بعد غرور المجلس الانتقالي الجنوبي، يبتعد حلم جنوب اليمن أكثر أخبار الصراع

عند الهبوط في مطار عدن الدولي خلال زيارة أواخر 2017، كانت الطائرة تحمل علمين ظاهرين أثناء تحركها على المدرج: علم الجنوب السابق، الذي أعيد تداوله رمزًا لحركة الانفصال الجنوبي، وعلم الإمارات العربية المتحدة، الداعم الرئيسي لتلك الحركة. أما علم الجمهورية اليمنية فلم يلحظه المرء سوى بعد الخروج من عدن باتجاه مدينة تعز شمالًا، حيث بَدَت له ملامح قليلة عند بعض النقاط.

تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في أيار/مايو 2017، بقيادة عيدروس al‑زُبيدي، وأعلن بوضوح أن هدفه النهائي الانفصال عن بقية اليمن، حتى وإن تلاقى أحيانًا مع الحكومة اليمنية في المواجهة ضد الحوثييين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء. بحلول 2019 خاض المجلس والسلطة معارك في عدن ومناطق جنوبية أخرى؛ وفاز المجلس عمليًا طاردًا الحكومة من عدن — العاصمة السابقة للجنوب والحاضرة التي كانت الحكومة أعلنتها عاصمة مؤقتة خلال الحرب ضد الحوثيين.

استمر زخم المكاسب في صالح المجلس لسنوات تالية، إذ بسط نفوذه على مساحات إضافية. وحتى بعد انضمام الزبيدي إلى المجلس الرئاسي السعودي‑المدعوم كنائب للرئيس، ما جعله رسميًا جزءًا من حكومة الجمهورية، ظل الواقع الميداني يشير إلى سيطرة فعلية للمجلس على جزء كبير من أراضي الجنوب السابق. بدا الزبيدي قريبًا من تحقيق أهدافه عندما أعلن، خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، أن “الحل الأفضل لليمن” هو حل الدولتين.

لكن الأمور خرجت عن هذا المسار عندما دفع الشهر الماضي قوات المجلس نحو محافظتي حضرموت والمهرة شرقي البلاد، محاولة بسط السيطرة على كامل الجنوب السابق — خطوة كانت خطًا أحمر بالنسبة للسعودية. النتيجة أن القائد بات على فرار، وقوات انتقلت ولاؤها إلى الحكومة اليمنية تسيطر الآن على معظم الجنوب، وتحالفات عديدة تغيّرت وجهتها.

يقرأ  فنزويلا تُجهّز نشرًا عسكريًا واسعًا تحسبًا لهجوم أميركي — نيكولاس مادورو

من جهتها، بدا أن الإمارات قبلت أن السعودية هي اللاعب الأبرز في الساحة اليمنية، فخطت خطوة إلى الوراء — على الأقل في الظرف الراهن.

ماذا الآن بشأن جنوب اليمن؟

في غضون أسابيع قليلة تبدل المشهد: ما كان أمرًا واقعًا انفصاليًا صار يبدو أبعد من أي وقت منذ بدايات الحرب اليمنية في منتصف العقد السابق. قبل أيام قليلة فقط أعلن الزبيدي عن فترة انتقالية لمدة عامين تمهيدًا لاستفتاء على استقلال جنوب اليمن وإعلان دولة “عرب الجنوب”. بعدها ظهر الانقسام داخل المجلس؛ فعبد الرحمن المهرمي (أبو زُرعة)، عضو المجلس الرئاسي، يقيم الآن في الرياض ويبدو أقرب إلى المعسكر السعودي.

تحاول الحكومة اليمنية، بدعم سعودي، إعادة تنظيم القوى العسكرية المناهضة للحوثييين تحت قيادة موحدة وبقية أوضاع تخرجها من حالة التشتت والتعددية القيادية إلى قوة موحّدة تحت مظلة الحكومة. هناك إشارات إلى معالجة “القضية الجنوبية” — الإحساس بالإقصاء الذي تراكم منذ الحرب الأهلية القصيرة بين الشمال والجنوب عام 1994 — ومن المقرر عقد مؤتمر في الرياض لمناقشتها.

ومع ذلك، فإن الهدف النهائي لتيار الانفصال الجنوبي المتشدد — الانفصال الكامل — بات خارج الطاولة في الظروف الراهنة، بينما يتشكل توافق تدريجي حول نموذج جمهوري اتحادي يمنح تمثيلًا إقليميًا واسعًا وصلاحيات محلية أقوى.

ترى الحكومة أيضًا فرصة لاستثمار الزخم الذي اكتسبته مؤخرًا ضد المجلس للانقضاض على مواقع الحوثييين في الشمال الغربي المكتظ بالسكان — رغم أن ذلك يظل هدفًا طموحًا وصعب التحقيق. وبالطبع هذه اليمن؛ قد تتقلب الرياح مرة أخرى.

يبقى تأييد الانفصال قويًا في محافظات مثل الضالع، التي ينحدر منها الزبيدي، ولا يتوقع أن يرضخ أنصار المجلس الموالون والمتشددون بسهولة، ما يترك احتمال اندلاع حركة مقاومة مسلحة أو تمرد في المستقبل. كما على الرئيس رشاد العليمي أن يثبت أن سلطته لا تقوم فقط على القوة العسكرية السعودية؛ أحد أهم امتحانات شرعيته سيكون قدرته على العودة مع حكومته إلى عدن لتكون مقراً للحكم داخل اليمن للمرة الأولى منذ سنوات.

يقرأ  من المتوقع أن تُسقَط التُهم عن إسحاق رايت بعد اعتقاله على يد شرطة نيويورك

هذه هي المحكّ الحقيقي أمام السلطة اليمنية: هل تستطيع أن تستعيد السيطرة الفعلية كاملة؟ أم أن التطورات الراهنة ليست إلا نكسة مؤقتة للمجلس وجماعة الانفصال، تنتظر فرصة للانقضاض من جديد؟