نظرة عامة:
عندما تُبعد المدارس المعلّمين والمعلّمات المخضرمون بحجة السن، فإنّها تخسر الخبرة والرؤى والمنظور الذي قد يعزّز العملية التعليمية ويحسّن نتائج التلاميذ بشكل جذري.
عندما بلغتُ الستين استلمتُ بطاقة تهنئة طريفة: على الغلاف حكم يصفر ويصرخ «أنت كبير!»، وفي الداخل نفس الحكم مشيراً بإصبعه وراء ظهره ويقول «أنت خارج!»؛ هكذا يبدو مصير الكبار أحياناً — طردٌ من اللعبة. وفي اللحظة التي يكون لديهم فيها تراكم الخبرة والفهم لتحليل اللعبة وتحسين أداء الفريق، يُتوقّع منهم أن يصبحوا غير مرئيين وغير مسموعين.
تتداخل عدة عوامل لتجعل من فكرة «انتهاء» الكهولة أمراً مقبولاً. فالشباب يريد فرصته، وهناك ضغوط اجتماعية متوقعة للتنازل؛ كما أن الموظفين الأكبر سناً يكلفون أكثر، مما يولّد ضغوطاً اقتصادية؛ بل إن كثيراً من كبار السن يساهمون بأنفسهم في هذا التصوّر—فهم يعلنون عن رغبتهم في التقاعد، يتحدثون عن الإرهاق واستعدادهم لمتابعة اهتمامات أخرى. والأسوأ أن عدداً منهم فعلاً يصبح أقل إنتاجية لأنّه متشبّث بالماضي، غير راغبٍ في فهم الحاضر أو تخيّل مستقبلٍ لا يشبه الماضي. هؤلاء غالباً يرفضون التقاعد ويصبحون مصدر نفور الشباب منهم.
ما يُفقدنا حقاً هو الخزينة المعرفية للأشخاص الذين ما زال لديهم فهم ورؤية قد تُحدثان تحوّلات حقيقية في مهنهم لو من أُتيح لهم المجال. كثيراً ما تُغفل هذه الإمكانيات لأن الافتراض العام أن للكبار ما يُقال عنه قليل القيمة. التصوّر يشكّل الواقع: الفكرة نفسها إن نطقت بها شفتا خمسٍ وأربعين سنة تفاوتت في الأثر لو نطقها شخص في السبعين. وبالطبع، لأنّ الأفكار التحوّلية تحتاج غالباً الى تجربة النضج، فمن غير المرجّح أن يُعبّر عنها صاحب الخامسة والأربعين. قد يكون هذا النقص في الحكم الناضج سبباً رئيسياً في بطء التقدّم وعودة البشر مراراً إلى أخطاءٍ سابقة وإعادة اختراع العجلة.
خلال السنوات الماضية تابعتُ رجلاً متقاعداً حاول تغيير ثقافة هوكي الناشئين ليقلّل الإصابات. أفكاره ليست جديدة فحسب؛ بل ثورية نظراً لتاريخ اللعبة وثقافتها.
توم بابسون — ممثل ومعلّم ولاعب هوكي طوال معظم حياته (مراحل الصغار والمراهقين والثانوي والجامعة والدوري شبه الاحترافي والبالغين)، ومدرّب لفريق نسائي في كلية بوسطن ومدرّب لهوكي الشباب — يمتلك معرفة عميقة باللعبة. لكنه أيضاً دفع ثمناً جسدياً كبيراً: ستة عشر ارتجاجاً في الدماغ، أوّلها عندما كان في السادسة من العمر. والآن، وقد تجاوز الثمانين، يعرف الكثير عن الارتجاجات والأمراض العصبية التنكّسية: صداع مزمن، غضب، اكتئاب، وضعف إدراكي جزئي.
ورغم تقدمه في السن ومعاناته، أمضى سنواتٍ طويلة بعد اعتزاله يبحَث ويحلّل أسباب الإصابات الخطيرة في هوكي الناشئين. رغم صعوبة التعبير أحياناً، أفكاره منطقية ومبنية على خبرة طويلة. قبل سنوات قدّم استنتاجاته وحلولَه لمسؤولين في اجتماعات اتحاد الهوكي الأميركي لاتحاد الولايات المتحدة (USA Hockey) واتحاد ماساتشوستس للهوكي (Mass Hockey).
بدلاً من الوقوع في سجال الاتهامات المعتاد — هل المدربون هم الملامون أم الحكام؟ — اقترح بابسون استراتيجية تبدّل اللوم بالتواصل. استراتيجية مبنية على فهم عميق للعبة وثقافتها، وعلى منظورٍ جديد تولّده التجربة والشيخوخة. لم يكن يرى هذه الأمور بوضوح وهو منغمس في صخب التدريب؛ ولم يكن يمكنه ابتكار هذه الاستراتيجية وهو في الخامسة والأربعين. كانت فكرته ستُخفّض الإصابات عبر تغيير جوهري في العلاقات بين اللاعبين والمدرّبين والحكام والجمهور، ومعالجة أسباب تصاعد العنف في المباريات.
المسؤولون استمعوا إليه، باركوا عليه بلطف، وربما دفعهم شفقٌ طفيف لإتاحة المجال له، ثم أعطوه طريقه بلا تنفيذ. رأوا رجلاً مسناً يكافح لاستعادة كلماته، فاعتبروه عديم الحيلة. لم يستجيبوا لعرضه لتجربة الحلول عملياً. العمل استمر كما اعتاد؛ وفي السنة التي تلت عرض بابسون أصيب نحو 12,590 لاعباً في المرحلتين الإعدادية والثانوية بإصابات رياضية خطيرة. مؤلم مشاهدة إحباطه وعجزه ويأسه، وهو يُطرح جانباً كما لو رُمِي في سلة قمامة مثل والدي هام في مسرحيّة «نهاية اللعبة» لصموئيل بيكيت.
مثل بابسون، كثيرون من كبار المهنيين، حتى إن لم يكن لديهم إصابة دماغية، يجدون أن وتيرة العمل بدوام كامل تفوق طاقاتهم؛ «لم يعودوا تلك القوة التي في الأيام الخالية كانت تحرّك السماوات والأرض». فقد فقدوا مناصبهم وهيبتهم التي كانت تمنح صوتهـم وزناً لا يُستهان به. ومع ذلك، كثيرٌ منهم—الذين يواكبون أحدث الأبحاث والتفكير في مجالهم—ما زالوا مصدراً غير مستغلّ للأفكار العميقة والرؤى الإبداعية والابتكارات العملية. مجتمع يهمّش التجاعيد والآثار كدلائل على شيخوخة مملة قد يبدو عصرياً أو طريفاً أو «كول»، لكنه في الحقيقة إهدار فادح لقدراتٍ ثمينة ومistryً.