منذ أكثر من شهرين، وقّعت إسرائيل وحماس اتفاق هدنة منح الفلسطينيين في غزة أملاً في استراحة بعد قصف إسرائيلي قاسٍ دام عامين وحوّل جزءاً كبيراً من القطاع إلى أنقاض. إلا أن الدمار لم يتوقف — إستمرّ.
تفيد تحليلات صور أقمار صناعية لشركة Planet Labs التي أجرَت عليها صحيفة نيويورك تايمز بأن إسرائيل هدمت أكثر من 2,500 مبنى في غزة منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، وتقول السلطات إنها تدمّر أنفاقاً ومنازل مفخخة ومجهّزة كمصائد. فيديو ليلية من 30 أكتوبر، أثناء سريان الهدنة، يُظهر ما يبدو أنه تفجير منضبط واسع النطاق في جزء من شجاعية الخاضع لسيطرة القوات الإسرائيلية.
كجزء من اتفاق الهدنة، انسحب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء حدّ تم الاتفاق عليه داخل غزة، مُمثلًا على الخرائط الإسرائيلية بخط أصفر؛ وبذلك بَقِيَت إسرائيل مسؤولة عن نحو نصف القطاع. وقعت معظم عمليات الهدم منذ الهدنة ضمن هذه المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيلية، لكن عشرات المباني دُمّرت أيضاً خارج «الخط الأصفر» في مناطق تُعدّ فعلياً تحت سيطرة حماس، حيث كانت القوات الإسرائيلية قد تعهّدت بوقف العمليات.
تُظهر صور الأقمار الصناعية التي رُكّزت بعد الهدنة وجود مجموعات مبانٍ سليمة في حيّ الشجاعية الذي يعبره الخط الأصفر، بينما تُظهر لقطات لاحقة بعد أشهر أن الحيّ قد تحوّل إلى أراضٍ مقفرة في غالبيته؛ وتبيّن الصور أنّ عشرات المباني دُمّرت خارج الخط الأصفر، وفي بعض الحالات بمدى يصل إلى نحو 900 قدماً.
كثيرٌ من هذه المنشآت كانت ربما قد تعرّضت لأضرار بالغة بالفعل بفعل عامين من القصف. وخلص تقييم للأمم المتحدة، حتى 11 أكتوبر، إلى أن أكثر من 80 بالمئة من مباني غزة تضررت أو دُمّرت، ويُعتقد أن سكانها تهجّروا نتيجة أوامر إخلاء متعاقبة واشتداد المعارك.
يقول مسؤولون إسرائيليون إن عمليات الهدم الواسعة تأتي في إطار جهود «نزع السلاح» من غزة، وإن الجيش منذ الهدنة دمر أنفاقاً تحت الأرض كانت تستخدمها مجموعات مسلحة، وسوى مبانٍ كانت مفخخة بالأرض. في ذروة الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، قدّرت إسرائيل أن شبكة الأنفاق امتدت لمئآت الأميال مع آلاف المداخل؛ وكانت تُستخدم لتخزين أسلحة وإخفاء رهائن وتنفيذ كمائن ضد الجنود الإسرائيليين.
يرى كثير من الفلسطينيين في غزة أن إسرائيل تُسوي أحياءً كاملة بالأرض بلا اعتبار لمن كانوا يعيشون أو يملكون هذه الممتلكات، ويخشون أنه إذا سعت إسرائيل لتفكيك الشبكة بأكملها فسيُعرض عدد أكبر من المباني المتبقية للخطر.
نِفين نوفل، 35 عاماً، التي كانت تسكن الشجاعية قبل أن تُجلَى، قالت إنها شعرت بخسارة عميقة عندما علمت أن حيّها يُمسح: «تحولت آمالنا وأحلامنا إلى أكوام من الركام».
الحجم الحالي للدمار صارخ. في أنحاء شرق غزة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية تكشف صور الأقمار الصناعية أن أحياءً كاملة محيت منذ الهدنة، وكذلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبيوت المحمية الزراعية.
«إسرائيل تمحو مناطق بأكملها من الخريطة»، قال المحلل السياسي المقيم في غزة محمد الأستال. «الجيش الإسرائيلي يدمر كل ما أمامه — بيوتاً ومدارس ومصانع وشوارع. لا يوجد مبرر أمني لما يحدث».
من جهة أخرى، قال مسؤول عسكري إسرائيلي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته إن إسرائيل لا تُنهِر المباني بشكل عشوائي، وإن بعضها ينهار عندما يفجّر الجنود متفجرات داخل الأنفاق تحتها. أقرّ هذا المسؤول بأن عمليات الهدم تُجرى على جانبي الخط الأصفر، لكنه نفى أن تكون القوات البرية قد عبرت الخط للقيام بذلك؛ ولم تَستطع الصحيفة التحقق من هذا الادعاء بصورة مستقلة. وأضاف أن سلاح الجو يستهدف منشآت تشكل تهديداً على الجنود، وأن بعض هذه المنشآت ملاصقة للخط الأصفر، مشيراً إلى أن بعض الأنفاق تعبر خط الانسحاب، وما يؤدي إلى تفجيرها قد يتسبب بانهيار مبانٍ على جانبي الخط.
تضمنت خطة ترامب المكوّنة من عشرين بنداً لإنهاء الحرب، والتي شكّلت أساس الهدنة، بنداً ينصّ على أن «جميع البنى التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية، بما في ذلك الأنفاق ومرافق تصنيع الأسلحة، ستُدمّر». ومع ذلك، اتفق الطرفان أيضاً على تعليق «جميع العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي».
تساءل مسؤول إسرائيلي سابق عن مدى نطاق الهدم. وقال شاؤول أريلي، القائد السابق لقوات في غزة خلال التسعينات: «هذا دمار مطلق؛ ليس دماراً انتقائياً، بل كل شيء».
تُظهر خرائط سرية تابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شبكة أنفاق واسعة في منطقة الشجاعية وعشرات المواقع التي ترى فيها الاستخبارات أن مسلّحين فخخوا منازل وطرقات. سمح الجيش لنيويورك تايمز بمطالعة تلك الخرائط التي قال إنها أُعدّت للجنود المتمركزين في غزة، لكن الصحيفة لم تتمكن من التحقق من دقتها بشكل مستقل.
قال حسام بدران، مسؤول حماس البارز في قطر، إن عمليات الهدم الإسرائيلية تنتهك اتفاق الهدنة: «الاتفاق ليس غامضاً، إنه واضح. تدمير بيوت الناس وممتلكاتهم غير مسموح؛ إنها أعمال عدائية».
أكّد مسؤولون إسرائيليون أن الجيش سيواصل عمليات الهدم «حتى آخر نفق»، كما كتب وزير الدفاع يسرائيل كاتس في منشور على وسائل التواصل في نوفمبر: «إذا لم تكن هناك أنفاق، فلا حماس».
أشرف نصر، 32 عاماً، الذي شُرّد من الشجاعية، قال إنه امتلأ بالحزن لرؤية بلدته وقد تكسّرت: «مسحت ذكرياتنا. لكن حماس أعطت إسرائيل ذريعة لتنفيذ هذه الكارثة؛ لقد عسّنت الفضاءات المدنية».