛ فهم يختلفون معه في أمور كثيرة، خصوصاً ناخبي مدينة نيويورك»، قال ناغلر. «أما الأصعب فهو أن تخرج على وسائل التواصل وتقول: ‹مجلس مدينة نيويورك يقف في طريقي. أحتاج منكم أن تتحمّسوا لإقناع المجلس بأن يفعل كذا›».
أضاف ناغلر أن تثقيف بعض هؤلاء الناخبين حول كيفية عمل حكومة المدينة قد يشكّل تحدياً. «كالعادة في الحملات الانتخابية، الانتقال إلى الحكم عبر وسائل الإعلام أمر معقّد»، أضاف براتيتش.
إحدى الاستراتيجيات للحفاظ على زخم الحملة قد تكون تحويل متابعيه الرقميين إلى منظّمين قاعديين نشطين. فوسائل التواصل كانت «الباب الأمامي إلى عملية ميدانية ضخمة وقيادة متطوّعة شبابية» بالنسبة للعمدة المنتخب، حسبما قال براتيتش. خلال الحملة، كانت منشورات ممداني تدعو باستمرار المتابعين إلى الاحتجاجات، وحملات أبواب-إلى-أبواب، وحملات تسجيل الناخبين، وأشكال المشاركة الفعلية الأخرى — ما أدى في النهاية إلى تعبئة أكثر من مئة ألف متطوع.
لكن التحذير واضح: «إذا تعثرت إدارته واستمرت خلاصات الوسائط بوعد أكثر مما يستطيع تقديمه، فقد يترسّخ لدى الشباب شعور بأن ‹حتى عمدة الإنترنت لم يستطع تغيير شيء›»، كما قالت ليترات. «هذا الخطر السمعة الواسع هو ما يجعل وسائل التواصل في عهدته مهمة للغاية».
فريق انتقال ممداني لم يرد على طلب تعليق من البي بي سي، لكن ثمة علامة مهمة تؤشر إلى استمرار الزخم الشعبي: في نوفمبر أعلن حلفاؤه إطلاق مجموعة مناصرة جديدة تهدف إلى استخدام هذا الاحتياطي العميق من المتطوعين لجمع التمويل اللازم لأجندته. أسست مؤسسة غيرربحية تحمل اسم «وقتنا لمدينة نيويورك الميسورة» على يد متطوعين من حملة مامداني وأعضاء جماعة الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك.
ورغم أن «وقتنا» مستقلة قانونياً عن مامداني وفريقه الانتقالي، تؤكد المنظمة أنها مكرَّسة لدفع أجندة العمدة المنتخب المتعلقة بجعل السكن والمعيشة أكثر قدرة على التحمل، وذلك عبر طرق الأبواب، وحملات الاتصال الهاتفي، وتعزيز قنوات التواصل، والتنظيم على مستوى الحي والمدينة والولاية.
أُقيم حفل أداء اليمين لمامداني يوم الخميس داخل محطة مترو «سيتي هول» الأصلية، وهي المحطة التي تُركت خارج الخدمة أمام حركة الركاب الاعتيادية.
قال مامداني: «هذا بحق شرف وامتياز لا يوازيه شيء في الحياة. لا أستطيع الانتظار لرؤيتكم غداا ونحن نبدأ ولايتنا.»