توفيت الرسّامة الكولومبية بياتريس غونزاليس، إحدى أبرز الفنانات في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، يوم الجمعة في منزلها في بوغوتا عن عمر يناهز ثلاثة وتسعين عاماً. وأعلنت غاليري بيتر كيلشمان، ممثلتها المُقيمة في زيورخ، نبأ الوفاة من دون الإفصاح عن سببها.
كان عمل غونزاليس واسع النطاق وكاسحاً للقيود الفنّية؛ تجرّأ على محظورات التصوير واعتمد لوحة ألوان اعتُبرت في كثير من الأحيان صارخة أو مزعجة للعين. لاقت شهرتها الأولى في ستينيات القرن الماضي حين أعادت صياغة تحف من تاريخ الفن، ثم انقلبت في ثمانينيات القرن نفسه نحو لوحات صريحة سياسياً تنتقد السلطة وأعمال العنف التي احتلّت عناوين الصحافه.
نادراً ما تيسّر تصنيف فنّها وفق تصنيفات مسبقة: أعمال الستينيات والسبعينيات التي أعادت فيها إنتاج لوحات محبوبة لرافائيل وليوناردو دا فينشي بلون مبالغ فيه ودرجات حيوية، وُصفت أحياناً بكونها ضمن تيار البوب آرت، لكنها نفسها نفت أي ارتباط حقيقي بالحركة. ومع انصراف عدد من فناني ذلك الجيل إلى التركيبات والنُصُب، بقيت غونزاليس متمسّكة بوسيلة الرسم، متجاتمة مع احتجاجات عصرها لكنها محافظة على مدوّنتها الفنية.
«نعم، أحياناً أرى نفسي متعدّية لا تناسب زمانها»، قالت غونزاليس في مقابلة مع تيت مودرن عقب مشاركتها في معرض «العالم يدخل البوب» عام 2015، ذلك العرض الذي وسّع من أفق القاعدة العالمية لحركة البوب آرت.
صارت مكانتها دولية مع مرور الوقت: شملت مشاركاتها دورات مثل Documenta 14 عام 2017، وتظاهرة متحف الفن الحديث في نيويورك حين أعيد تنظيم مجموعته عام 2019؛ كما أقيمت لها معارض استعادية في تلك السنوات، وتوفيت بينما تجوب الآن معرض استعراضي ثالث سبق أن افتُتح في بناكوتيكا ساو باولو وسيفتتح في فبراير في مركز Barbican بلندن، وسيزور لاحقاً متحف Astrup Fearnley في أوسلو.
وُلدت غونزاليس عام 1932 في مدينة بوكارامانغا، التي اعترفت مراراً بتأثيرها العاطفي والبصري على أعمالها: «أغمض نصف عينَيّ فأرى ألوان بوكارامانغا التي رأيتها طفلة… ألوان لوحاتي هي ألوان غروب الشمس التي كنت أتفرّج عليها مع والدي». نشأت في فترة تيّسمت بالعنف الأهلي المعروفة باسم لا فيولينسيا، وظهر اهتمامها بالفن مع دراستها الثانوية، لكنها امتنعَت في البداية عن دراسته في الجامعة لأنها «لم ترد قضـاء وقت في تعلّم ما اعتقدت أنّها تعرفه بالفعل».
بدأت مسيرتها الجامعية بدراسة العمارة في الجامعة الوطنية في كولومبيا، لكنها تركت الدراسة بعد شعورها بالملل نتيجة اقتصار منهاجها على مقرر واحد في تاريخ الفن. عادت إلى بوكارامانغا وتنوّعت وظائفها: عملت في مصنع تبغ، وصمّمت واجهات عرض، وغير ذلك، قبل أن يشجّعها والدها على التفرّغ للفن فتسجّلت عام 1957 في برنامج التصميم الغرافيكي بجامعة الأنديز.
انطلقت شهرَتُها الحقيقية في ستينيات القرن الماضي بأعمال مثل سلسلة «Los suicidas del Sisga» (1965)، المستوحاة من صور صحفية لزوجين شابين انتحرا برمي أنفسهما في سد سيسغا بدافع اعتقاد ديني عن النقاء؛ اعتمدت غونزاليس صور الصحافة كمادة أولية، فحوّلتها إلى لوحات ضبابية الحواف، إشارة إلى فقدان التفاصيل الناتج عن إعادة نشر الصورة في الصحف والمجلات. هذا الاهتمام بصور الإعلام ظلّ محوراً ثابتاً في مسيرتها الفنية.
ثم انصرفت إلى ثقافة البوب واستعادت تركيبات تاريخ الفن لتُدخلها إلى سياق محلي مختلف. ففي عملها «Diez Metros de Renoir» (1977) أعادت رسم لوحة رينوار Bal du moulin de la Galette بحجم أكبر من الأصل، ثم قطعتها وبيعَت بالمتر والسنتيمتر، في إيماءة ساخرة إلى إمكانية سلعة الرمز الفني وتداوله.
كانت تجربة السبعينيات أحياناً أكثر غرابة: أدرجت نسخاً من أعمالها داخل مرايا تسريحات، وهياكل أسرّة وقطع أثاث أخرى، فاعتبرتها بعض الأصوات في بينال ساو باولو 1971 عاماً «فنّاً هامشياً»، كما وصفتها السِيدة مُرتا ترابا آنذاك.
مع دخول ثمانينيات القرن الماضي انقلبت اهتماماتها نحو أحداث راهنة واضطرابات سياسية، فقصت صوراً من وسائل الإعلام تخصّ رئيس الجمهورية جوليّو سيزار تورباي أيالا، فأنتجت عملاً واسع النطاق بعنوان «Interior Decoration» (1981): لوحة على ستارة مثّلت الرئيس في احتفال بين ضيوف متعددين، مركّبة من صور متفرقة ومباعة بالمتر لتقترح أن الرؤساء قابَلون للتكرار والبيع والتقليد، ولتُفهم على أنها نقد صريح لإدارته—وهي التي تذكّر بمراقبة شرطية مشدّدة على افتتاحيات معارضها في تلك الفترة.
كان حصار قصر العدل عام 1985 على يد جماعة M-19 نقطة فاصلة في عملها؛ إذ أدّى الحادث، بحسب قولها، إلى «تغيّر بحريّة» في حساسيتها الفنية، فتخلّت عن السخرية لصالح جديّة أعمق. «ما صدمني حقاً كان كيف قُتِلَت العدالة ذاتها»، علّقت على المجزرة التي أودت بعشرات القتلى أثناء محاولات الجيش قمع المهاجمين الذين احتجزوا المحكمة العليا.
في الأعوام اللاحقة تناولت غونزاليس موضوعات إنسانية حزينة: مناصرة حقوق الإنسان يولاندا إسكويردو، وأمهات يبكين على ضحايا مجزرة لاس ديليسيا في 1996، إلى مشروعها الطموح عام 2007 «Auras anónimas» الذي ملأ أكثر من ثمانية آلاف نيحة في مقبرة بوغوتا بصور مطبوعة لصُنّاع يحملون الجثث—رمزاً لوجع البلاد ولفواجع الحرب. قالت إن تجربتها مع النقش الحريري اليدوي سمحت لها باستنساخ صور متكررة تشكّل رمزاً لما كان يحدث في البلاد.
لم تقتصر مساهمتها على اللوحة فحسب؛ فقد عملت قيّمة في المتحف الوطني للكولومبيا، ولعقدين كانت مستشارة لمتحف فنون بنك الجمهورية، وساهمت في توسيع مجموعاته، كما أدارت البرنامج التربوي في متحف الفن الحديث في بوغوتا. لكن عبء الخلود الفني ظل من نصيب لوحاتها؛ ففي معرضها الاستعادي الذي زار بوغوتا عام 2019 وصفها القيّم الكولومبي يوجينيو فيولا بأنّها «واحدة من أكثر الفنانين الكولومبيين تأثيراً على قيد الحياة».
على الرغم من الشهرة والجرأة في تعبيرها، كانت تصف غونزاليس نفسها غالباً بأنها شخصية خجولة ومحافظة؛ «من طباع الخجولين أننا عادةً محجوزون جدًا، لكن عندما نريد أن نقول شيئاً نفجُر كالقنبلة»، كما قالت في حديثها مع أماليا بيكا.
بقيت أعمالها شاهدة على قدرة الفنّ على مواجهة النسيان وتحوّل الصور الصحافية إلى ذاكرة جماعية، وستظلّ إرثها محور نقاش ومعاينة عالمية في السنوات المقبلة—موروث فنيّ صلب خالٍ من التنازلات، رغم أنه كان دائماً، كما قالت هي نفسها، خارجَ وقتِه أحياناً.