لفترة طويلة ظلت الجماعة الحوثية تتابع الأحداث من على الهامش، بعد أن كانت لفترة سنوات في طليعة التطورات داخل اليمن والمنطقة الأوسع.
تحتل الجماعة، التي تتلقى دعما وتمويلا من إيران، العاصمة صنعاء وشطرا واسعا من شمال غرب البلاد منذ 2014. ويُعزى جزء من نجاحها خلال العقد الماضي إلى انقسام خصومها وتشتتهم.
ضعف الحكومة اليمنية والافتقار إلى قدرة فعّالة على حكم كل المناطق التي كانت تحت سيطرتها الاسمية جعلا من الصعب عليها استرداد مناطق من الحوثيين، فضلا عن إعادة فرض سلطتها.
ومع شن حملة مدعومة من السعودية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، تدّعي الحكومة الآن السيطرة على كل الأراضي التي لا تخضع لهيمنة الحوثيين. وفي علامة على تعاظم ثقتها، أعلن الرئيس رشاد العليمي تشكيل لجنة عسكرية عليا لدمج القوى المشتتة المناهضة للحوثيين ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية.
قال العليمي إن اللجنة ستستعد لـ«المرحلة المقبلة إذا رفضت الميليشيات الحلول السلمية»، وهو تهديد واضح موجَّه إلى الحوثيين. وردا على ذلك بدا أن قيادات حوثية رفيعة أعربت عن الحاجة إلى الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة.
البقاء هو النصر
تشعر الجماعة اليوم بأنها قادرة على الصمود، بعد أن أصبحت لاعبًا إقليميا مؤثرا عبر ضرباتها لسفن في البحر الأحمر واستهدافات تجاه إسرائيل. كما صمدت وواجهت ضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية منذ 2023، وقبل ذلك تحركات التحالف الذي تقوده السعودية.
ترى الجماعة أن مجرد بقائها يعد انتصارا. فهي عادت من جبال شمال اليمن بعدما كادت تهزم نهائيا على يد الجيش اليمني في أواخر العقد الماضي، لتصبح الآن السلطة الفعلية في أكثر المناطق كثافة سكانية.
مدفوعة بحماسة دينية وولاء لقائد تعتبره موعودا إلهيا، عبد الملك الحوثي، تظل الجماعة مقتنعة بأنها في موقف قوي، حتى مع إظهار الحكومة اليمنية لبعض مظاهر الحيوية.
القضية المحورية التي حالت دون اتفاق سلام في اليمن ما زالت قائمة: الإيمان من الطرفين بأن النصر التام ممكن التحقيق.
المراهنة على الرياض
يرى الحوثيون أن الحكومة اليمنية مجرد دمية بيد السعودية والغرب، لا تستحق التفاوض. وهم مصرون على أن المفاوضات الحقيقية يجب أن تجرى مع الرياض، ومؤمنون بأن النتيجة النهائية ستكرّس وجودهم في صنعاء.
ويعتقدون أيضا أن الهجمات السابقة على السعودية أدت في نهاية المطاف إلى مفاوضات، مثل الضربة الصاروخية التي استهدفت منشأة تخزين نفط في جدة عام 2022 والتي ألحقت ضررا بصورة المملكة كبيئة آمنة للأعمال.
لذلك، يقدّر الحوثيون أنهم ما زال لديهم تهديد يوجّه إلى السعودية ودول الخليج، وهو تهديد قد يردع حملة واسعة لاستعادة صنعاء. وهذا يمنحهم هامشا للاسترخاء وعدم الانخراط في خطوات متهورة، ومواصلة مراقبة تداعيات الأحداث في جنوب وشرق اليمن.
مراهنة الحوثيين
في المقابل، قد تشير استعداد السعودية في ديسمبر لمواجهة حلفاء الإمارات علناً إلى تغيير في عقلية الرياض. شن المجلس الانتقالي هجوما ضد قوات الحكومة المدعومة سعوديا في ديسمبر سعيا لإقامة دولة جنوبية مستقلة، واستهدف التقدم مناطق واسعة في الجنوب بما فيها حضرموت والمحافظات القريبة من الحدود، ومن بينها المهره.
منذ وقف إطلاق النار عام 2022، ظل الصراع بين الحوثيين وخصومهم مجمدا إلى حد كبير، وشهدت تلك الفترة محادثات متقطعة بين الحوثيين والسعودية ما دل على انفتاح سعودي على إغلاق فصل مشاركة الرياض في الحرب اليمنية.
هل يرى الحوثيون أن خطر هجوم متجدد قد يطالهم من الحكومة السعودية واليمنية؟ أم أنهم واثقون من أن قوة الردع التي طوروها كافية لردع أي عملية؟
قوة منسقة ومجددة المناهضة للحوثيين ستكون تهديدا أكبر مما واجهوه منذ 2018 على الأقل. حينها كاد الحوثيون يخسرون ميناء الحديدة المهم على ساحل البحر الأحمر قبل أن توقف الضغوط الدولية تقدم القوات المناهضة لهم.
يبدو أن الحديدة خيار واضح لحكومة تخطط للتحرك عسكريا ضد الحوثيين: القتال على السهل الساحلي أسهل من خوضه في الجبال، وقد تكون المجتمع الدولي أقل ميلا للتدخل لوقف هجوم بعد سلوك الحوثيين في البحر الأحمر.
خسارة المدينة الساحلية ستكون ضربة اقتصادية قاتلة للحوثيين، خاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي في إيران، الداعم الرئيسي لهم، والذي قد يقوّض قدرتها على تقديم الدعم بالمستوى السابق.
خياران أمام الحوثيين: الهجوم المبادر أم المراهنة على رادع قوي يمنع أي تحرك ضدهم؟ الصراع المجمد في اليمن قد يكون على وشك الذوبان، والحوثيون، الذين يميلون إلى العزلة الإقليمية، سيضطرون قريبا إلى المجازفة وتحديد خطوتهم المقبلة.