يتوجه رئيس وزراء كندا، مارك كارني، الى الصين في زيارة مفصلية تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات مع بكين وفتح آفاق اقتصادية جديدة لكندا بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة.
لن تكون المهمة سهلة: تواجه كندا ضغوطاً لموازنة هدف تنويع التجارة من دون المساس بعلاقاتها مع إدارة دونالد ترمب أو التضحية بالالتزامات المتعلقة بالأمن القومي وحقوق الإنسان.
وبينما يسود قدر من عدم اليقين بشأن مستقبل تجارة كندا مع أكبر زبائنها — الولايات المتحدة — تجد البلاد نفسها الآن مضطرة لإصلاح العلاقات المتوترة لحماية اقتصادها.
وصف مسؤولون كنديون رفيعو المستوى الزيارة، الأولى لرئيس وزراء كندي إلى الصين منذ 2017، بأنها «مؤثرة وتاريخية» وجزء من خطة طموحة لمضاعفة صادرات كندا غير الموجهة إلى الولايات المتحدة خلال العقد المقبل.
ستشغل التجارة جدول الأعمال إلى جانب قضايا الزراعة والأمن الدولي، بحسب مكتب كارني. ومن جهتها قالت وزارة الخارجية الصينية إن للبلدين «مصالح مشتركة» ويجب أن يعملا على «تعزيز الروابط بين الشعوب والتبادلات الثقافية».
يلتقي كارني يوم الخميس برئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ وكذلك برئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، تشاو ليجي. وفي يوم الجمعة من المقرر أن يجري رئيس الوزراء لقاءً وجهاً لوجه مع الرئيس شي جين بينغ، بعد أن التقيا العام الماضي على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية.
تُعد هذه الزيارة الرسمية خطوة مهمة في مسار التقارب بعد أن بلغت العلاقات بين كندا والصين أدنى مستوياتها في 2018، عقب توقيف منغ وانتشو، المديرة التنفيذية لشركة هواوي، في فانكوفر بموجب مذكرة توقيف أميركية بتهم احتيال تتعلق بانتهاك عقوبات ضد إيران. أثار توقيف مسؤولة في شركة اتصالات صينية غضب بكين التي ردت لاحقاً باعتقال مواطنين كنديين بتهم التجسس. أُطلق سراح الثلاثة في 2021 بعد تسوية قضائية بين منغ والادعاء الأميركي.
وفي الآونة الأخيرة اتُهمت الصين بالتدخل في السياسة الكندية، ورغم أن تحقيقاً عاماً حول التدخل الأجنبي خلص إلى أن تأثير ذلك على الانتخابات الفدرالية الأخيرة كان محدوداً، فإن بكين أنفَت مراراً مزاعم التدخل.
عانت كندا سابقاً لصياغة علاقات مبنية على أسس عملية مع الصين. تنظر أوتاوا إلى بكين بوصفها «قوة عالمية متزايدة الإزعاج» التي «تتجاهل بشكل متزايد» القواعد والمعايير الدولية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن حجم وتأثير الصين يستلزمان قدراً من التعاون في مجالات محددة.
قال كبار مسؤولي الحكومة الكندية للصحفيين هذا الأسبوع إن حكومة كارني لا تعتبر الزيارة انعطافاً عن هذا المنظور، لكنها أكدت أيضاً أن كندا لا يمكنها تحقيق هدفها بتقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة من دون تعزيز تجارتها مع الصين.
يُتوقع أن يسعى كارني خلال المحادثات إلى توسيع التعاون في مجالات المصالح المشتركة مثل الطاقة والمناخ، وفي المقابل وضع ضوابط أو خطوط حمراء في مجالات الخلاف مثل الدفاع والمعادن الحيوية.
«أعتقد أننا نقترب الآن من العلاقة بواقعية لم نر مثلها منذ عقود»، هكذا قال كولين روبرتسون، الدبلوماسي الكندي السابق، لهيئة الإذاعة البريطانية، مضيفاً أن ذلك قد يؤدي إلى «علاقة أكثر صحة إذا فهم الطرفان من أين يأتون وما هي الخطوط الحمراء».
لقد كان السير في هذا المسار عمليّاً دقيقة. قبل زيارة كارني اختصر نواب ليبراليون رحلة رعتها برمتها إلى تايوان، وأوضحوا لصحيفة غلوبال تايمز أن موقف كندا من تايوان «لم يتغير»، لكن الزيارة اختُتمت مبكراً لتفادي ارتباك متصل بسياسة وزارة الخارجية وتزامنها مع تحركات رئيس الوزراء في بكين.
من الأهداف الأساسية لهذه الزيارة تخفيف الرسوم الجمركية الصينية على صادرات الكانولا الكندية التي ألقت بظلالها على مزارعي المقاطعات البرية. فرضت الصين العام الماضي تلك الرسوم الزراعية في خطوة اعتُبرت على نطاق واسع رداً على الرسوم الكندية على السيارات الكهربائية الصينية المعلنة في 2024، موازيةً إجراءات مماثلة من الولايات المتحدة. وفي افتتاحية هذا الأسبوع أشارت صحيفة غلوبال تايمز الحكومية إلى استياء المزارعين، مقتربةً من القول «ربما كان هذا الثمن الباهظ الذي دفعته كندا لتبعيتها العمياء لأميركا». وقد أوضحت الصين رغبتها في رفع الرسوم على السيارات الكهربائية.
ترى بكين في كندا شريكاً تجارياً هاماً، إذ قُدّرت قيمة التبادل التجاري بين البلدين بنحو 118 مليار دولار في 2024. ومن منظور صيني، فإن إبرام اتفاق مع كارني قد يمنح الصين تأثيراً أكبر في بلد يقع على أبواب الولايات المتحدة.
دعت افتتاحية غلوبال تايمز أوتاوا إلى رسم مسار سياسي خارجي مستقل عن الولايات المتحدة وممارسة «الاستقلالية الاستراتيجية».
واحدة من اللايقينات الكبرى تتعلق برد فعل واشنطن على أي صفقات قد تبرم بين كندا والصين. لقد تضرر الاقتصاد الكندي من الرسوم الأميركية، خصوصاً على قطاعي الصلب والألمنيوم والسيارات، وما زالت المفاوضات لتخفيف تلك الرسوم متوقفة.
ومع ذلك، ستشرع كندا قريباً في مفاوضات مهمة بشأن تجديد اتفاق تجارة حرّ أمريكا الشمالية الطويل الأمد مع الولايات المتحدة والمكسيك، الاتفاق الذي حمتها به إلى حد بعيد من معظم الرسوم الشاملة في عهد ترمب؛ ومن المتوقع إتمام هذه المراجعة في وقت لاحق من هذا العام.
قال روبرتسون إن المحتمل أن يكون الأميركيون «يراقبون عن كثب» العلاقة بين كندا والصين، وأن كندا تبقي الولايات المتحدة «مُطَّلِعة جيداً» على نواياها، لكنه أضاف: «في نهاية المطاف، هنالك مصالح كندية نحن نعمل على تحقيقها».
بتقرير إضافي من جيسيكا ميرفي في تورونتو.