مفكرة المراسل
يروي رسول سِردار عطاس، مراسل قناة الجزيرة، مشاهد من مدينة حلب مع تصاعد موجة الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية.
وصلت إلى حلب فجرَ الأربعاء بعد ورود تقارير عن مواجهات عنيفة بين الجيش والقوات الكردية-القيادة. ما صادفته كان أفظع مما توقعت: قصف مدفعي ثِقيل ومستمر، وانفجارات متلاحقة تملأ الأفق بالدخان والغبار. تعرّض فريقنا لأربع هجمات؛ أصاب رصاصةٌ معدّاتِنا في مكانٍ ما، وكنا نحاول التنقّل بأقصى سرعة لتحاشي النار.
جذور الصراع تتعلّق بمطالبة الحكومة باندماج قوات سوريا الديمقراطية، التي تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، داخل مؤسسات الدولة، وفق اتفاق أُبرم بين الطرفين في مارس الماضي. الخلافات عديدة حول سبل التنفيذ، وعلى رأسها حجم القوة التي ستُلحق بالجيش وعدد المقاتلين الذين سينضمون إلى المؤسّسات المدنيه.
إحساس طاغٍ باليأس
تركّزت المعارك في أحياء مكتظة بالسكان في حلب، خصوصاً الأشرفية والشيخ مقصود، التي يقطنها نحو أربعة مئات ألف نسمة. خلال أربع وعشرين ساعة من اندلاع القتال، نزحت مئة وستون ألف شخص عن بيوتهم — مشهد يشبه الخروج الجماعي. في ذروة الاقتتال يوم الخميس، تحوّلت الشوارع إلى ممرات خطرة؛ الأطفال يصرخون وقد تلبّستهم الذعرة، والأسر تمسك بأيدي بعضِها وملابسِها كي لا تَفقد بعضها بعضاً في الزحام.
سمعتُ من رجل مسنّ أنه «رأى ما يكفيه» بعد قرابة خمسة عشر عاماً من الصراع: «اللهم خُذ روحي لأرتاح»، قالها بصوتِ كسير. ووقعت امرأة مسنّة، بالكاد تستطيع المشي، أرضاً وسط الجموع فتداس تعثّراً، ورأيت ابنها ينهار باكياً وهو يحاول انتشالها.
لمحت في المشاهد صدى ما شهدته حلب في 2014 خلال هجوم «داعش» على كوباني: إحساسٌ غامر باليأس والعجز، وكأنّ النهاية تلوح في الأفق.
هدنة قصيرة العمر
اتفقت الأطراف المتحاربة صباح الجمعة على هدنة مؤقتة، ووافقت قيادة قوات سوريا الديمقراطية على أن يفرّغ مقاتلوها أسلحتهم الثقيلة ويرحَلوا من المنطقة. لكن عند وصول الحافلات لنقلهم اندلعت اشتباكات جديدة، وتكرّرت الحادثة عند عودة الحافلات لاحقاً. مصادرنا أكّدت أن الانقسام داخل صفوف قسد، ورفض فصائل أكثر تشدّداً تسليم السلاح، كان وراء فشل التهدئة. انتهت المفاوضات بفرض الحكومة مهلة نهائية حتى السادسة مساءً (15:00 بتوقيت غرينتش) لخروج المدنيين المتبقين وإلا ستستأنف العمليات العسكرية ضد أهداف لقسد، ومنذ ذلك الحين تجدد القتال بكثافة في الشيخ مقصود.
الحكومة، التي تحرص على تجنّب أي انطباع بتحويل التركيبة السكانية، كرّرت وعودها بأن العودة ستكون متاحة للجميع بعد تطهير المنطقة من المقاتلين. ونفت أن تكون المعركة صراعاً عرقياً بين عرب وأكراد، مؤكّدة أنها نزاع بين قوات نظامية وقوة مسلّحة غير دولة.
بين الأمل والخوف
اليوم يجلس أهل حلب على حافة أملٍ وخوف؛ يأملون أن يثمر اتفاق بين قسد والجيش عودةً إلى منازلهم، لكن بعد خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية يخشون أن تتكرر المآسي وتدور عجلة التاريخ مجدداً.