توتر دبلوماسي بين مقداشو والإمارات بعد اعتراف إسرائيل بصوماليلاند
خرجت نساء صوماليات في مظاهرات بالعاصمة مقداشو في 7 يناير، احتجاجاً على ما وصفنه بتدخل إسرائيل في سيادة الصومال. منذ أسابيع، تقود الصومال حملة دبلوماسية مكثفة لاستجماع الدعم الدولي بعدما اعترفت إسرائيل بمنطقة صوماليلاند الانفصالية كدولة مستقلة.
من خلال اتصالات رفيعة المستوى ومساعٍ دبلوماسية، نجحت حكومة مقديشو في حشد تأييد عدة دول في أفريقيا والشرق الأوسط لمعارضة الاعتراف. غير أن علاقة بعيدة الأمد تدهورت بشدة: شراكة الصومال التاريخية مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
لطالما اعتُبرت الإمارات لاعباً مهماً في شؤون أمن وصناعة وسياسة الصومال، لا سيما أن ساحل الصومال يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر على طول خليج عدن والمحيط الهندي — منطقة بحرية استراتيجية شهدت عمليات قرصنة وتهريب أسلحة ساهمت في زعزعة الاستقرار إقليمياً. أقامت الإمارات علاقات متعددة المستويات مع حكومة الصومال الاتحادية وإدارات الأقاليم، وشاركت في إدارة موانئ مثل بوساسو في بونتلاند، وكيسمايو في جوبالاند، وبربرة في صوماليلاند.
لكن في إعلان مفاجئ يوم الإثنين، أعلنت الحكومة الاتحادية إلغاء كافة الاتفاقات الخاصة بإدارة الموانئ والتعاون الأمني مع الإمارات، متهمة إياها بالتعدي على سيادة البلاد. قال الرئيس حسن شيخ محمود في خطاب متلفز عقب اجتماع طارئ لمجلس الوزراء: «كانت لدينا علاقة طيبة مع الإمارات، لكنهم للأسف لم يعاملونا كدولة مستقلة وذات سيادة. وبعد تقييم دقيق اضطررنا لاتخاذ القرار الذي اتخذناه».
لم ترد الإمارات على التصريحات حتى الآن. ويذكر باحثون أن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند شكّل خلفية مهمة لهذا القرار. يقول عمر محمود، باحث أول في مجموعة الأزمات الدولية، إن الصومال تعتبر الاعتراف اختراقاً لأراضيها وترى دوراً خلف الكواليس للإمارات في دعم هذا المخرج.
في أواخر ديسمبر، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال صوماليلاند، ما أثار احتفالات واسعة في هرجيسا عاصمة الإقليم الذي انسلخ عن الصومال قبل أكثر من ثلاثين عاماً وأسّس حكومته وجواز سفره وعملته الخاصة. بالمقابل أعلنت صوماليلاند أنها ستنضم إلى اتفاقات أبراهام 2020، التي شهدت حتى الآن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب، ما منح حكومة نتنياهو زخماً في وقت كانت تواجه انتقادات على خلفية الحرب في غزة.
يرى المحللون أن المنطقة تتبلور حول محاور جيوسياسية متباينة: الإمارات وإسرائيل في جانب، والسعودية وتركيا ودول أخرى في جانب آخر. وفي ظل هذا المشهد، نقلت وسائل إعلام أن التوتر الدبلوماسي دفع الإمارات إلى سحب عناصرها الأمنية ومعدات عسكرية ثقيلة من القاعدة الجوية في بوساسو.
يشير محمود إلى أن العلاقة بين مقديشو والإمارات بدأت تتدهور منذ 2024، حين ألمحت إثيوبيا — الحليف الكبير للخليج في القرن الأفريقي — إلى استعدادها للاعتراف بصوماليلاند مقابل حصولها على قاعدة بحرية على ساحل الإقليم. نشأ شك صومالي تجاه الإمارات بعد مذكرة التفاهم هذه، إذ رأت مقديشو احتمال دعم الإمارات لترتيبات تعارضها بشدة. «لكن إثيوبيا اقتصرت على الوعود، وإسرائيل نفّذت الاعتراف فعلاً، وهذا ما زاد من حدة الموقف»، كما يقول محمود.
وأضاف المحلل أن اتهامات أخرى ساهمت في إتمام الشرخ، منها مزاعم استخدام الأراضي والمجال الجوي الصوماليين لمساعدة زعيم الانفصاليين اليمنيين عيدروس الزبيدي على مغادرة المنطقة، وهو ما وصفته السلطات الصومالية بأنه «القشة التي قصمت ظهر العلاقات». وقال علي عمر، وزير الدولة للصومال للشؤون الخارجية، إن «استخدام الأجواء والمطارات الصومالية لتهريب مطلوب ليس أمراً تقبله الصومال».
سبق وأن شهدت العلاقات فتوراً عام 2018 حين قطعت الصومال، تحت رئاسة محمد عبداللهي فرماجو آنذاك، علاقاتها مع الإمارات متهمة إياها بالتدخل في الشؤون الداخلية. وفي حين كان الرئيس الحالي من أشد الداعمين لتورط الإمارات آنذاك، تبدّلت مواقفه اليوم واستثمرت حكومته خلافات الإمارات مع السعودية بشأن اليمن لصالحها.
وتقول سميرة جيد، محللة في معهد بالقيص إن «التطورات الإقليمية، بما فيها اعتراف إسرائيل بصوماليلاند وتحولات ملف اليمن وموقف السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي، خلقت ضغوطاً كافية دفعَت الحكومة لاتخاذ خطوة حاسمة».
على الرغم من ذلك، يشكك بعض المراقبين في قدرة الحكومة الاتحادية على تطبيق قرار إلغاء الاتفاقات، لأن سلطتها لا تمتد فعلياً على صوماليلاند الانفصالية ولا تسيطر بشكل كامل على موانئ بونتلاند وجوبالاند ذات الحكم الذاتي. يقول محمود: «الحكومة الاتحادية حضورها الميداني محدود في تلك المناطق وهي في صراع سياسي مع إداراتها حول تقاسم السلطة داخل النظام الاتحادي».
شركة الخدمات اللوجستية المقيمة في دبي DP World لم تبدُ متأثرة بإعلان الحكومة الاتحادية، مؤكدة أن عملياتها في ميناء بربرة ستستمر وأنها ستركز على تشغيل الميناء بأمان وكفاءة وتقديم فوائد اقتصادية للمنطقة. من جانبه، أعلن إقليم صوماليلاند أن جميع اتفاقاته مع الإمارات «قانونية وملزِمة»، بينما اعتبرت جوبالاند قرار الحكومة الاتحادية «باطلاً ولا أثر له»، وأدانت بونتلاند القرار بوصفه «مخالفاً لمبادئ الحكم الدستوري».
مع ذلك، لا تزال لمقديشو بعض أدوات الضغط: السيطرة على المجال الجوي يمكن أن تُستغل إلى جانب الضغوط الدبلوماسية للتأثير على الإمارات والإدارات الإقليمية. كما أنها قد تسعى لتحشيد شركاء إقليميين مثل تركيا والسعودية لدعم موقفها. ويخلص محمود إلى أن الثقة بين الصومال والإمارات «مصيرها الضياع في الأجل المنظور»، وأن استعادة العلاقة ستتطلب دبلوماسية مكثفة وخطوات عملية ملموسة.