إعلان البيت الأبيض وملخص الموقف
أعلن البيت الأبيض أن غرينلاند باتت تُعامل كأولوية تتعلق بالأمن القومي الأمريكي، بهدف ردع «الخصوم» المفترَضين في منطقة القطب الشمالي، وفق بيان صدر يوم الثلاثاء. جاء هذا البيان بعد أيام من تصريح للرئيس دونالد ترامب أمام الصحفيين على متن «اير فورس ون» بأنّ الولايات المتحدة «بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي لأنها مغطاة بسفن روسية وصينية في كل مكان».
ما قاله ترامب وما تلاه من إجراءات
كرر ترامب خلال ولايته الثانية رغبةً متواصلة في ضم غرينلاند أو ضمّها فعلياً إلى النفوذ الأمريكي لأسباب أمنية. وشرح بيان البيت الأبيض أن الإدارة تدرس مجموعة من الخيارات لتحقيق هذا الهدف الخارجي، مضيفاً أن «استخدام القوة العسكرية يبقى دائماً خياراً متاحاً لِقائد القُوات». تصريحات كهذه أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول مدى جدية الولايات المتحدة وإمكانات اللجوء إلى وسائل قسرية.
ردود غرينلاند والدنمارك
قادة غرينلاند والدنمارك ردّوا بحزم مراراً على أي حديث عن بيع أو تنازل عن الجزيرة. قالت رئيسة وزراء الدنمارك ميتّيه فريدريكسن في الرابع من يناير إن الحديث عن سيطرة أمريكية على غرينلاند «لا معنى له إطلاقاً»، مؤكدة أن للولايات المتحدة «لا حق في ضم أي من دول مملكة الدنمارك» في إشارة إلى غرينلاند وجزر فارو. ومن جهته كتب رئيس وزراء غرينلاند أن العلاقات بين الأمم تُبنى على الاحترام المتبادل والقانون الدولي، وليس على إيماءات رمزية تتجاهل وضع وحريات شعب غرينلاند.
السياق الاستراتيجي وأهمية الجزيرة
تكتسب غرينلاند أهمية استراتيجية عدة: موقع جغرافي بين المحيط القطبي الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي، قربها النسبي من ساحل أمريكا الشمالية، وغناها بالموارد المعدنية النادرة والمواد الخام الحيوية المستخدمة في التكنولوجيا المتقدمة وصناعة البطاريات. كما تُعدّ أقصر ممَرٍّ محتمل بين أمريكا الشمالية وأوروبا، مما يمنح تحكّماً استراتيجياً لشبكات الإنذار المبكر للصواريخ وللوجود العسكري.
الوجود العسكري والمصالح الاقتصادية
تستضيف غرينلاند قاعدة أمريكية، وقد أعربت واشنطن عن رغبة في توسيع وجودها العسكري عبر نشر منظومات رادارية ومراقبة في الممرات البحرية بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، كمحاولة لتعقّب سفن قد تنطلق من روسيا أو الصين. في المقابل، يعتمد اقتصاد الجزيرة بدرجة كبيرة على الصيد، وقد وجد قطاع التنقيب عن المعادن مقاومة من السكان الأصليين الإنويت الذين يرفضون استخراج النفط والغاز على نطاق واسع.
هل تتواجد سفن روسية أو صينية حول غرينلاند؟
رغم حديث ترامب عن «سفن روسية وصينية تغطي غرينلاند»، فإن بيانات تتبع السفن المتاحة عبر منصات المراقبة البحرية لا تُظهر حالياً تراكيز لسفن روسية أو صينية قرب سواحل الجزيرة بما يبرر ذلك الوصف.
الخطر الروسي والصيني: تقييم الموقف
يأتي كلام ترامب في ظل تنافس متزايد في القطب الشمالي، حيث يفتح ذوبان الجليد موارد وممرات بحرية جديدة. روسيا توسّعت عسكرياً وبنّت منشآت وبنى تحتية في المنطقة، وتسعى إلى تطوير طريق الشمال البحري لتعزيز تجارتها مع آسيا. الصين، بدورها، أرسلت بعثات علمية وبناء سفن بحثية سعياً لاقتفاء فرص ملاحية وتجارية بديلة. هذا التنافس يجعل المنطقة منظراً لتصاعد النفوذ، لكنه لا يبرهن بالضرورة على وجود تهديد فوري بقوة احتلال أو سيطرة مباشرة على غرينلاند.
الخلاصة
تتقاطع في ملف غرينلاند مصالح أمنية واستراتيجية واقتصادية تحفّها حساسية سياسية ودبلوماسية: مصالح أمريكية تسعى لتأمين ممرات ومواقع استراتيجية وموارد، ومقاومة محلية ودنماركية ترفض المساس بسيادة الجزيرة. وفي الوقت الذي تتردّد فيه أصوات عن وجود سفن معادية تحيط غرينلاند، فإن المعطيات العينية الحالية لا تؤكد انتشاراً واسعاً لسفن روسية أو صينية قرب السواحل. يبقى السباق على الموارد والممرات البحرية في القطب الشمالي قضية متصاعدة تستدعي مراقبة دولية دقيقة وتفاوضاً متعدد الأطراف لتجنّب تصاعد التوتر العسكري.