«لا شيء يحمينا سوى الأغطية» نازحو كوستي يواجهون ندرة مأوى حقيقية أخبار حرب السودان

في أطراف مدينة كوستي، جنوب وسط السودان، حيث تحوّلت المدينة إلى محطة عبور ضخمة للمحكومين بالهروب والبحث عن مأوى، تجلس عزيزة مع أبنائها على رملٍ مكشوف بلا جدران تحميهم ولا سقف يصد حر الشمس أو برد الشتاء القارس.

بعد رحلة طويلة ومُعَذِّبة هرباً من ويلات الحرب، لم تعد لعائلة عزيزة سوى أغطية رقيقة أعادوا استخدامها لتشكيل مأوى هشّ يأويهم ليلاً. تحدثت عزيزة باقتضاب عن حالتها اليائسة، وجلست بين متفرقات أمتعتها قائلة للصحفي: «لا رجل يقودنا؛ أولادنا هنا ونحن هناك. نجلس تحت هذا الحرّ، لا يحميّنا سوى هذه الأغطية».

وتحت قماش هشّ آخر تبكي أمّ أخرى وهي تروي الانهيار الاقتصادي المصاحب للعنف. قالت وهي تحبس دموعها: «التقينا بهذه الأغطية في الشارع… ليس لدينا شيء. كان معي عشرة آلاف جنيه سوداني — حوالي ١٦ دولاراً — وانهارت في السوق في ذَقةٍ واحدة لأشتري هذه الحاجيات القليلة».

الكثير من السودانين، على غرار عزيزة، انتهى بهم المطاف إلى كوستي قادمين من مناطق كردفان ودارفور، حيث تركزت الخطوط الأمامية للحرب خلال الأشهر الماضية، بعد أن حققت قوات الدعم السريع مكاسب ميدانية سعى الجيش السوداني لإرجاعها. واتُهِمت هذه القوة بارتكاب جرائم ضد المدنيين، لا سيما بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر، حيث أفادت مجموعات رصد بقتل ما لا يقل عن ١٥٠٠ مدني، مع ظهور تسجيلات فيديو تُوثّق عمليات قتل واعتداءات وعمليات سلب واغتصاب دفعت عشرات الآلاف إلى الفرار من مناطق سيطرة الدعم السريع.

غالبية الفارّين من النساء والأطفال، إذ يُستهدَف الرجال أحياناً بالقتل أو يُجبرون على الفرار منفردين لتجنّب المواجهة مع قوات الدعم السريع. وتُعتبر كوستي، مقارنةً بالخطوط الأمامية، مستقرة نسبياً في الوقت الراهن، لكنها تشهد موجة جديدة من النازحين. وفق مسؤولين محليين، وصل أكثر من ٣٥٠٠ نازح إلى كوستي خلال الأيام الأخيرة، وتستقبل المدينه — بحسب لمياء عبدالله مفوضة المساعدات الإنسانية بالولاية — نحو ٢٥ أسرة يومياً، أي ما بين ١٠٠ إلى ١٥٠ شخصاً.

يقرأ  اشتباكات في حلب مع اقتراب مهلة دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري — حرب سوريا

بعض الوافدين نُقلوا إلى خيم قماشية كبيرة، إلا أن الأكثر قدوماً اضطروا للاكتفاء بما وجدوه حتى تتوفر مأويات أفضل. وما تشهده كوستي يعكس ما يحصل في أنحاء السودان من موجات نزوح واسعة انطلقت من دارفور وكردفان. وتقدّر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من ١٠٠ ألف شخص فرّوا من الفاشر والقرى المجاورة بين أواخر أكتوبر ومطلع ديسمبر إثر هجمات الدعم السريع، وكان ثلاثة أرباعهم قد نزحوا سابقاً في سياق الحرب. كما سجّلت المنظمة نزوح أكثر من ٥٠ ألف شخص خارج السودان بين ٢٥ أكتوبر و١٧ ديسمبر، بينما بلغ إجمالي النازحين داخلياً أكثر من ٩.٣ مليون شخص، يشكّل الاطفال منهم نحو ٥٥٪.

وأفاد تقرير للمنظمة بأن نحو ثلث الأسر النازحة أفادوا بأن «على الأقل فرداً واحداً لم يتناول طعاماً ليوم وليلة كاملة خلال الشهر الماضي بسبب نقص الغذاء».

من المخيمات في أطراف المدينة، نقل مراسل الجزيرة صورة قاتمة لواقع استجابة إنسانية تنهار بينما الاحتياجات تتصاعد. فمع هذا التدفق، أعلنت منظمات إنسانية دولية عن خفض مساعداتها اعتباراً من هذا الشهر إثر نقص التمويل وتراجع التزامات الدول المانحة، مما فاقم النقص الحاد في المرافق الطبية. ووفق المراسل، فإن «أكبر التحديات يكمن في الصحة»؛ فهناك نقص كبير في الكوادر الطبية، وعجز في الأدوية، واحتياج ملح لمشافي ميدانية.

تصل أهمية ذلك إلى أن كثيرين من الوافدين قطعوا مشقات تصل إلى عشرين يوماً، وبعضهم عبر الحدود إلى جنوب السودان ثم عاد إلى ولاية النيل الأبيض طلباً للأمن. وصلوا مرهقين ومُعرَّضين لسوء التغذية، وخائفين من شتاء قادم لا تُطيقه الخيام الضعيفة. «النازحون ينتظرون المجهول في ظروف قاسية»، كما أشار المراسل، «والحرب لم تنتهِ بعد».

أضف تعليق