بعد ساعات قليلة من اقتحام قوات خاصة أميركية لقصر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإزاحته عن السلطة، ظل دونالد ترامب مندهشاً وهو يتابع بثّاً مباشراً للعملية من مقرّه في مار‑أ‑لاجو.
شارك ترامب انطباعاته مع قناة فوكس نيوز، مُشادّاً بسرعة العملية وعنفها، واصفاً أداء القوات بأنه «عمل مذهل لا يُجيد مثله إلا هؤلاء الناس».
الرغبة في انتصارات سريعة تبدو جزءاً لا يتجزأ من حسابات الرئيس؛ فقد تباهى قبل أن يتولّى الحكم لدورة ثانية بأن إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا سيكون عملاً يستغرق يوماً واحداً فقط. وفنزويلا، وفق ما عرضه ترامب، تحقّق له نصرَ السرعة والحسم الذي ينشده.
مادورو الآن في زنزانة في بروكلين، وأعلن ترامب أنّ الولايات المتحدة ستُدير شؤون فنزويلا، وأنّ النظام الشافيزّي، تحت إدارة رئيس جديد، سيسلّم ملايين البراميل من النفط وسيخضع توزيع العوائد لرقابته. وكل ذلك، بحسب السرد حتى الآن، تم من دون سقوط قتيل أميركي أو احتلال طويل ذي تبعات كارثية كما حصل بعد غزو العراق عام 2003.
في المرحلة الراهنة، يبدو أن ترامب ومستشاريه يتجاهلون، على الأقل علناً، تعقيدات الواقع الفنزويلي؛ بلد أكبر من ألمانيا، محكوم بتحالفات وتفتيت داخل النظام نفسه، حيث باتت الفساد والقمع جزءاً من بنية السياسة هناك.
ترامب يستمتع بما يمكن تسميته «نشوة جيوسياسية». ومن على جانبيه في مار‑أ‑لاجو بدا كل من ماركو روبيو وبيتي هِغسِث يشاطرانه هذا الزهو، ثم كرّروا لاحقاً أنّ ترامب رئيس يفعل ما يعد به.
أرسل ذلك رسالة تحذير إلى كولومبيا والمكسيك وكوبا وحتى غرينلاند والدنمارك: عليكم أن تكونوا متوجسين من مدى اتساع شهيته التالية.
العادة أن يلقّب ترامب خصومه بأسماء مستفزة — لا يزال يختزل سلفه في لقب «جوي النعسان» — والآن دحرج تسمية جديدة لمبدأ مونرو الذي مثّل أساس السياسة الأميركية في أمريكا اللاتينية منذ قرنين: سماه بنفسه «دونرو».
مبدأ مونرو الأصلي، الذي أعلنه الرئيس الخامس للولايات المتحدة في ديسمبر 1823، جزم بأن نصف الكرة الغربي هو مجال اهتمام أميركا وجاء بتحذير للسلطات الأوروبية من التدخّل أو إقامة مستعمرات جديدة. لكن «دونرو» يضع رسالة مونرو التي مضى عليها مئتا عام على منبّه أعلى.
في مار‑أ‑لاجو صرّح ترامب بينما كان مادورو مثقلاً بالأصفاد ومعصوب العينين في طريقه إلى السجن: «مبدأ مونرو مهم، لكننا تجاوزه بكثير… بموجب استراتيجيتنا الأمنية الجديدة، لن يُعاد التشكيك أبداً في هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي».
مادورو وزوجته سيليا فلوريس محتجزان الآن في نيويورك، وفق ما نقلت وكالات الأنباء.
أية قوة منافسة أو تهديد محتمل، وبالأخص الصين، مطالب بأن تبقى خارج المشهد في أمريكا اللاتينية. يظل من غير الواضح كيف سيتعامل الادّعاء الأميركي هذا مع الاستثمارات الضخمة التي ضختها بكين بالفعل في المنطقة.
«دونرو» يوسّع أيضاً الرقعة التي تعتبرها واشنطن «فناءها الخلفي» ليشمل الشمال وصولاً إلى غرينلاند.
الصيغة المكافئة لمخطوطة مونرو عام 2026 ظهرت في صورة نشرتها وزارة الخارجية الأميركية لتبدو فيها صورة لترامب عابس الوجه، مصحوبة بعبارة مفادها أن «هذا نصف كرتنا الأرضية — والرئيس ترامب لن يسمح بأن تُهدد أمننا». الترجمة العملية لذلك هي استخدام القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية لإرغام الدول والقادة الخارجين عن الخط — وأحياناً للاستحواذ على مواردهم إذا لزم الأمر. ولعب ترامب دور التحذير المباشر حتى مع رئيس كولومبيا، إذ لم يتورّع عن لغة تصف الحاجة لـ«مراقبة مؤخرة» بعض الحلفاء.
غرينلاند على رادار واشنطن ليس لاعتبارات جيوسياسية بحتة فحسب، بل أيضاً لثرواتها المعدنية النادرة التي صار الوصول إليها ممكناً أكثر مع ذوبان صفائح الجليد بفعل التغيير المناخي. النادرات الأرضية من غرينلاند والنفط الخام الثقيل من فنزويلا تُعتبران أصولاً استراتيجية لدى صانعي القرار الأميركيين.
على عكس رؤساء أميركيين تدخلوا عسكرياً في السابق، لا يختبئ ترامب وراء شرعية دولية، ولو كانت واهية، أو خلف شعارات نشر الديمقراطية. الشرعية الوحيدة التي يقرّ بها هي قوة إرادته المدعومة بالسلطة الخام للولايات المتحدة.
من مونرو إلى دونرو: تُشكّل المذاهب السياسية خارطة أفعال الرؤساء الأميركيين وترسم إرثهم.
في يوليو المقبل ستحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 سنة على تأسيسها. وفي عام 1796 أعلن جورج واشنطن أنه لن يسعى لولاية ثالثة مُوجِّهاً خطاب وداع ظل يتردّد صداه عبر الأزمنة، محذِّراً فيه من أخطار التحالفات الدائمة والانقسام الحزبي الحاد داخل البلاد. مجلس الشيوخ ما زال يعيد قراءة خطاب الوداع سنوياً كطقس تجريدي من السياسة الحادة التي تفرزها اللحظة الأميركية الراهنة.
تحذير واشنطن من التحالفات المتشابكة صار مُتبعاً لنحو 150 عاماً إلى أن غيّرت الحرب العالمية الثانية موقف الولايات المتحدة فحولتها إلى قوة عالمية، ومن هنا برز مبدأ آخر له تأثير كبير على علاقة أميركا بأوروبا: مبدأ ترومان.
بحلول 1947 كان الصراع البارد مع الاتحاد السوفييتي قد تجمّد، وأبلغت بريطانيا المديونة واشنطن أنها لم تعد قادرة على دعم الحكومة اليونانية في مواجهة الشيوعيين. فاستجاب الرئيس هاري ترومان بالتزام أميركي تجاه «الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات الخضوع بواسطة أقليات مسلحة أو ضغوط خارجية». هذا التوجه أفرز خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا وأدى، في 1949، إلى تأسيس حلف الناتو. المحافِظون الأطلسيون في الولايات المتحدة، أمثال ترومان والديبلوماسي جورج كينان — صاحب فكرة احتواء الاتحاد السوفييتي — رأوا في هذه الالتزامات مصلحة وطنية أميركية.
ثمّة خط مباشر يصل مبدأ ترومان بقرار جو بايدن تمويل جهود أوكرانيا العسكرية اليوم.
لكن ترامب يبدو عازماً على تقويض ما بنته علاقة ما بعد ترومان مع أوروبا. وإذا ما أقدم على تهديده بالاستحواذ، بأي طريقة كانت، على غرينلاند — إقليم يخضع للسيادة الدنماركية — فقد يُقضي عملياً على ما تبقّى من التحالف عبر الأطلنطي.
في هذا السياق اختصر المستشار القوي لترامب ستيفن ميلر الفلسفة الأسبوع الماضي على شبكة سي إن إن بالقول إن العالم «يُحكم بالقوة، بالقوة القاسية، بالقوة فقط… هذه هي قوانين العالم الحديدية منذ فجر التاريخ».
لا رئيس أميركي كان لينكر الحاجة إلى القوة. لكنّ خلفاء فرانكلين روزفلت وترومان والعديد من القيادات اللاحقة كانوا يعتقدون أن أفضل طريقة للحفاظ على القوة هي قيادة تحالف يتطلّب بعض العطاء والتنازل. دعموا الأمم المتحدة وسعوا لوضع قواعد لتنظيم سلوك الدول. صحيح أن الولايات المتحدة انتهكت كثيراً من مبادئ القانون الدولي، لكنهم على الأقل لم يسعوا إلى طمس فكرة أن النظام الدولي بحاجة لتنظيم، مهما كانت عيوبه ونقائصه.
ذلك يعود إلى الدروس القاسية للنصف الأول من القرن العشرين، حيث حكم الأقوى أدى إلى حربين عالميتين وملايين القتلى.
تركيب أيديولوجية «اميركا أولاً» لدى ترامب مع غرائز التاجر الطامع والصفقاتية دفعاه إلى استنتاج أن على حلفاء أميركا أن يدفعوا ثمن امتياز رضاه. تبدو كلمة «صداقة» مبالَغاً فيها؛ فمفهوم المصالح الأميركية، كما يصفه الرئيس، يقضي بأن تبقى الولايات المتحدة هي الأعلى بمفردها.
ترامب كثير التقلّب في مواقفه، لكن ثباتاً واحداً يبدو جليّاً: إيمانه بأنه يمكن للولايات المتحدة أن تستخدم قوتها مع الإفلات من العقاب. وهو يرى في ذلك السبيل لإعادة «عظمة» البلد.
المخاطرة هنا أن استمراره في هذا المسار قد يدفع العالم إلى الوراء نحو زمن الإمبراطوريات: عالم تفرض فيه القوى الكبرى نفوذها في مناطق تأثير، ويقود الزعماء القوميون السلطويون شعوبهم إلى كوارث تاريخية.