أعرف هذا الطريق جيدًا. خريطةه محفورة في عظامي. أحمل ندوبًا لا تلتئم من دون عدل، من دون مساءلة.
تعلمتُ هذا الدرس في غوانتانامو، حين كان الشيء الوحيد الذي أستطيع التحكم فيه جسديًّا.
اختفينا قسرًا. عزّلونا. أُجبرنا على الصمت. سُحبت كلماتنا. طُبعت رسائلنا «سريّة». أُحجمت المحامين. مرّ الزمان فتآكل. لم تحدَّد مواعيد محاكم حقيقية، ولم تُقدَّم تهم حقيقية.
حوّلوني إلى رقمٍ يرتديه برتقال السجان، محتجزًا في قفصٍ من معدن. لقد سمّتني الحكومة الأمريكية مسبقًا: «أسوأ الأسوأ»، «إرهابي»، «مقاتل عدو». تسميات تُبرّر العذاب.
وجاء التعذيب. ليلًا ونهارًا. بلا هوادة. ميكانيكيًّا. مصمّمًا لكسر العقل أولًا ثم الجسد. فتوقفت عن الأكل. ليس كإيماءة أو استجداء، بل لأن كل شيءٍ آخر قد انتُزع مني. كان جسدي آخر أرضٍ لم تحتلها الدولةُ الغريبة بعد.
الإضراب عن الطعام ليس رمزيّة، ولا دراما تُقدّمها وسائل الإعلام من وجهة نظرٍ ساخرة. كذبة أولئك الذين لم يروَ جسمًا ينهار من الداخل، ممن يحوِّلون الموت البطيء إلى عناوين ونقاشات وعبارات جذّابة.
الإضراب عن الطعام رحلة بطيئة موجعة نحو الموت. يفككك قطعةً قطعة: تقلص العضلات، يتراخى البصر، يتلعثم القلب، تتراجع وظائف الأعضاء. كل نبضة إنذار. كل ساعة تقرّبك من النهاية، راغبًا أم مُكرهًا.
يبدأ الإضراب حين تُغلاق كل الأبواب في وجهك. حين يبلّغك النظام أن حياتك بلا قيمة ما دمتَ صامتًا ومطيعًا. حين ينظر إليك ويخبرك أنك اسمًا بلا جسد.
فإن أجبت، تجيب بجسدك.
على الأقل ثمانية ناشطين مؤيدين لفلسطين مسجونين في المملكة المتحدة رفضوا الطعام. أحدهم مضرب منذ أكثر من شهرين. تجاوز آخرون خمسين يومًا من دون طعام. نُقل بعضهم بالفعل إلى المستشفيات. متناثرين في سجون مختلفة، مقطوعين عن بعضهم، ممزقين عن عوائلهم، مدفونين تحت تسمية «إرهابي» لتُسوَّق القسوة كقانون.
هؤلاء هم هبة مرايسي، قسّار زهره، آمو جيب، تيوتا هوكسا، كامران أحمد، لوي تشيّاراميلو، جون سينك، وعمر خالد.
عرضت صور الثمانية أثناء فعالية في روما في 13 ديسمبر 2025 [تصوير منصور أديّفي].
أعرب خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن قلق بالغ على حياة المضربين عن الطعام. حذّروا من مخاطر فشل الأعضاء، وأضرار عصبيّة، والموت من دون رعاية طبية مناسبة، ودعوا الحكومة البريطانية إلى توفير رعاية طارئة فورية، وإلى الانخراط في مطالب الناشطين ومعالجة مسائل الحقوق المرتبطة بالحبس الاحتياطي الطويل والقيود على نشاط الاحتجاج.
لقد كوّنتُ داخل هذه القصة سابقًا. الكلمات العنيفة تهدف إلى تجريدك من إنسانيتك حتى لا يشعر العامة بوخز ألمك.
عندما طرح جيريمي كوربين موضوع الإضراب عن الطعام في البرلمان، ضحك بعض النواب. ضحكوا — ليس همسات محرجة بل سخرية علنية. ابتسامات متعجرفة من مقاعد مبطّنة بينما الأجساد تنهار في الزنازين، بينما يُسحب الناس إلى أجنحة المستشفيات، وتتداعى أعضاءهم. هذه سلطة لا تُمسّ.
تجنّب ديفيد لامي، نائب رئيس الوزراء، لقاء عائلات المضربين عن الطعام. تجنّب أبسط لفتة إنسانية: الاستماع. جبن ملفوف في بروتوكول. هذا احتقار متعمد.
في عام 1981، خلال الإضراب الأيرلندي عن الطعام، كان الرجال يموتون في الزنازين بينما السياسيون يصفونهم بالمجرمين أو الباحثين عن انتباه أو بالإرهابيين. السخرية جاءت أولًا: النكات والبرود ورفض الحوار. ثم جاءت الجنائز. السلطة دائمًا تضحك قبل أن تقتل. يصبح الفكاهة درعًا للجبن.
لم يتغير شيء. تختلف اللكنات والبدلات أكثر أناقة، لكن القسوة نفسها.
هذا ليس ديمقراطية. هذا تعفّن في مركز الدولة.
احتُجزنا سنوات في غوانتانامو بلا تهم، بلا أدلة، بلا سبيل للحرية. واليوم في المملكة المتحدة يُبقى الناس رهن الحبس الاحتياطي لفترات ممتدة، أحيانًا سنوات، فيُؤجل مواعيد المحاكك، ويصبح الزمن نفسه عقابًا، سلاحًا يُوجَّه ضدّ السجناء وعائلاتهم.
ثم تأتي العزلة.
في غوانتانامو صُممت العزلة لكسرنا: شهور أحيانًا سنوات بلا تواصل إنساني ذي معنى. صمت يضغط على جمجمتك. صمت يهدف إلى محوّك. في سجون المملكة المتحدة، يُفصل المضربون عن الطعام، يُنقلون، يتعرّضون للتحرش. تُسلب منهم الروتين والاتصال. تُقدَّم العزلة كإجراء أمني. هي ليست كذلك. هي عقاب. هي وسيلة سيطرة.
ثم تأتي الرقابة. تأخيرات في الرسائل. مكالمات تُقطع. زيارات تُقيَّد. معلومات مُرشّحة. تُترك العائلات في ظلام. يُجبر المحامون على الكفاح من أجل أدنى حقوق الزيارة. في غوانتانامو، كانت كل كلمة تخرج من المعسكر مراقبة. وفي المملكة المتحدة، يستمر نفس الغريزة: تحكّم بالسرد، تحكّم بالشخص.
ثم تأتي الإكراه الطبي. في غوانتانامو رُوِض الإضراب بالقوة: قيود، كراسي تقييد، أنابيب تُدفع عبر الأنف إلى المعدة بينما تُثبت الحراس أطرافنا. سُمِّي ذلك رعاية طبية. كان عنفًا. عنفًا مقصودًا ومُحطِّمًا صُمم لجعل المقاومة لا تُحتمل.
تحبّ المملكة المتحدة أن تُظهِر غوانتانامو كخطأ أمريكي بعيد ومنقضٍ. لم يكن كذلك. كان مختبرًا. نُقلت منه التجارب. استُوعِبت وطُبّعت. والآن تُطبَّق داخل سجونهم.
ترى ذلك في الحبس الاحتياطي المطوّل.
ترى ذلك في قوانين المُحظورة التي تلوى لتجريم الاحتجاج.
ترى ذلك في استخدام السجون كمخازن: أماكن لتضمين الناس بلا نهاية بينما تستغرق الدولة وقتها في بناء ملف.
وترى ذلك في التعاون الهادئ بين الأنظمة. غوانتانامو غذّت المواقع السوداء. المواقع السوداء غذّت شرطة مكافحة الإرهاب المحلية. تتكرر نفس المنطق مرارًا. في أماكن مثل «أليغاتور ألكاتراز» في فلوريدا. وفي سجون بريطانية تحتجز ناشطين سياسيين بموجب قوانين الإرهاب. أعلام مختلفة. نفس دفتر المسرحية.
الإساءة تنتقل أسرع من المساءلة.
شاهدت حكومات تدرس بعضها، تتبادل التقنيات، تصقل اللغة، تتعلّم كيف تحجز الناس قانونيًا، كيف تمدّ القانون دون أن تقطعه. السلطةا تتعلّم كيف تبدو بشرية بينما تمارس اللامبالاة. كيف يُقضَى على المعارضين تحت عباءة «النظام»؟
ليس الحديث هنا عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياسات السجناء. المسألة أعمق: هل لسلطةٍ ما أن تختفي بأناس قبل محاكمتهم، تعزلهم، تفرض عليهم الرقابة، ثم تعاقبهم لأنهم رفضوا أن يتعاونوا مع محوهم؟ إذا كانت بريطانيا تُصرّ على أنها ليست غوانتانامو، عليها أن تثبت ذلك بأفعال لا ببيانات.
إنهوا الحبس الاحتياطي الممتد دون محاكمة.
أوقفوا العزل كإجراء رداً على الاحتجاج.
أعدوا الوصول الكامل للمحامين وللعائلات.
قدّموا رعاية طبية تحفظ الحياة لا سياسات تُعرّضها للخطر بصمت.
استمعوا إلى المضربين عن الطعام. قابلوا عائلاتهم وجهاً لوجه.
ألغوا قوانين «الإرهاب» التي تُستخدم لتجريم الاختلاف، وتمديد تبعات التهمة بقرينة الجوار، وإخفاء الناس خلف لغة بدل الأدلة.
ألزموا أعضاء البرلمان بقطع الصمت وتحمل المسؤولية.
هذه مطالب ليست متطرفة؛ إنها الحد الأدنى — الأرضية لا السقف — لأي مجتمع يدّعي احترام حقوق الانسان.
انا لا أكتب هذا من موقع المراقب المحايد. أكتب من موقع عايشٍ لنهاياتٍ مماثلة. أتكلم بصراحة، بلا تورية ولا مسافة. أنظمة من هذا النوع لا تصحّح نفسها، ولا تتوقف عن الخطيئة بدافع الحياء؛ تتوقف فقط حين تُواجه مباشرة وبدون خوف. الآن.
أرفض الصمت. أشارك في إضراب الجوع تضامناً. أفعل ذلك لأنني أتعرف على آليات هذا النظام؛ لأنني أعلم أن غوانتانامو لم تنتهِ بل انتشرت، واستوطنت سجوناً وقوانين وحكومات أخرى تخدع نفسها بأنها أفضل. أقف مع المقهورين ضد الظالم ليس رمزاً أو لافتة، بل واجبٌ نالتهُ بالنجاة. أفعل ذلك لأنني قادر، ولأن الصمت يجعلني شريكاً.
الإضراب عن الطعام ليس مسألة طعام؛ إنه مسألة كرامة وعدالة. إنه اعتراض على الحبس الاحتياطي كعقاب، وعلى الصمت كسياسة، وعلى دولةٍ تظن أن الانتظار يُحطّم الناس ويُبعدهم بصمت. تظن أن الصمت سيحميها ويطهرها — لن يفعل.
أُؤيّد المضربين عن الطعام. لن أغضّ النظر. لن أخفف من قسوة الحقيقة. لن أتحلّى بالودّ تجاه موتٍ بطيء يُنفّذ في مبانٍ نظيفةٍ ولغة قانونية.
لن أسمح بمحوهم. أطلقوا سراح المضربين عن الطعام!
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي صاحبه ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.