عودة ظاهرة «جمهوريات الموز» إلى المشهد في أمريكا اللاتينية — آراء

أمريكا الجنوبية تقف عند مفترق طرق. الهجوم على كاراكاس، واغتيال خطف نيكولاس مادورو، والتهديدات الموجهة إلى رؤساء كولومبيا والمكسيك من قبل الرئسيس الأمريكي، كلها دلائل مشؤومة على سنوات مقبلة مضطربة. إلى جانب التدخل المسلح الخارجي، أدّت الانتخابات إلى تشديد التوترات السياسية من لاباز إلى سانتياغو، ومن بوينس آيرس إلى كيتو، والديمقراطيات الكبرى في المنطقة تتجه لصناديق الاقتراع مرة أخرى في أواخر 2026. الفوائد غير المتكافئة لعقود من النمو، مصحوبة بتآكل قدرة الدولة بعد الجائحة، وسّعت جاذبية الردود الشعبوية المتشددة. الخطر ليس محلياً فحسب: الانجراف نحو سياسات عسكرة الحياة العامة، والتهديدات المعلنة من الولايات المتحدة، تكشف عن مخاطر نفوذ خارجي معادٍ، إعادة معاصرة لكتاب قواعد جمهوريات الموز ودبلوماسية السفن الحربية.

إذا جمعت هذه العوامل معاً، فإنها تشير إلى تقارب خطير. انعدام الأمن المتصاعد، وتمثيل سياسي مجوف، والضغط الخارجي المتجدد يعززون بعضهم بعضاً، ما يضعف المؤسسات ويجعل المنطقة عرضة مرة أخرى للتبعية بدل تقرير المصير.

بيرو مثال تحذيري صارخ. لعقود من الزمن حققت البلاد نمواً اقتصادياً فوق المتوسط، وجذبت استثمارات أجنبية كبيرة، وسعت حتى للانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبحلول أوائل 2026 صار السول على نطاق واسع يُعتبر من أكثر عملات أمريكا الجنوبية استقراراً. ومع ذلك، لم يتحول الازدهار إلى استقرار مؤسسي: سبعة رؤساء خلال تسع سنوات تكشف عن خلل سياسي أعمق. أشار العالم الاجتماعي جوليو كوتلر إلى أن نخب البيرو، المستفيدة من صادرات المواد الخام، لم تكن لديها حوافز كافية لتقاسم المكاسب أو لبناء مؤسسات قادرة وشاملة. النتيجة اقتصاد سياسي هشّ، حيث ما تزال تترسخ تسلسلات استعمارية، وتستمر التباينات القائمة على الجنس والطبقة والإثنية، وتبقى خدمات الدولة معطلة، ما يضعف الشرعية والتمثيل.

يقرأ  ساعة جيب ذهبية مستخرجة من حطام التيتانيك تُسجل رقماً قياسياً جديداً في المزاد

وها هي تلك الهشاشة تصطدم بعدم اليقين والأمن. في ليما، شلّت إضرابات النقل المدينة مراراً احتجاجاً على العنف والابتزاز؛ قُتل عشرات سائقي الحافلات على مرأى من الناس طوال 2025. تحولت الاحتجاجات إلى دم في أكتوبر 2025، عندما أُطلق النار على مغنٍّ شاب وفنان شارع قرب القصر الحكومي أثناء تظاهرات ضد الرئيس الجديد خوسيه جيري. وصف رئيس الكونغرس الضحية بـ«تيروّكو» (مصطلح استُخدم قديماً للإرهابيين)، ما يبرز سمية المشهد السياسي في بيرو؛ فالمصطلح أصبح شتيمة تُستخدم لتقويض شرعية المعارضين، وغالباً ما يستهدف السكان الأصليين أو الفلاحين. هذه الظاهرة ليست معزولة، بل هي عرض لكيفية تعامل الأنظمة السياسية مع الصراع الاجتماعي كمسألة شرطية لا كأمر ينبغي معالجته سياسياً.

وكان رد بيرو عسكرة الفضاء العام. تحت حكم جيري، أعلنت الحكومة حالة طوارئ وأرسلت جنوداً لتمشيط الشوارع «حتى يُقضى على الانعدام الأمني». وحاولت الإكوادور نهجاً مشابهاً، بل ذهبت إلى حد إعلان «صراع مسلح داخلي»، ما أدى إلى تزايد انتهاكات حقوق الإنسان. عندما تُهمش المطالب السياسية لصالح القوة العسكرية أو الشرطية، ينهار التمثيل السياسي إلى الزبونية أو الخوف. يوضح الكونغرس البيروفي هذا الانهيار: لقد صار سوقاً بلوتقراطياً تُمرّر من خلاله المصالح الراسخة، بدلاً من أن يكون منتدىً للقيام بالإصلاحات الضرورية لتمكين الدولة من الاستجابة لمطالب مواطنيها.

حملة الرئاسة في بيرو لعام 2026 تُكبّر هذه المنطقية. المرشّحون المتقدمون يعدون بسجون عملاقة، ومراقبة بطائرات مُسيّرة، وحتى نقل سجناء إلى سجون السلفادور. كِيكو فوجيموري، ابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، تستحضر علناً سياسة «اليد القوية» كاستجابة عسكرة لأزمة الدولة والتمثيل. عبر جبال الأنديز، عاد شعار «النظام» كحل سحري ومقترح سياسي، معززاً بدعم أميركي لقمع المعارضة كخيار سياسي، رغم أنه نادراً ما يعالج أسباب العنف: الإقصاء الاجتماعي، والإفلات من العقاب، والدول المفرغة من محتواها.

يقرأ  ترامب: مودي وافق على وقف شراء النفط الروسي

تقدم تشيلي مثالاً تحذيرياً آخر. الهتافات الاحتفالية لانتعاش اسم بينوشيه التي سمعت بعد فوز خوسيه أنطونيو كاست تبرز حالة من الحنين إلى يقين الاستبداد والدكتاتورية، والتي دعمتها تدخلات أمريكية في الماضي. ومع ذلك، إن جاذبية «اليد الحازمة» أقل ارتباطاً بالإيديولوجيا و أكثر ارتباطاً بخيبة الأمل من أحزاب وحكومات تبدو بعيدة وأنانية. عندما تتجاهل النخب حاجة المواطنين، يتحول أداء القسوة ليحل محل التمثيل السياسي. تتسيّس المؤسسة العسكرية وتُعسّس الحياة الاجتماعية على منطق عسكري. ومن هذا التحول، يصبح المسار قصيراً إلىُ تآزر يدافع فيه السياسيون والزيّيون عن مصالح مفترِسة، محلية أو أجنبية، تحت راية الأمن، فيما تستقر ترتيبات استبدادية ويحصد الجنود ما يمكن تسميته «عوائد المحارب».

عودة الشعبوية المتشددة إلى المنطقة، فضلاً عن تدخل عسكري أمريكي مفتوح وقصف، تتماهى مع إحياء أوسع لردود الفعل العسكرة تجاه المشاكل الاجتماعية والسياسية. إحياء مبدأ مونرو في الكاريبي، وخرق القانون الدولي، واستخدام القوة الصرفة — ما قد يُسمّى «مذهب دون» — كلها تشير إلى منطق حكم يستبدِل الإكراه بالشرعية السياسية. الضغوط المالية، الظاهرة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بالأرجنتين، والإعدامات الميدانية الموجّهة لمدّعى عليهم بتجارة المخدرات، تتبع نفس النمط. هذه ليست ظواهر منفصلة بل هي تباينات لنفس الرد: تَغبيش المشكلات الاجتماعية عبر القوة. في النهاية، هذا يولد دولاً هشة، ومجتمعات ممزقة، وجيوشاً مسيسة تقوّض القدرة اللازمة لتوفير الأمن والعدالة والديمقراطية، ما يجعل التدخل الخارجي أسهل لا أصعب.

بينما يواصل قادة المنطقة اتباع عسكرة القمع، فإنهم يضعفون الدول ويعيدون ترتيب البلدان على نحو شبيه بالبدايات التي نشأت فيها جمهوريات الموز. مؤسسات ضعيفة، مجالس تشريعية فاسدة، وقوات أمن مسيسة تُعرّف الحياة السياسية من جديد. اليوم الكتيبة محدثة: أكثر صراحة، وأكثر فظاظة ومعاملاتية، كما تبيّن الصواريخ وتداعيات اختطاف نيكولاس مادورو في فنزويلا.

يقرأ  السعودية تهزم إندونيسيا... وقطر تتعادل مع عمان في تصفيات آسيا المؤهلة لكأس العالم

يمكن أن يكون هناك مسار مختلف، لكنه يبدأ بوصف المشكلة بدقة. العنف حقيقي، ومع ذلك الأمن بلا شرعية سرعان ما يتبدّد، والقوة بلا بناء مؤسسي هشة. جبال الأنديز لن تفلت من موجة انعدام الأمن وعدم الاستقرار بتعزيز حالات الطوارئ، أو ببناء سجون أكبر، أو بتمشيط الشوارع برجال ملّوحين بالأسلحة. السبيل الوحيد لتفادي هذا المسار هو الاستثمار في العدالة ومواجهة اللامساواة المؤسَّسة التي تجعل العنف ممكناً ومربحاً. هذا لا يمكن أن يحدث من دون إعادة تشكيل التمثيل السياسي بعيداً عن الديناميات الافتراسية الراهنة.

إذا واصلت المنطقة لحن الشعبوية اليمنية في 2026، فستشهد المزيد من حالات الطوارئ، والمزيد من «الصراعات الداخلية» والحملات المُسلّحة، وبالضرورة مزيداً من المساحة للجهات الخارجية لتحديد الأولويات وشروط اللعب. إعادة تشغيل لجمهوريات الموز مع ملحق أمني. قد يقدّم ذلك للرئيس الأمريكي ما يماثل «جائزة سلام فيفا» على مستوى جيوسياسي — جائزة لعرض النجاح لكنها تفشل في الواقع. الطريق للخروج من هذا المسار يمر بضمان أن تجري السياسة خارج ظل الزيّ والبوبوليزم، وأن لا تُغلَب أصوات المواطنين على مصالح الزمر والنخب قصيرة النظر. ستكون المهمة أصعب بفعل الضغوط الأمريكية لعقود صفقة معاملات لا تهتم بالديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الشرعية.

الآراء المعبر عنها هنا تمثل رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق