عندما أعلن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في 11 يناير أنه يخضع لتحقيق جنائي من قِبل الحكومة الفدرالية، رد الرئيس دونالد ترامب على شبكة NBC قائلاً: «لا أعرف شيئًا عن ذلك».
ربما لم يكن ترامب على اطّلاع كامل بتفاصيل تحقيق وزارة العدل — الذي أُشير إلى أنه أُقرّ في نوفمبر على يد المدعية الفدرالية لمنطقة كولومبيا جانين بيرّو بحسب صحيفة نيويورك تايمز — لكنه لم يخف رغبته الصريحة في إبعاد باول من منصبه.
يركز التحقيق على إشراف باول على تجديد مقر البنك المركزي. ووجهت إليه اتهامات بتضليل الكونغرس بشأن مشروع التجديد. يخضع المبنى لعمليات تجديد منذ 2021 في مشروع أُقرَّ أصلًا خلال الولاية الأولى لترامب. وتبلغ تكلفة المشروع نحو 2.5 مليار دولار، أي ما يقارب 600 مليون دولار فوق الميزانية الأصلية نتيجة تغييرات تصميمية، وارتفاع التكاليف، ووجود قدر أكبر من الأسبستوس مما كان متوقعًا.
يمثل هذا التحقيق تصعيدًا دراماتيكيًا للتوترات المتراكمة بين ترامب وباول؛ فالرئيس الذي رشّح باول في البداية لهذا المنصب بات يشنّ عليه هجومًا بعد اتباع الأخير نهجًا تدرجيًا في خفض أسعار الفائدة. وقد بدأ الاحتياطي بالفعل خفض أسعار الفائدة تدريجيًا مع ثلاث تخفيضات في نهاية العام الماضي، لكن خفض الفائدة بشكل مفرط قد يرفع التضخم.
يقول الخبراء إن هجمات ترامب على البنك المركزي تهدد استقلالية المؤسسة وقدرتها على تنفيذ سياسات نقدية بعيدة عن الضغوط السياسية، كما قد تضعف ثقة الأسواق والاقتصاد الأميركي.
ستتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة مراجعة أسعار الفائدة التابع للاحتياطي المقرر في 27-28 يناير.
في مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 29 ديسمبر، قال ترامب إن فريقه يفكّر في «دعوى عن عدم كفاءة جسيمة» ضد باول. قد يكون المقصود هنا دعوى تقوم على «الإهمال الجسيم»، وهو وصف يمكن متابعته في مسار مدني أو جنائي بحسب شدته.
هذا يختلف عن التحقيق الجنائي الذي فتحته وزارة العدل، والذي يتهم باول بالكذب أمام الكونغرس بشأن تكلفة ومدى أعمال التجديد. ولم تُدْلِ وزارة العدل بأي تعليق على سير التحقيق حتى الآن.
تنتهي ولاية باول كرئيس في مايو، لكنه قادر على البقاء كعضو في مجلس الاحتياطي حتى يناير 2028.
قال باول في بيان مصوّر: «لا أحد — وبالتأكيد ليس رئيس الاحتياطي الفدرالي — فوق القانون. لكن ينبغي أن تُفهم هذه الخطوة غير المسبوقة في سياق أوسع يتضمن تهديدات وضغوطًا مستمرة من الادارة».
لم تردّ البيت الأبيض على طلبنا للتعليق.
يتناغم التحقيق في شأن باول مع جهود أخرى داخل إدارة ترامب لملاحقة خصوم الرئيس، من بينهم مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق جيمس كومي والوكيلة العامة لولاية نيويورك ليتيسيا جيمس. وقد واجهت تلك الملاحقات عقبات، إذ رفضت هيئات المحلفين الاتهام في بعض القضايا أو أفضت أحكام قضائية لصالح المتهمين.
في منشور على منصة «ترث سوشيال» في سبتمبر، خاطب ترامب المدعية العامة بام بوندي مباشرةً وحثّها على تصعيد جهود وزارة العدل في الملاحقات، بما في ذلك ضد السيناتور الديمقراطي آدم شيف، وكتب: «يجب أن يُطبق العدل الآن!».
كما تحرّك ترامب لطرد عضو آخر في مجلس الاحتياطي، ليزا كوك، مستندًا إلى «إحالة جنائية» من مدير وكالة تمويل الإسكان الفدرالية ويليام بولت، وهو معين من قبل إدارة ترامب، بشأن احتيال في قروض عقارية. وقد طعنت كوك في قرار فصلها، والقضية مستمرة في المحكمة.
تشكل تصريحات ترامب في 29 ديسمبر أوضح مؤشر على نواياه لاستخدام الجهاز القضائي كوسيلة لإبعاد باول.
وخلال ولايته الثانية واصل ترامب دعواته المتكررة لاستقالة باول وشنّ عليه هجمات لاذعة، من بينها:
– 17 أبريل 2025: «لستُ سعيدًا به. أخبرته بذلك، ولو رغبت في أن يذهب فسوف يرحل سريعًا.»
– 18 يونيو 2025: «لدينا شخص غبي، بصراحة، في الاحتياطي.»
– 13 يوليو 2025: «جيروم باول كان سيئًا جدًا لبلادنا.»
– 15 يوليو 2025: «عندما تتحدث إلى الرجل، كأنك تتحدث إلى لا شيء. كأنك تتحدث إلى كرسي. بلا شخصية، بلا ذكاء عالٍ، بلا شيء.»
– 22 يوليو 2025: «كنت لطيفًا معه في البداية لأنني أعرف كيف أمثّل، ولكن في مرحلة معينة لم يعد الأمر مهمًا لأن الرجل ببساطة ليس ذكيًا.»
– 1 أغسطس 2025: وصفه بأنه «معتوه عنيد».
– 13 أغسطس 2025 و20 سبتمبر 2025: وصفه بأنه «غير كفء».
– 18 نوفمبر 2025 و9 ديسمبر 2025: وصفه بأنه «رجل غبي» و«ليس شخصًا ذكيًا».
هل يستطيع ترامب إقالة باول؟
إذا نجحت وزارة العدل في إدانة باول، فقد تتوفر بذلك الأرضية الضيقة لإقالة رئيس الاحتياطي التي يمكن أن يقوم بها الرئيس «لسبب مبرر». ويشمل هذا المصطلح — بحسب قرار للمحكمة العليا في قضية تتعلق بلجنة التجارة الفيدرالية — حالات «عدم الكفاءة، إهمال الواجب، أو سوء السلوك في الوظيفة».
في قرار صدر في مايو أتاح للرئيس فصل أعضاء في لجان مستقلة، أكدت المحكمة العليا أن الحكم لم يكن له تأثير على وضع الاحتياطي الفيدرالي، الذي وصفته بأنه «كيان شبه خاص، ذو هيكل فريد».
إذا حكمت المحكمة العليا ضد كوك، وثبتت إدانة باول، ستصبح هناك مقعدان شاغران يمكن لإدارة ترامب شغلهما بمرشحيها.
لكن تحرك ترامب واجه ردود فعل، حتى من داخل حزبه الجمهوري؛ فقد دعا السيناتور توم تيليس من كارولاينا الشمالية إلى فتح تحقيق في وزارة العدل. ويشغل تيليس مقعدًا في لجنة البنوك التي تشرف على الاحتياطي، وقال إنه لن يدعم أي من مرشّحي ترامب المستقبليين للاحتياطي. وتحوز الأغلبية الحاكمة في اللجنة على فارق ضئيل يبلغ 13-11.
قال بيتر كونتي-براون، أستاذ تنظيم الأسواق المالية في جامعة بنسلفانيا، لصحيفة بوليتي فاكت في يوليو إن باول قد يجادل بأن استخدام ميزانية التجديد ذريعة («ذريعة مزيفة») لإقالته — وهو مصطلح قانوني يصف سببًا زائفًا يقدمه صاحب العمل لتبرير فصل موظف بهدف إخفاء السبب الحقيقي. «المحاكم التي ستنظر في أي محاولة لإقالة بعد وقوعها ستقيم كلًا من الحِقد والذريعة بعينٍ نقدية شديدة ضد الرئيس ترامب»، قال كونتي-براون.
وفي رده المصوّر وصف باول التحقيقات الاستقصائية بأنها «ذرائع» تغطي السبب الحقيقي وراء رغبة الادارة في إبعاده، وهو الخلاف حول تحديد أسعار الفائدة.