الأحداث في اليمن تتسارع بوتيرة درامية نحو صدامات مسلحة بين التحالف العربي الداعم للحكومة المعترف بها دولياً بقيادة الريّاض، وبين ما يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» المدعوم من الإمارات. هذا التصاعد لا يغيّر الواقع فحسب، بل يعمّق حالة الانقسام ويضع البلد أمام متغيرات جديدة قد تطول مستقبل اليمن والمنطقة.
ينظر كثيرون إلى هذه التطورات على أنها نتيجة تراكمية لمسار طويل من التعقيدات منذ اندلاع الحرب الأهلية نهاية 2014، وما ترتب عليها من آثار إنسانية واقتصادية. التدخلات الخارجية ساهمت في خلق فوضى سياسية وإدارية مكّنت الانقسامات الداخلية من التوسع، وأضعفت ما تبقّى من مؤسسات الدولة الشرعية، حتى فقدت أدوات سيادتها الأساسية: وحدة التراب ومواءمة القرار، ما زاد المشهد تعقيداً وجعل اليمن عرضة لتداعيات ممتدة.
ومع ذلك، ثمة من يرى الصورة من زاوية أقل سوداوية؛ فجُرأة رد الفعل على خطوات المجلس الانتقالي، من قِبل رئيس الجمهورية (رئيس مجلس القيادة الرئاسي) والتحالف العربي بقيادة الريّاض، تُعد متغيراً جديداً ومهماً، ومغايراً للطريقة التقليدية في التعامل مع كثير من الانحرافات. ومن هنا أمل في أن تفتح هذه المرحلة فسحة لتصحيح اختلالات وتجاوزات تراكمت خلال التدخل الذي امتد لأكثر من عقد.
في الشمال، يراقب الحوثيون المشهد بصمت ظاهر، كمن ينتظر حصيلة ما يجري ليعيد ترتيب أوراقه. هم يدركون أن أي انقسام داخل التحالف وضرب لوحدة الحكومة الشرعية يصب في صالحهم، لذلك، بحسب تقارير متعددة، هم يكثّفون استعداداتهم العسكرية، يعيدون تموضع قواتهم ويفرّقونها على محاور الاشتباك، خصوصاً في مأرب من الشمال الشرقي، وفي تعز وباب المندب في الجنوب الغربي، تحضيراً لساعة الصفر.
لفهم انفجار الخلاف بين الحليفين الرئيسيين لابد من استرجاع خلفية الصراع: في آذار/مارس 2015 قادت السعودية تحالفاً عربياً مؤلفاً من عشر دول للتدخل في اليمن تحت شعار «دعم الشرعية»، بهدف استعادة سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي من سيطرة الحوثيين. وفي بداية التدخل حقق التحالف انتصارات ميدانية ملموسة، لكن سرعان ما ظهرت اختلافات جوهرية بين الرياض وأبو ظبي.
تجسد الخلاف جزئياً في استراتيجية الإمارات التي بنت نفوذاً عبر تشكيل وتدريب وتمويل قوى محلية موالية لها، استخدمتها لتحقيق مصالحها المستقلة عن الحكومة الشرعية وأحياناً عن التحالف نفسه. خلال سنتين فقط سيطرت هذه القوى، بدعم إماراتي، على منافذ بحرية استراتيجية في الجنوب والشرق، وصولاً إلى الساحل الغربي لمحافظة تعز ومضيق باب المندب. وعلى مدار أكثر من عشر سنوات، نجحت أبو ظبي في بناء قوة عسكرية ميدانية مؤثرة عبر مليشياتها، فاصبحت أقوى قوة على الأرض وأكبر تهديد لمصالح حليفها السعودي والنظام الذي دعمه في بداية التدخل. ويمكن القول إن الرياض ارتكبت أخطاء استراتيجية قاتلة عبر الصمت والتسامح إزاء هذا التمدد، مكتفية في كثير من الأحيان بدور وسيط لحل النزاعات، حتى وصلت الأمور إلى الانفجار الحالي.
التصعيد العسكري الأخير بدأ عندما استولى المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً في أوائل كانون الأول/ديسمبر على محافظتي حضرموت والمَهرة شرقي البلاد. لقد أثار ذلك غضب السعودية ودفعها للخروج من دبلوماسية التهدئة التقليدية، إذ اعتبرت أن أي تراجع أمني في المحافظتين يهدد أمنها القومي بسبب قرب الحدود والامتداد الجغرافي. وصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي تلك الخطوات بأنها «إجراءات أحادية غير مقبولة»، وطالب التحالف بالتدخل العسكري ضمن الصلاحيات الممنوحة له بموجب إعلان نقل السلطة (أبريل 2022).
ردّ التحالف كان بالغ الكثافة؛ إذ شنت مقاتلاته ضربات على معدات عسكرية وصلت بحراً من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا في حضرموت، وفي اليوم ذاته أعلن الرئيس رشاد العليمي حالة الطوارئ وطلب من الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن، فيما أعلنت أبو ظبي لاحقاً سحب ما تبقى من قواتها — علماً أنها كانت قد أعلنت سابقاً في أكتوبر 2019 عن تقليص قواتها. تصاعدت الأحداث سريعاً بعدما رفض المجلس الانصياع للمطالب بسحب قواته من المحافظتين، مدفوعاً بحسٍّ بأنه إن تراجع الآن فستتداعى مشروعه الانفصالي.
سؤال مشروع يطرح نفسه: لماذا يصرّ المجلس على البقاء رغم الضربات والتهديدات؟ الإجابة تكمن في جوهر مشروعه الانفصالي؛ فانسحاب قواته من حضرموت والمهرة يعني ـ عملياً ـ ضربة قوية لمشروع إقامة دولة جنوبية مستقلة، واحتلال هاتين المحافظتين كان بمثابة خطوة محورية نحو هذا الهدف، ما جعل التراجع أمراً بالغ الصعوبة سياسياً ونفسياً لدى أنصاره.
مع مطلع العام الجديد بدأت قوات برية تحت عنون «درع الوطن» شكّلها الرئيس في 27 يناير 2023 بدعم سعودي التحرك لتحرير المحافظتين تحت غطاء ودعم جوي من طائرات التحالف. بالمقابل، تحرّكت ألوية العمالقة المدعومة إماراتياً من ساحل تعز الغربي لتعزيز مواقع المجلس في حضرموت. وفي خضم هذا التصعيد، بادر رئيس المجلس عيدروس الزبيدي (الذي هو أيضاً عضو في مجلس القيادة) بإصدار ما سُمّي «إعلان دستوري» في 2 يناير 2026، أعلن فيه قيام «دولة الجنوب العربي» المستقلة لفترة انتقالية مدتها سنتان.
حتى الآن تجاهلت المؤسسات الرسمية المحلية والإقليمية والدولية هذا الإعلان إلى حدّ كبير، وتوزّعت ردود فعل اليمنيين تبعاً لانتماءاتهم؛ فرأى الانفصاليون فيه تتويجاً لأحلامهم، بينما استهجنه معارضوه، وصفوه بالقفزة فوق الواقع ومحاولة للهرب من القواعد القانونية المحلية والدولية. واعتبره آخرون مناورة يائسة لتخفيف الضغوط الداخلية والتزامات المجلس تجاه من كانوا ينتظرون وعد الانفصال، بعد أن بانت صعوبة تحقيق ذلك على أرض الواقع عقب التطورات الأخيرة.
بغض النظر عن الوضع القانوني للإعلان، فمن المؤكد أن له انعكاسات سياسية واقتصادية وإدارية لن تكون بسيطة: سيعمّق الانقسام بين النخب والمجتمع (شمالاً وجنوباً)، ويهدد بقاء الأطر القانونية للدولة اليمنية، ويصعّب إدارة مؤسساتها الهشّة. والأهم، أنه يعرقل المعركة الأساسية لإعادة بناء الدولة وتخفيف معاناة اليمنيين بعد عقد من الحرب والانهيار.
المشهد اليمني إذن يزداد تعقيداً؛ الأحداث تتسارع، المواقف تنفجر، وردود الأفعال تتصاعد، ولا يعرف أحد بدقّة إلى أين ستقود هذه الديناميات اليمن. أما الحوثيون فربما يستثمرون أي انقسام داخل التحالف لصالحهم، والرهان على أن تسوية شاملة تتطلب تماسكاً إقليمياً وتوافقاً داخلياً ما يزال بعيد المنال في ظل هذا التوتر المتصاعد.
الآراء الواردة في هذا النص تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.