غابرييلا بوميروي، أليشيا كاري و أدريان موري — في كوبنهاغن
ميا تشيمنيتز
ميا تشيمنيتز تقول: «شعب جرينلاند لا يريد أن يصبح أمريكياً». وتؤكد لمراسلة بي بي سي: «نحن لسنا سلعة تُشترى أو تُباع».
ميا، وهي صاحبة مشروع صغير تبلغ من العمر 32 عاماً وتقيم في نوك، تعبّر عن شعور الكثيرين في العاصمة ومناطق أخرى من الجزيرة تجاه اللهجة التي اتبعتها إدارة ترامب مؤخراً.
البيت الأبيض اعترف أنه كان «يناقش بنشاط» عرض شراء الإقليم الذي ظل لقرون تحت السيادة الدنماركية، فيما ألمح الرئيس دونالد ترامب ومسؤولون في إدارته في وقت سابق إلى أن استخدام القوة قد يكون خياراً إذا لزم الأمر.
ردّ فعل سكان جرينلاند تراوح بين القلق والاستنكار — على الجزيرة نفسها وفي الشتات. هذا القلق تفاقم بعد تحرّك عسكري غير مسبوق شمل نقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مقر إقامته في كاراكاس إلى نيويورك بتهم تتعلق بالمخدرات والإرهاب الناشط في تجارة المخدرات.
بعد ذلك مباشرة، ألمحت زوجة أحد كبار موظفي البيت الأبيض إلى أن جرينلاند قد تكون الوجهة التالية. تقول توبارناك كوبِك، البالغة من العمر 40 عاماً والتي انتقلت للعيش في كندا — وهي دولة أخرى هدّد ترامب بضمّها —: «حينها توقّف الأمر عن أن يكون مجرد فكرة مجردة».
وتضيف: «لأول مرة اتصلت بأختي في جرينلاند وأخبرتها أنه إن حدث المستحيل فستجد مكاناً عندنا للإقامة».
آجا تشيمنيتز، النائبة عن جرينلاند في البرلمان الدنماركي، اعتبرت تصريحات الإدارة الأميركية «تهديداً واضحاً» وأعربت عن استيائها الشديد. وتقول: «من غير المقبول من جانب الولايات المتحدة ألا تستبعد ضم بلدنا، ومن غير المقبول التفكير في ضم حليف في حلف الناتو».
توبارناك تقول إن التدخل العسكري في فنزويلا جعل التهديد يبدو واقعياً. جرينلاند، التي تعد أقل الأراضي كثافة سكانية في العالم، يعيش معظم سكانها البالغ عددهم نحو 56 ألفاً في نوك والساحل الجنوبي الغربي، بينما يغطي الجليد معظم مساحة الجزيرة.
ومع ذلك، تكمن أهمية جرينلاند الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة في موقعها بين أمريكا الشمالية والمنطقة القطبية، ما يجعلها موقعاً مناسباً لمنظومات الإنذار المبكر ضد الصواريخ، ولهذا بدا للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية أنها منطقة ذات أهمية عسكرية جعلت تواجدها هناك مستمراً.
وايضا ازداد الاهتمام مؤخراً بموارد جرينلاند الطبيعية، بينها معادن الأرض النادرة التي أصبح الوصول إليها أسهل مع انحسار الجليد بسبب تغير المناخ.
ماسانا إيجيدي، رئيس تحرير صحيفة Sermitsiaq، يصف الوضع قائلاً: «ليس من السهل أن يكون المرء 56 ألف نسمة ويتلقّى تهديدات من عملاق مثل الولايات المتحدة». ويضيف: «مواطنو جرينلاند متوترون بشأن هذا الأمر لأنه ليس شيئاً نتعامل معه باستخفاف».
يتفق الخبراء في الغالب على أن استيلاء عسكري أميركي على جرينلاند قد يكون سهلاً من الناحية العملياتية، لكن التداعيات الجيوسياسية ستقود عملياً إلى انهيار حلف الناتو.
بعد أن عاد الموضوع إلى الواجهة بمبادرة البيت الأبيض، أصدرت ست من الحلفاء الأوروبيين بياناً أكدوا فيه أن مستقبل جرينلاند يجب أن يقرّره شعبها بنفسه — وهو ما عبرت ميا عن امتنانها له. لكنها تخشى أن يكون لهذا البيان قيمة ضئيلة إذا لم يترافق مع عقوبات وخطوات عملية.
وتتساءل ميا بمرارة: «بوصفنا جرينيين، ماذا تساوي مكانتنا لدى هؤلاء الحلفاء؟ إلى أي مدى مستعدون للدفاع عنا؟»
توبارناك تقول: «الاحترام يتعدّى كونه تحالفات على الورق، عندما تتحدث الدول القوية عنا بدل أن تتحدث معنا فإن ذلك الاحترام يتلاشى سريعاً».
أليكاتسياق بيري، صياد إنويت عمره 42 عاماً، يقيم في مدينة قاناك النائية شمالاً، ويصف احتمال سيطرة أميركية بأنه مجرد استبدال مُحتل بآخر. يقول: «سيكون مجرد تبديل سُلطة بأخرى، نحن مستعمرون تحت حكم الدنمارك بالفعل ونخسر الكثير».
ويضيف بأن قلقه الأكبر عملياً هو تأثر سبل العيش: الصيادون الذين يصطادون على الجليد ويصطادون السمك باتوا يجدون صعوبة في الكسب لأن الجليد البحري يذوب.
لدى ماسانا رأي آخر: خطاب الولايات المتحدة يفرض على المشهد ثنائية زائفة بين خيارين لا يعكسان ما يريده الشعب الجريني. «لا يجب أن نسمح بترويج قصة تجعل جرينلاند مضطرة للاختيار بين أميركا والدنمارك، فهذا ليس خيار شعبنا».
كريستيان كيلدسن من جمعية رجال الأعمال في جرينلاند يقول إن الناس بدأوا يشعرون بالغضب من هذا التصعيد: «السكان مضيافون ومنفتحون، وهذه أفضل خصال بلدنا، لكن الآن بعض الناس خائفون».
ويلفت إلى أن العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة لا تحتاج إلى ضم: هناك رحلات مباشرة جديدة بين جرينلاند ونيويورك، ما يدلّ على أن «الأميركيين لا يضطرون لاحتلالنا».
ميا تختتم بالقول: «نحن ديمقراطية تعمل بشكل جيد وحكومتنا تملك تفويضاً قوياً. نحن حليف في الناتو والولايات المتحدة ظلت لها قواعد عسكرية هنا لأكثر من سبعين عاماً وما زالت تملك حق إقامة قواعد جديدة وإدارتها». وتردف: «كما قيل مراراً من جرينلاند: نحن لسنا للبيع، لكننا منفتحون على التعاون والتجارة».