تأتي زيارة لي جاي ميونغ إلى بكين في هذا التوقيت كخطوة سياسية واستراتيجية مهمة تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات مع أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية بعد فترة من الاحتكاك والبرود.
سيجري الرئيس الكوري لقاءً ثنائياً مع الرئيس الصيني شي جين بينغ لمناقشة قضايا عدة، على رأسها الأمن الإقليمي ومسألة الحظر غير الرسمي على الثقافة الشعبية الكورية، إضافة إلى سعي سيول للحصول على ضمانات بعدم تحويل الروابط الاقتصادية إلى ورقة ضغط في أوقات التوتر السياسي.
الخلاف الدبلوماسي بين بكين وطوكيو حول موقف الصين من تايوان وضع كوريا الجنوبية، بصفها قوة إقليمية محورية وحليف للولايات المتحدة، في مأزق دبلوماسي شديد التعقيد. وقد احتدت النبرة الصينية تجاه اليابان بعد اقتراح رئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكائيشي إمكان تدخل قواتها الدفاعية الذاتية رداً على اعتداء صيني محتمل على تايوان.
وصل لي إلى بكين الأحد، ويشارك يوم الاثنين في مأدبة رسمية يستضيفها شي، قبل أن يلتقي رئيس الوزراء لي تشيانغ ورئيس المجلس الوطني تشاو ليجي، ثم يتجه الى شنغهاي. أثناء حديثه أمام الجالية الكورية في بكين وصف الزيارة بأنها “نقطة انطلاق جديدة لسد الثغرات في العلاقات الكورية‑الصينية، وإعادتها إلى وضع طبيعي والارتقاء بها إلى مستوى أرفع”.
تعد هذه أول زيارة لرئيس كوري جنوبي إلى الصين منذ 2019، وقد شهدت العلاقات توتراً واضحاً خلال ولاية سلفه يون سوك يول الذي اتسم بموقف نقدي لاذع تجاه بكين. من جهته، يعكس حرص شي على لقاء لي الضغوط التي تواجهها بكين في البحث عن حلفاء إقليميين، وفق بارك سونغ تشان، أستاذ دراسات الصين في جامعة يونغين؛ فالصين، رغم مراوغاتها الدبلوماسية، تطلب من الشركاء مواقف أكثر وضوحاً في مقاربة اليابان.
تستفيد بكين من التاريخ المشترك لصراع الدولتين مع اليابان خلال القرن العشرين لتعبئة الشعور القومي، ومن المتوقع أن يشارك لي في مراسم إحيائية في شنغهاي تكريماً للنشطاء الذين كافحوا من أجل استقلال كوريا عن اليابان. ورغم التبجيل الصلبي الذي تُظهره سيول لبكين، فإن هدفها الاستراتيجي هو تقوية علاقاتها مع كل من الصين واليابان في آن واحد.
تحافظ سيول على توازن دقيق في علاقاتها مع بكين وطوكيو؛ ويُتوقع أن يقوم لي بزيارة لليابان لاحقاً هذا الشهر للقاء تكايتشي. وأكد مسؤول الأمن القومي الكوري وي سونغ‑لاك أن بلاده “تحترم سياسة الصين الواحدة”. كما سيشكل ملف الأمن على شبه الجزيرة الكورية بنداً مركزياً في المحادثات مع الجانب الصيني.
سعى لي إلى حوار دبلوماسي مع بيونغ يانغ، لكن التقدم ظل محدوداً، مما يحتم عليه الاعتماد على تعاون بكين للضغط على كيم جونغ أون للتخلي عن برنامجه النووي، لا سيما أن الصين تبقى، بعد روسيا، الداعم الأكبر اقتصادياً ودبلوماسياً للنظام في الشمال. وفي هذا السياق قال لي إن “الصين شريك مهم للغاية في التحرك نحو السلام وتوحيد شبه الجزيرة الكورية”.
في وقت قريب من الزيارة أبلغت القوات الكورية أن بيونغ يانغ أطلقت صواريخ باليستية قبالة ساحلها الشرقي، فيما أوردت وكالة الأنباء الرسمية أنها اختبرت صواريخ فرط صوتية لتقييم قدراتها كوسيلة ردع في ضوء المتغيرات الجيوسياسية. وقد أدانت بيونغ يانغ توقيف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واصفة إياه بتعد خطير على السيادة.
يبقى من غير الواضح مدى قدرة لي على الضغط على الصين بشأن ملف الشمال، لا سيما بعدما تعهد شي في سبتمبر بتعزيز “الصداقه التقليدية” مع بيونغ يانغ. ولا تشكل سيول وبكين حلفاً طبيعياً: فوجود قوات أمريكية في كوريا الجنوبية منذ عقود والتعاون الأخير بشأن بناء غواصات نووية أثارا حفيظة بكين ودفعت إلى تحذيرات دبلوماسية متبادلة.
تتضمن الملفات الخلافية الأخرى قيود الصين غير الرسمية على الموسيقى والدراما الكورية، التي استمرت نحو عقد من الزمن، ما جعل محتوى الكي‑بوب والدراما الكورية صعب الوصول أو محجوباً على منصات الإعلام الصينية. وترتبط هذه القيود برد فعل على نشر كوريا الجنوبية لنظام الدفاع الصاروخي الأمريكي عام 2016، الذي تعتبره الصين تهديداً لعملياتها العسكرية في المنطقة.
يُعتبر إقناع بكين برفع هذه القيود أولوية على جدول أعمال لي، فالسوق الصينية ضخمة بالنسبة للصناعات الثقافية الكورية التي تحقّق نجاحاً عالمياً واسع النطاق. كما يسعى لي إلى كبح توسع المنشآت البحرية الصينية في المياه المشتركة بين البلدين؛ حيث تبرر بكين هذه المنشآت بأنها معدات لتربية الأسماك، لكن سيول تعبّر عن مخاوف أمنية حقيقية إزاءها.