ما لفت نظر ترامب: نفط فنزويلا، وليس اتهامات بالاتجار بالمخدرات أخبار التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا

لأسابيع صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولون في إدارته أن الخطاب والتصعيد العسكري تجاه فنزويلا يهدفان إلى مواجهة تدفّق المخدّرات. لكنّ الأدلة الوفيرة، بما فيها أقوال ترامب بعد اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، تشير إلى أن المصلحة الحقيقية لواشنطن تكمن في الاحتياطيات النفطية الضخمة التي تملكها فنزويلا — الأكبر عالمياً، وتُقدّر بحوالى 303 مليارات برميــل.

الادعاء المضاد: المخدرات أم النفط؟
في البداية قدّم البيت الأبيض العملية على أنها حملة لمكافحة المخدّرات واعتقال «فارّين مُذكّرين» بتهم تتعلق بتجارة المخدرات. ومادورو مُلاحَق من قِبل محاكم جنوب مقاطعة نيويورك بتهم تتضمّن التآمر للاتجار بالكوكايين و«ناركو-إرهاب»، بحسب لائحة الاتهام. لكنّ بعد ساعات من الضربات الأمريكية على كاراكاس التي أودت بحياة عشرات المدنيين من عمال ومدنيين، تحوّل الخطاب علناً إلى الحديث عن النفط والسيطرة الأمريكية المحتملة على فنزويلا.

ترامب لم يخفِ نيته: في مؤتمر صحفي من مقرّه في مار-ألاجو قال إن الولايات المتحدة «ستدير البلاد» مؤقتاً، وستعيد بناء البنى التحتية النفطية وتستخرج ثروة هائلة من باطن الأرض لبيعها لعملاء عالميين، بمن فيهم خصوم مثل الصين وروسيا. وفي آنٍ معاً وصفت إدارة ترامب مادة الفنتانيل المهربة من فنزويلا بأنها «سلاح دمار شامل» وأطلقت ضربات جوية على قوارب اتُّهِمت بنقل مواد مخدّرة.

الحكم الداخلي والاستمرارية الإدارية
لم يكن اختطاف الرئيس سبباً فورياً لتبدّل واضح في تركيبة السلطة الفنزويلية. أوصى المجلس الدستوري في المحكمة العليا بتعيين نائبة الرئيس ديلسي رودريغز (ديلسي رودريغز) رئيسة بالإنابة «لضمان استمرارية الإدارة والدفاع الشامل عن الوطن» أثناء صياغة إطار قانوني للمستقبل. وكنائبٍ كانت تشغل وزارات المالية والنفط في آن واحد، مما منحها سلطة واسعة على اقتصادٍ متهاوٍ وجهود تأهيل قطاع النفط المتراجع بفعل العقوبات وسوء الإدارة.

يقرأ  بعد ثماني سنوات من الحفر… اكتشاف حمّام روماني يوصف بأنه «الأكثر عظمة»

النفط هدف مركزي
ما تريده واشنطن من أي سلطة بديلة هو على الأرجح النفط. إدارة ترامب ومسؤولون آخرون صاغوا خطاباً مفاده أن نفط فنزويلا يُعامل كـ«نفط أمريكي» بسبب تأميم قطاع النفط في العقود الماضية الذي طرد عدداً من الشركات الأمريكية. قال ترامب صراحة: «أخذوا حقوقنا في الطاقة، أخذوا نفطنا ليس منذ زمن بعيد، ونريد استعادته». تُعدّ موازنات التكلفة المحتملة هامة بالنسبة له؛ فقد أكد أن احتياطيات النفط ستغطي كلفة العملية العسكرية وأيّ «أضرار» زعمتها واشنطن.

العقوبات وأثرها على الإنتاج
النفط حيوي لاقتصاد فنزويلا، وواشنطن استغلت أهميته للضغط على كراكاس قبل وبعد اختطاف مادورو. كانت العقوبات الأمريكية على النفط محور سياسة واشنطن منذ 2017، بما في ذلك إدراج شركة النفط الوطنية «بتروليوس دي فنزويلا» (PDVSA) على قوائم الحظر وقيود على شحن المذيبات الضرورية للخام الثقيل. تُعرضت سلاسل النقل والتجارة لعقوبات متعددة، وفُرضت حصارات أوقفت ناقلات ملوَّحة بالعقوبات، ما أدى إلى حجز بعض الناقلات فعلياً.

نتيجة ذلك أن صادرات فنزويلا تراجعت كثيراً: في نوفمبر بلغت صادراتها نحو 950 ألف برميل يومياً، ثم هبطت إلى نحو 500 ألف برميل يومياً بفعل «الحظر النفطي» والإجراءات اللاحقة، وفق أرقام أولية تعتمد على تتبّع حركة السفن. بالمقارنة، مُصدّرو نفط كالسعودية وروسيا يصدّرون ملايين البراميل يومياً.

آفاق الانتعاش وإمكانية العودة
فرانسيسكو رودريغيز، الرئيس السابق للمستشارية الاقتصادية في الجمعية الوطنية الفنزويلية، يعتبر الذهب والاحتياطات النفطية من أعمدة الأمل في الانتعاش الاقتصادي. قال إن رفع العقوبات وإزالة العقبات أمام المستثمرين قد يعيد الإنتاج إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً خلال ثلاث إلى خمس سنوات، إذا أُعيدت الثقة واستُثمر رأس المال اللازم؛ حالياً الإنتاج دون مليون برميل يومياً. بحسب تقديره، تحتاج الإدارة الأمريكية أولوية لإصلاح قطاع النفط وإعادة الاقتصاد إلى مسار قابل للإدارة قبل أي تسليم فوري للسلطة للمعارضة، لأن الانتقال السياسي المباشر من دون قاعدة اقتصادية قد يؤدي إلى فوضى.

يقرأ  عامل سلامة القفز بالحبل المطاطي يروي تجربته على قمة أعلى جسر في العالم

انعكاسات على أوبك والأسواق العالمية
على المدى القصير لا تغيّر التطورات في فنزويلا كثيراً قواعد لعبة منظمة البلدان المصدِّرة للنفط (أوبك)، لكن المشهد قد يتبدّل مع الوقت. لا تملك فنزويلا قدرة فورية على رفع الإنتاج بسبب بنية تحتية متقادمة: آبار معطلة ميكانيكياً، وحقول تحتاج إلى عمليات إصلاح كاملة أو حفر جديد بدلاً من مجرد إعادة تشغيل، إضافة إلى توقف الصيانة الروتينية بعد الحظر. الخام الثقيل لا يتدفق أو يُصدّر من دون مذيبات أمريكية محظورة، ومستودعات الخزن وعمليات المزج والترقية تعمل تحت طاقة فعلية منخفضة، ما يخلق عنق الزجاجة.

نظرياً، إذا أمكن لفينزويلا الموجّه إليها من قبل الولايات المتحدة أن تسرّع الانتعاش النفطي، فقد يواجه أوبك وفرة معروضة تضطر المنظمة بسببها إلى تعديل الحصص، ما يمنح واشنطن تأثيراً غير مباشر لكنه كبير داخل التجمع وعلى سلاسل الإمداد العالمية، ويخلّ بتوازن دقيق حرصت الدول الأعضاء على الحفاظ عليه سنوات.

تداعيات إقليمية: طهران والرياض
عودة نفط فنزويلا المزدهرة إلى الأسواق ستكون لها حسابات إقليمية: إيران، التي خسرت دعماً في محور «المقاومة» بعد تراجع حلفائها، تواجه ضربة إضافية إذا عاد نفط كراكاس إلى السوق بأسعار تنافسية. طهران نفسها تعمل بظرف عقوبات غربية مُشدّدة، وتصدر الجزء الأكبر من إنتاجها عبر أساطيل خفية وبخصومات كبيرة إلى الصين؛ عودة النفط الفنزويلي يمكن أن تُقلّص مزايا النفط الإيراني.

أما السعودية، فبينما لم تكن حليفة وثيقة لمادورو، فإن أي عودة قوية لإمدادات فنزويلا قد تساهم في زيادة العرض العالمي وخفض الأسعار، ما قد يضطر الرياض إلى خفض الإنتاج للحفاظ على القيادة السعرية في سوق النفط العالمي.

الخلاصة
الخطاب الرسمي الأمريكي عن مكافحة المخدرات لا يناقضه واقع المصالح الاقتصادية: النفط يبقى الهدف الاستراتيجي المركزي. العقوبات، وتدهور البنى التحتية، وقيود الشحن حفرت الفجوة بين احتياطيات فنزويلا الهائلة وإمكاناتها التصديرية الفعلية. أي تغيير سريع في الحيازة أو الإدارة النفطية للفنزويلا سيُحدث انعكاسات واسعة على الأسواق العالمية وعلى موازين النفوذ الإقليمي — وهي نتائج قد تُشعل صراعات جيوسياسية واقتصادية معقدة في السنوات القادمة.

يقرأ  هجمات ترامب على فنزويلا تثير قلق المكسيك