تحليل: لماذا قد تضطر غرينلاند وأوروبا لتقديم تنازلات لترامب

ماذا يمكن للدول الصغيرة أن تفعل كي لا تُبتلعها قوى أكبر وأكثر نفوذاً؟

هذا ليس سؤالاً تجريدياً بالنسبة لغرينلاند الآن؛ إنه واقع ملموس ومحفوف بالمخاطر، ومستقبل الجزيرة ودرجة حكمها الذاتي على المحك.

غرينلاند إقليم يتبع الدنمارك. منذ عام 2009 تتمتع بحكم ذاتي واسع ولها الحق في السعي للاستقلال متى اختارت ذلك. جميع الأحزاب السياسية هناك تعلن رغبتها في الاستقلال، لكن الاكتفاء الاقتصادي لا يزال بعيد المنال، لذا تظل العلاقة مع الدنمارك خياراً عملياً حتى إشعار آخر.

غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرفض ببساطة ترك المسألة هكذا؛ إذ يطالب بغرينلاند لصالح الولايات المتحدة، وبعد الهجوم الأميركي على فنزويلا وادعاءات اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو بدا أنه يقصد كلامه بجدية قاتلة. البيت الأبيض لم يزل يضع الخيار العسكري على الطاولة، رغم أن رجل أعمال تحول إلى رئيس قد يفضّل صفقة نقدية مباشرة.

أوروبا اليوم في حالة طوارئ دبلوماسية. الدنمارك دولة عضو في حلف الناتو، وكانت فكرة أن الضامن الأهم للحلف — الولايات المتحدة — قد يستحوذ على أرض تابِعة لعضو في الحلف أمراً مستهجناً إلى وقت قريب. الآن لم يعد ذلك ضرباً من الخيال.

فما الذي يمكن لأصدقاء الدنمارك أن يفعلوه لإيقاف الأمر؟

الحقيقة المزعجة هي أنه لو أرسل ترامب قوات برية فقد تسقط غرينلاند في أيام وربما ساعات. ترامب سخر من قدرة الدنمارك العسكرية هناك ووصفها بتعبير ساخِر عن بساطتها، وعلى الرغم من مبالغة السخرية، فالنقطة الجوهرية واضحة: دفاعات غرينلاند محدودة جداً. القيادة المشتركة للقطب الشمالي لدى الدنمارك تتألف من عدد قليل من السفن البحرية ووحدات للبحث والإنقاذ.

من ناحية أخرى، لدى الولايات المتحدة قاعدة رئيسية في شمال غربي غرينلاند بموجب معاهدة 1951 التي تمنح واشنطن الحق في إنشاء قواعد إضافية. هناك نحو 650 فرداً يعملون في القاعدة، بينهم عناصر من القوات الجوية وقوات الفضاء الأميركية.

يقرأ  إلهان عمر تُدين وصف دونالد ترامب للمهاجرين الصوماليين بـ«قمامة» — أخبار دونالد ترامب

كوبنهاغن تسعى لتعزيز قدراتها؛ أعلنت عن تخصيص 4.2 مليار دولار إضافية للنفقات الدفاعية في القطب الشمالي وشرائها 16 مقاتلة إضافية من طراز F-35 (طبعاً من صنع الولايات المتحدة). ومع ذلك، تبقى فرص الدنمارك ضئيلة إذا ما واجهت القوة العسكرية الأميركية كاملة.

إزاء ذلك، تم تشكيل جبهة دبلوماسية موحدة. كما حصل مع أزمات أخرى صاغها ترامب، ينتهج قادة أوروبا ما يمكن تسميته «جودو عابر للأطلسي»: يحاولون تحويل طاقة ترامب — أحادية الجانب و”أميركا أولاً” — إلى مسار مؤسسي جماعي عبر إقناعه بأن أفضل طريقة لمعالجة مشكلة الأمن في القطب الشمالي هي من خلال الناتو والتعاون المتعدد الأطراف.

بعبارة أخرى، الرسالة تقول: «نعم يا دونالد، أنت على حق في أن أمن القطب الشمالي قضية كبرى. نحن نتفق معك. وربما الغزو ليس الحل، لكن الناتو هو الإطار الأنسب».

لقد سمعنا هذا الخطاب من أمين عام الناتو ومن قادة غربيين في الأيام الماضية، واقترحت حكومات بريطانية وألمانية نشر قوات حلفية في غرينلاند لتعزيز الأمن الإقليمي. وقد زارت بعثة ألمانية واشنطن قبل اجتماع دبلوماسي جمع مسؤولين أميركيين ونظراء دنماركيين ومن حكومة غرينلاند.

بينما يلجأ الأوروبيون إلى الجودو، يبدو نهج ترامب أقرب إلى السومو: يضغط بقوة جيوسياسية هائلة ولا يتزحزح. إلى كل الاستنجادات الأوروبية يرد بصمت أو بتكرار مطالبه؛ إذا قيل له أن له تواجداً عسكرياً بموجب معاهدة 1951، يطالب بالمزيد. إذا حذروا من أن ضمّ جزيرة أحادية الجانب سيقوض الناتو، يومئ كما لو أن ذلك ثمن يستحق الدفع. وإذا شككوا في ادعاءاته عن طمع روسيا أو الصين في غرينلاند، يعيد تكرارها دون دليل جديد.

قد يحصل استسلام أو تَنازل؛ فلو دبّ الذعر في عواصم أوروبا، كان بمقدورهم الضغط على الدنمارك لإجراء استفتاء على الاستقلال الذي تُروّج له منذ سنوات. لو اختار الغرينلانديون السيادة الكاملة — وهو ما ترجّحه غالبية التصريحات — قد تعتبر أوروبا أن مصير الجزيرة لم يعد مشكلتها. لكننا لم نبلغ تلك النقطة بعد.

يقرأ  الحكم بالسجن ١٥ عاماً على مؤسس عملة تيرا يو إس دي بعد انهيار تسبب بخسائر بقيمة ٤٠ مليار دولار

في الوقت الراهن يقف القادة الأوروبيون موحّدين خلف كوبنهاغن و«نووك» بحزم: سيادة الدنمارك غير قابلة للنقض، وغرينلاند ليست سلعة تُباع أو تُشترى.

ما قد نماسّ به في الواقع حل وسط محرج إلى حد ما؛ صفقة موارد تتيح للولايات المتحدة الوصول إلى رواسب الجزيرة من المعادن والعناصر النادرة، مقابل تعزيز عسكري أميركي مُعلن بما يكفي ليتحدث ترامب عن نصر، ولتتنفس أوروبا الصعداء بأن نبض الناتو لا يزال قائماً.

أضف تعليق