حظر إسرائيل عمل المنظمات غير الحكومية في غزة سيخلّف تداعيات كارثية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

أعمل لدى لجنة الأصدقاء الأمريكيين للخدمة (AFSC)، وهي منظمة كويكرية متواجدة في غزة منذ أكثر من 77 عاماً. بدأت منظمة AFSC عملها عام 1948 بطلب من الأمم المتحدة لتنظيم جهود الإغاثة للفلسطينيين الذين طُردوا من أراضيهم خلال النكبة.

خلال العامين التاليين، ساهم موظفو المنظمة في غزة بتأسيس وإدارة عشرة مخيمات للاجئين في الفلوجة والبريج ودير البلح ومدينة غزة وجباليا والمغازي والنصيرات وخان يونس ورفح. عمل الفريق على توفير الغذاء والمأوى والصرف الصحي، إضافة إلى إطلاق برامج تعليمية للأطفال.

على مدار العقود التالية، امتدت برامج AFSC لتشمل دعم التنمية الزراعية، رياض الأطفال، تدريب القابلات، المساعدات الإنسانية وعلاج الصدمات. ومنذ بداية ما تصفه إسرائيل بـ«الإبادة» في 2023، قدّم موظفو المنظمة في غزة أكثر من مليون وجبة، وطرود غذائية، وخضروات طازجة، وطرُز نظافة، وإمدادات أساسية أخرى.

اليوم، ولأول مرة منذ 1948، تواجه AFSC مع عشرات المنظمات الدولية خطر الحظر من قِبل الحكومة الإسرائيلية، ما يهدد عملاً إنسانياً يُنقذ أرواحاً ويعرّض خدمة حيوية لخطر الاندثار. سيكون لذلك أثر مدمر على أهل غزة، وفي توقيت أسوأ لا يمكن تصوره.

إبادة مستمرة

لم تتوقف عمليات القتل الجماعي في غزة. رغم تهدئة نسبيّة، تواصل القوات الإسرائيلية شن غارات وبرامج تفتيش وهدم واسعة عبر أرجاء القطاع. منذ بدء التهدئة في 10 تشرين الأول، تسببت هذه الهجمات بمقتل أكثر من 420 فلسطينياً وإصابة أكثر من 1,150 آخرين.

ولا تقتصر المأساة على القصف فقط؛ فقد جرفت الفيضانات عشرات الآلاف من الخيام، ولا تزال المنازل المتضررة تنهار فوق أصحابها. كما أن غياب الأدوية والرعاية الصحيّة الملائمة يفتك بالمرضى؛ إذ توفي نحو 600 مريض يعانون أمراض الكلى نتيجة انقطاع العلاج.

في الوقت نفسه، تواصل إسرائيل منع دخول الملاجئ المؤقتة والأدوية والإمدادات الضرورية الأخرى.

يقرأ  لماذا كانت أبرز عمليات إعادة تصميم هوية العلامات التجارية في 2025 تتم في الخفاء

هذه الممارسات تُعزّز سياسة إسرائيلية قديمة ترمي إلى تهجير سكان غزة وضمّ الأرض تدريجياً. السياسات الجديدة المشدّدة في التسجيل ومحاولات تقييد أو حظر المساعدات الدولية جزء من هذا المسعى. إسكات الأصوات الإنسانية المستقلة وتفكيك البنية التحتية للمساعدات يخلقان واقعاً يجعل الحياة في غزة مستحيلة. لا تستطيع غزة أن تنهض أو تزدهر بدون إعادة إعمار شاملة تستعيد منظومة الصحة والتعليم والبنية التحتية الحيوية.

قبل أسبوعين فقط من بدء التهدئة، استهدفت غارة جوية منزل عائلتي، ففقدت تسعة من أقاربي المقربين بينهم شقيقان لي وأزواجهما وأطفالهما.

عندما تواصلت مع من نجا من العائلة بعد ذلك، قالوا لي عبارة «الخِفّة في المسؤولية الآن» — تعبير استخدموه ليعبروا بأن عدد من يجب العناية بهم تقلّ. منذ ذلك الاتصال، لم يفارقني سؤال ما معنى المسؤولية حقاً. بالنسبة إليّ لم تصبح أخف؛ بل ازدادت ثِقلاً. تُرك تسعة أطفال يتامى، ومع كل حياة تُختطف من عائلتي يزداد وزن المسؤلية — مسؤولية التذكر، ورعاية الناجين، وشهادة الحقيقة.

لكن هذه المسؤلية ليست لي وحدي. إنها مسؤولية كل أمة ومؤسسة وفرد جلسوا متفرجين بينما غزة تحترق — وبالأخص أولئك الذين أرسلوا القنابل التي تواصل القتل والتدمير.

من 1948 إلى 2026

عرفت تاريخ AFSC من صديقي أحمد الحاج، الذي استفاد من عملها عندما كان لاجئاً شاباً في عام 1948.

توفي أحمد في مدينة غزة في يناير 2024. يحزّ في النفس أنه عاش مدى حياته لاجئاً يروي حكايات مذابح 1948، ثم قضى أيامه الأخيرة تحت حصارٍ وقصفٍ ذاق فيه مرارة العيش بلا أدویة أساسية. مات خلال الحصار والقصف لغياب الأدوية الضرورية.

قصّة أحمد في غزة 2024 لم تختلف كثيراً عن قصته في 1948. حينها كان عمره 16 سنة، لا يحمل نعالاً ويتبع أوامر الإخلاء إلى غزة من قريته الصوافِر. ما تغيّر هو السنين؛ وما لم يتغير هو حال النبذ والتهجير والتروك.

يقرأ  ترامب يعد بفرض رسوم جمركية مرتفعةعلى الأفلام الأجنبية والأثاث المستورد — أخبار دونالد ترامب

لكن قصة أحمد ليست فقط قصة تهجير. هي قصة حب — حبّ للقرية. عاش طوال حياته في غزة مستأجراً، رافضاً امتلاك بيت خوفاً من أن يمحو امتلاكه ذكرى قريته أو البيت الذي اضطر والداه لتركه. بالنسبة إليه، كان البقاء مستأجراً عملاً من أعمال الوفاء والذاكرة.

نفس هذا الحب تجسّده كثير من الفلسطينيين الذين اختاروا البقاء في غزة رغم القصف. هو إخلاص للمكان يتحدى الحصار والتهجير والموت. يذكرني حب أحمد بتفانٍ صديقي ومعلمي رفعت العارير، الذي صار راوياً عظيماً لغزة، مدوّناً صوت شعبها وآلامه. في 6 ديسمبر 2023، قتلت إسرائيل رفعت مع أخيه وأخته وأبناء إخوتِه في استهدافٍ متعمّد لشقته.

مثل أحمد، دفع رفعت ثمن هذا الحب — ذلك الرابط الذي لا ينكسر مع الأرض والذاكرة — بنفسه.

قصيدته «لو كان لا بدّ أن أموت» صارت شاهداً على هذا الحب وعلى أملٍ باقٍ؛ رسالة تجاوزت حدود غزة وتحولت إلى حكاية عالمية. وُلدت من الحصار والمقاومة، وتحمل إنسانية غزة إلى العالم مُطالِبةً بالعيش والذاكرة والكرامة حتى في وجه الموت.

غزة تنهض

عام 1948 كانت منطقة غزة الكبرى تضم 34 قرية، كانت إحداها قرية أحمد. بالنسبة لأجدادنا، كانت غزة أوسع من الشريط الضيق الذي صار يُعرف به لاحقاً؛ تصورهم للمكان كان ممتداً، متجذّراً في القرى والحقول والجغرافيا المتصلة.

شهد آباؤنا، مع ذلك، تقلّص غزة شيئاً فشيئاً. ما كان يُعدّ إحدى أكبر مقاطعات فلسطين التاريخية انخفض عام 1948 إلى نحو 555 كلم²، ثم تقلّص أكثر لاحقاً إلى نحو 365 كلم² بعد إقامة ما يُسمّى منطقة منزوعة السلاح — أرض ضُمّت في نهاية المطاف على حساب شعب غزة.

اليوم تحتل إسرائيل أكثر من نصف غزة. فرضت ما يعرف بـ«الخط الأصفر» الذي يعمل كحدّ فعلي جديد يستمر في التوسع وضم أراضٍ. الفلسطينيون الذين يعبرونه يُعدمون. حتى فادي وجمعة، اللذان لا يتجاوز عمرهما 8 و10 سنوات، لم يُنجَيا. غزة ليست محاصرة فحسب؛ إنها تُمحى متراً بعد متر، جيل بعد جيل.

يقرأ  أُصيب ثلاثة أشخاص إثر إطلاق نار في محل مراهنات بمدينة جيسن الألمانية

الغزة التي نحبّها تتجاوز الخطوط والحدود. ورغم أن غالبية أهل غزة هم لاجئون من بلدات باتت اليوم داخل حدود دولة إسرائيل، تبقى غزة المكان الذي ندعوه وطناً.

اليوم تحرّر غزة خيال وضمائر الناس في أنحاء العالم. تتجاوَز الجغرافيا والخطوط المصطنعة على الخرائط — كانت صفراء أم خضراء.

قد تمنع إسرائيل المنظمات الدولية والصحفيين، وتعتقل عمّالنا الطبيين وتغتال شعراءنا. قد تُدمّر منازل وتزهق أرواحاً وتُحدث معاناة لا توصف. لكنها لا تستطيع أن تُحظر نضالنا من أجل العدالة ولا رغبتنا الإنسانية الفطرية في التكاتف للبقاء. رغم العقبات والتحديات، سيستمر عملنا في دعم الناس في غزة وفي بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

غزة تعني الحرية والتضحية والحب، حتى وسط الخيام والركام. وستنهض من جديد من بين الأنقاض، كما فعلت عبر التاريخ.

الآراء الواردة في هذا المقال تخص كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق